aren

معركة الموصل ( فكر عثماني و مخطط شيطاني ).. كما يراها اردوغان … د.ميشيل حنا الحاج
الإثنين - 7 - نوفمبر - 2016

الرئيس التركي أردوغان يذكر الآن في خطاباته المتعددة ، في معرض مبرراته لاحتمالات تدخل تركي في معركة تحرير الموصل، المراد منها استعادة العراق لسيطرته على كل أراضيه.

أن الموصل…لا ليس الموصل فحسب بل كركوك أيضا، كانتا ضمن السيادة العثمانية، وبالتالي من حق تركيا التدخل، خصوصا اذا تعرض تركمان مدينة ” تل أعفر” القريبة من الموصل، للخطر على يد مقاتلي الحشد الشعبي، الموصوف بكونه حشدا (شيعيا) ، وكأنه يعيد التذكير بأن الحرب ما زالت قائمة، كما كانت قبل عدة قرون، بين ما يوصف بالامبراطورية الصفوية (اي الايرانية القديمة)، والامبراطورية العثمانية ، متناسيا أن الامبراطورية الصفوية قد انقضت، وانقضت أيضا الامبراطورية العثمانية.

ويقول الكاتب والمؤرخ أمير طاهري في مقال له على صفحات جريدة الشرق الأوسط اللندنية ، أن أردوغان يستند في ادعاءاته تلك، الى معاهدة لوزان التي وقعت عام 1923 اثر انهيار الدولة العثمانية.

وهو بادعائه ذاك، يبدو وكأنه يتناسى بأن بعث الحياة في معاهدة لوزان، سيؤدي أيضا لارتفاع أصوات في ايران، مطالبة ببعث االحياة في اتفاقية قصر شيرين الموقعة عام 1639 بين الامبراطورية العثمانية والامبراطورية الصفوية، (اللتان كانتا تسيطران على دول الشرق الأوسط ودول الجوار)، وهي الاتفاقية (كما يقول أمير طاهري في مقاله) التي منحت الامبراطورية الصفوية (وريثتها ايران)، حق الاشراف على المواقع الشيعية في بلاد ما بين النهرين، أي العراق.

وهذا يعني في نهاية المطاف، اذا تم الاعتداد بالمعاهدات والاتفاقيات القديمة، الى الغاء وجود العراق كدولة كانت حتى عام 2003، دولة قومية لا تعترف بالطائفية.

كما أنه يتجاوز كل المطامع الأميركية من وراء غزو العراق في عام 2003، من سعي الى تقسيمه الى ثلاث دول، الى سعي الآن لالغاء وجوده من خارطة الجغرافية السياسية.

ولكن أردوغان لا يسعى فحسب الى اقتطاع أجزاء من العراق بذريعة معاهدة لوزان وحماية تركمان العراق، بل يسعى أيضا من خلال عملية درع الفرات، لاقتطاع جزء من سوريا أيضا، وهو الجزء الشمالي المحاذي لتركيا ، بذريعة فرض منطقة عازلة طالما رفضها الأميركيون لتضاربها مع مشروعهم الخاص في انشاء كيان كردي عليه يشكل (كردستان سوريا) ، شبيه بكردستان العراق، يشكلان معا خطوة نحو الشرق الأوسط الجديد في ثوب جديد، يقتضي انشاء كردستان المستقلة (والمتحالفة معها وربما مع اسرائيل أيضا كما يأمل الأميركيون)، على أراض منتزعة من سيادة كل من سوريا والعراق وايران وتركيا، مما يشكل تنفيذا لمشروع الشرق الأوسط الجديد، لكن بثوب جديد، لأنه لا يقسم دولا، الأمر الذي ترفضه القوانين الدولية ، اذا لم يتم بموافقة شعوب تلك الدول، بل هو الآن يحقق آمال شعب يتطلع الى الحرية والاستقلال، وهو الشعب الكردي.

فهنا تصطدم المصلحة الأميركية مع المصلحة التركية، التي تريد اقتطاع شمال سوريا وبسط هيمنتها عليها، بذريعة الحيلولة دون استقواء أكراد تركيا في ديار بكر بأكراد سوريا، اذا ما تحقق لأكراد سوريا المتعاطفين مع اكراد تركيا ال PKK،  مشروع ( كردستان سوريا) .

ولكن لعبة خلط الأوراق الأردوغانية، لا تقتصر على احياء معاهدات قديمة ليبرر بها مطامعه بالتوسع في الجغرافية التركية، بل تمتد أيضا لاحياء منازعات طائفية حاول طمسها بل وامتصاصها،  قادة الحركة القومية من أمثال جمال عبد الناصر وصدام حسين وشكري القوتلي، وشاركهم في ذلك كتاب عروبيون أمثال قسطنطين زريق وميشيل عفلق.

كما سبقهم في الدعوة الى الوعي والانتفاض على القديم والطائفية، قادة سياسيون وكتاب أمثال سعد زغلول ومحمد عبده  وطه حسين… فهو ( اردوغان ) يحاول أيضا الابقاء على جذوة الصراعات الطائفية ، باعتبارها مدخله السهل للتوصل لقيادة المنطقة، على ركام كل من ايران من ناحية، والسعودية ودول الخليج من ناحية أخرى، اللتان تتطاحنان في حروب يقودها آخرون بالوكالة عنهم، في كل من سوريا واليمن وليبيا والعراق، وهي حروب تحمل الدمار للجميع ، وأولا الدول المغذية لهذه الحروب ( السعودية… )

ليقف بعدها وعلى اطلالها، الامبراطور العثماني الأردوغاني … قائدا ، لا للعالم الشرق أوسطي فحسب، بل لكل دول العالم الاسلامي أيضا، بعد انهاك الدول التي كانت تقودها سابقا… بتلك الحروب.

فالخسائر السعودية من الحروب التي تمولها على حساب احتياطياتها النقدية، بلغت في العام الماضي، كما تقول عدة مصادر بل وتعترف بها السعودية أيضا، مائة مليار دولار تقترب لأن ترتفع الى مائتي مليار بعد شهور قليلة، عبثا تحاول السعودية التعويض عنها، عبر تخفيض في الرواتب والمكافاءات والميزانية، وتجميد للمشاريع التطويرية، اضافة الى اصدار سندات الاستندانة من المواطنين ومن آخرين .

 فهل يبقى حال الخدر الأردوغاني لمزيد من السنوات، طائلا لفكر بعض القيادات العربية لسنوات أخرى قادمة، انتظارا لمرحلة تصل فيها السعودية ودول خليجية أخرى معها، الى مرحلة الفقر والاستدانة من البنك الدولي وغيره، بعد أن كانت دول كثيرة فقيرة أمثال جيبوتي وجزر القمر والأردن والصومال، تقف على أبواب بعضها، كالسعودية مثلا،  مستجدية العون منها، لانقاذ شعوبها من ظلم الحاجة والوضع الاقتصادي السيء؟ ن كلانت دول أخرى كثيرة على بابعا

والواقع أن أردوغان بدهائه اللامتناهي يكاد يلامس عبقرية الشيطان ذاته، فقد بات يهدد أيضا يضاأيضا الاتحاد الأوروبي، باستخدم قنبلة اللاجئين القادم معظمهم من سوريا الجريحة، كوسيلة لشرخ جدار الاتحاد، الذي يجمع دول أوروبا.  فها هي بريطانيا تتجه للخروج  منه، وها هي دول أوروبية أخرى تتحفظ على الاتفاقية الأوروبية الخاصة بتوزيع اللاجئين على تلك الدول، وبعضها يهدد بالتخلي عن عضويته في الاتحاد المذكور، اذا تشبث بفرض استيعاب بعض اللاجئين على أراضيهم.

والواقع ، بأنه يتحدى الكثيرين بعناد وتصميم واضحين ، فقد تحدى الدول الأوروبية بالابتعاد تدريجيا عن النهج الديمقراطي في الحكم، واهداره لمبادىء حقوق الانسان ، نتيجة سلسلة الاعتقالات التي طالت الآلاف من المواطنين الأتراك، آخرهم قياديي حزب الشعوب الديمقراطية، رغم كونهم نوابا في البرلمان ، ومنتخبين بارادة شعبية ، وتحداهم أيضا بتوجهه نحو اعادة فرض حكم الاعدام، رغم تحذيرهم له من خطوة كهذه.

كما ، وتحدى الرئيس أوباما والولايات المتحدة معه، عندما رفض الاستجابة لطلبه في الماضي غير البعيد، باستخدام قاعدة أنجرليك لقصف مواقع تنظيم ( داعش ) الارهابي ، ورفضه السماح بمرور الذخيرة الأميركية والمقاتلين من البيشميركة، عبر الأراضي التركية في أواخر عام 2014، لمساعدة الأكراد المحاصرين في عين العرب (كوباني).

أيضا تحدى حلف شمال الأطلسي ، الذي هو عضو فيه، بالنسبة لمدى حقهم في استخدام قاعدة أنجرليك التركية، التي هي أيضا قاعدة هامة لحلف شمال الأطلسي ، بل وتحدى في مرحلة ما روسيا الاتحادية، عندما أسقط لهم طائرة السوخوي قبل قرابة العام، رغم محاولته لاحقا لرأب الصدع معها، بالتوصل الى اتفاق مع الرئيس بوتين، وهو اتفاق موضع شبهات في مدى تقيد أردوغان به، وكأن الثعلب أردوغان يعتقد أنه بوسعه أن يخدع ( ثعلبا) آخر ، قد يكون أكثر ذكاء منه، وهو الرئيس بوتين.

فاستجابة لذاك الاتفاق، أبدت روسيا تفهمها للعملية التركية في شمال سوريا والمسماة بدرع الفرات ، وربما كان مرد تلك الخطوة الروسية، أن أردوغان بخطوته تلك، انما يساعد على احباط مشروع الولايات المتحدة بانشاء كردستان سوريا ، خلافا لرغبة حليفها سوريا ، وكان يفترض كما توقع البعض، أن ترد له تركيا تلك الخدمة بالضغط على جبهة النصرة (جبهة فتح الشام) الارهابية للانسحاب من حلب ، وتجنيب روسيا معركة كبرى لتحريرها من سيطرتهم ، لكن العكس قد تحقق، فأسلحة جديدة وأكثر فعالية وقوة، قد وصلت الى جبهة النصرة ، مما جعلها مع مناصريها من أحرار الشام ونور الدين زنكي وكتائب التركمان…أكثر قدرة على مقاتلة السوريين والروس وكل حلفائهم مجتمعين.

وبطبيعة الحال كان من المتعذر، مع اغلاق الأردن ولبنان لحدودهما، وصعوبة تمرير تلك الأسلحة عبر الحدود العراقية… وصول تلك الأسلحة اليهم دون مرورها عبر الحدود التركية ، التي وعد اردوغان باغلاقها، كما وعد من قبل الولايات المتحدة باغلاقها.

ولكن الثعلب الأردوغاني لا يبدو متجها للالتزام بوعوده لأي من الأطراف الدولية، ففي الدماغ الأردوغاني كما تدل العديد من المؤشرات، مخطط عثماني شيطاني ، وهو يذكر كثيرا بالنهج الهتلري في ثلاثينات القرن الماضي، وينذر بالخطر الشيد لمعاناة طويلة لعدة دول في العالم.

دون أن يقتصر على معاناة السوريين الذين خسروا حتى الآن ثلاثمائة ألف قتيل، وملايين المشردين والمهجرين من أبناء ذاك البلد الذي كان بلدا آمنا، الى أن مسته يد شيطان، قد يكون اسمه أردوغان، بمشاركة و حسن نية، من بعض الأعراب ، الذين اشتروا مقاتلين من الأفغان والشيشان ومن كل البلدان في أنحاء المعمورة الواسعة ، ليشعلوا حربا في سوريا وكالة عنهم ، سرعان ما انتقل لهيبها الى اليمن والعراق وليبيا، ولا يعلم الا الله، ان كانت نيرانها ستشعل مزيدا من النيران في مزيد من البلدان

                                         مستشار في المركز الأوروبي العربي لمكافحة الارهاب – برلين

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها