aren

2019 عام الاختناق اللبناني الفردي والجَماعي \\ كتابة : جهاد الزين
الإثنين - 6 - يناير - 2020

mouzqq

كيف انتهى هذا العام الكريه إلى نكبة؟ ستظل نتائجها محفورةً في مستقبلنا لأنني أشك في أن هذا الانهيار الاقتصادي وما كشفه من توحّش تعرّض له معظم الشعب اللبناني يمكن استدراكهما قريباً.

شخصياً تعرّضتُ إلى انتكاسة صحية مؤلمة تعطيني كل المبررات الذاتية في اعتبار 2019 عاماً أسود. لكني أتحدّث عن الشأن العام. إنه عام الاختناق. فأن تتواكب طبقات الاختناق المهني والمالي والسياسي مع بعضها البعض في هذا الشكل، فهذا أكثر من قاتل حين يكون الشخص الواحد عرضةً لجرائم متكررة كأنه بضعة أشخاص وليس واحداً.

كل لبناني عموماً، ما عدا بعض الوحوش في الطبقتين السياسية والمصرفية شعر بالاختناق هذا العام الراحل بلا أسف ولا يستحق أي جنّاز إلا اللعنات والغضب على من تسبّبوا به.

كانتشار الطاعون انتشر الذل المصرفي في أواخر العام 2019. صار اللبنانيون فجأةً بمعظمهم ليس فقط أذلّاء في قاعات المصارف بل سذّجٌ وأذلاء. لأن الاختناق يعود على ماضيك. كيف صدّقت وكيف انتظرت. وكيف تحمّلتَ. أنا أستغرب كيف لم تندلع بعد أعمال إرهابية وعنفية غير منظمة في الظل الأسود لهذا الاختناق الجماعي؟.

خرجت الثورة لكن السلمية الراقية.

لعلها الكيمياء العجيبة هي التي أنتجت من مجموع الاختناقات العامة واحدةً من أهم الحركات الشعبية منذ تأسيس دولة لبنان الكبير بتوقيع الجنرال غورو. بل هي الحركة غير الطائفية الأكبر منذ مائة عام.

هل تخرق هذه الثورة سقفَ هذا الاختناق وتعيد فتحَ الأفق العام؟ من الصعب توقّع ذلك. فالنظام السياسي قوي ووقح ومَحمْي ومتمرِّس إلى درجة تجعله مغلَقاً على فساده. وقد ظهر للمرة الألف أن لكل لصٍ من لصوصه جمهوراً يحميه حتى بين الأكثر اختناقاً. وأُفضِّل في رأس هذه السنة بالذات أن أقول الأكثر اختناقاً على القول الأكثر فقراً.

عاد اللبنانيون ليصبحوا مشاريع شحّادين كما أصبحوا في نهايات الحرب الأهلية 1975-2000. إنهم يهيئون لهم من الآن الإعاشات. كانت الإعاشة هي علامة النكبة الفلسطينية. وهي علامة متجددة للنكبة اللبنانية.

سيصبح عليك في العام 2020 أن تشكر من سرقك. كما كان عليك في الحرب الأهلية الأخيرة أن تشكر قاتلَك.

في الاختناق يختنق جزء جديد من التميّز اللبناني. ما زال لدينا عدد من التمايزات بينها الثقافي التربوي. لكن بات من الصعب أن تظهر هذه الأخيرة في الوضع الراهن الذي يعج بالمختنِقين.

سبق لدول ومجتمعات أن اختنقت ثقافياً، خصوصاً في العالم الثالث. لماذا ليس لبنان؟ للمرة الأولى انهيار الطبقة الوسطى تعبير لا مبالغة فيه. فَلْيَنْعم اللصوص السياسيون بهناءة العيش بين “الشحّادين”.

الثورة الحالية التي يقودها جيل جديد رائع سبق لي أن كتبتُ أنها أصبحت ثورةَ “مودعين صغار” مختنقين في قاعات المصارف نهاراً وثوارٍ في المساء في ساحات المدن.

المقالات، الكتب، المذكرات، الحوالات، المراسلات، الفواتير، … يجب أن تُوَقَّع جميعها باسم “المختنِق فلان” و”المختنِق فْلَيْتان” خلال العام المقبل وربما ما بعده.

شعبٌ من المختنِقين.

علينا أن نسمع صيحات المختنقين على أسوار غيتوات اللصوص والمرفّهين. الصيحات التي تصل أسماع العالم وآذان صندوق النقد الدولي القاسية. فبالنتيجة نحن مسؤولون أولاً عمّا حلّ بنا. ولا أريد أن أقول نحن نستحقه إذا لم ننتفض بالقدر الفعّال عليه.

“النهار”اللبنانية