aren

يوم توقفت عن البحث عن دمشق
الخميس - 29 - يوليو - 2021

تمارا الرفاعي

العلاقة بالأماكن فيها كثير من السحر. رائحة تغلفنى وتنقلنى عبر الزمن، منظر محفور فى عقلى يظهر دون إنذار فأشعر بقدمى تنغرسان فى الأرض، صوت يدخل إلى رأسى فأرفع نظرى لأسلم على الجارة التى لم تعد موجودة، تضاريس أمر بيدى عليها فأكاد أقرأ قصص الحى كمن يستخدم تقنية برايل ليقرأ بيديه متحسسا الحروف.

العلاقة بالأماكن حسية قبل أن تكون جغرافية، فكيف أفسر توقف العالم تماما من حولى عن الحركة حين أستنشق رائحة نبتة مسك الليل فى لحظة مسائية فأختنق بسبب أثر ذاكرة الرائحة على وليس بسبب ارتفاع حرارة الجو؟ وكيف يخترق صوت جارة جدتى تفكيرى فأسمعها تعاتب أطفالها على شىء ولا أتذكر اسمها ولا وجهها ولا أشكال أطفالها، إنما أتذكر جدتى تجلس فى حديقة منزلها الداخلية تخيط لى فستان العيد على آلة خياطة من نوع «سينجر» وتحدثنى عن تجارة جدى. أقرب يدى من إبرة جدتى فتنهرنى بعد أن أجرحها وتسقط نقطة دم على الفستان. لحظات وألتهى عن جرحى حين تطلب منى الجدة أن أتذوق ما تطبخه.

وهكذا أمضيت حياتى متنقلة من بلد إلى آخر بحكم العمل والزواج والقرارات المختلفة، أبحث عن رائحة وطعم وملمس وصوت وصورة، حتى وجدت أجزاء من دمشق فى كل مكان، حتى فى أقل الأماكن شبها مع مدينتى.

كثيرا ما ألعب مع الأماكن فى داخلى، أختبئ من رائحة المازوت التى تذكرنى بالمدفأة القديمة، أبحث عن طعم ماء الزهر الذى يعطر كأس الماء البارد حين نقدمه للضيوف، أقطف ثمرة دراق من على الشجرة وآكلها فتمتلئ يدى بعصيرها وتتلون. أندهش كل عام من حلاوة الثمرة وكأننى آكلها للمرة الأولى!

تتقاطع الأماكن إذا فى داخلى لتثير خليطا من الشوق والحنين والحزن والغضب والفراغ والفرح. أعيد ترميم مدينتى فى كل مرة تتحرك فيها إحدى الحواس وأرفض أن أصدق أن المكان اليوم وكما يصفه أصدقائى قد اختلف تماما عما فى ذاكرتى. هل ضجيج الشارع ما زال يسبب الصداع؟ هل رائحة عادم السيارات تكاد أن تخنقنى لولا أننى أشم رائحة الثوم فى مدخل العمارة؟ هل تظهر الجارة من وراء شباكها فألتقط شبح وجهها دون الحجاب لأرى جماله وهو محاط بشعرها الطويل؟

هكذا أمضيت سنوات أبحث فيها عن المدينة فى كل المدن فأجدها أحيانا وأفتقدها فى معظم الأوقات. أسخر مع غيرى من الصور النمطية وأحب فى الوقت ذاته قصص السوريين ومناكفة بعضهم لبعض على أسس مناطقية، كأن يتهم أهل حلب تجار دمشق بالبخل ويتهم الدمشقيون أهل حلب بثقل الظل، ويطلق أهل المدينتين النكات على سكان مدينة حمص، ثم يتغنى الجميع بجمال أهل جبل الدروز وغيره من التنميط لتعقيدات المجتمع السورى. أسخر من التنميط وأستلذه معا.

استمريت بالبحث حتى أدركت أننى أنقل دمشق معى وأفردها حيث أحط بنفسى وبعائلتى. أنا لا أبحث عن المدينة فهى مغلفة فى بقجة مطرزة بخيوط ذهبية أحملها معى عبر الحدود. أنا توقفت اليوم عن البحث، فحيث أنا تكون دمشق، المدينة كما أعدت ترميمها على مدى السنوات، محتفظة بما أحب ومتجاهلة طبقات لم أستسغها قط. أظن أن فى عملية الترميم الكثير من التصالح، كأن أقرر أن أغفر لنفسى بعض الأخطاء وأتناسى كميات من البشاعة كانت قد التصقت بجدران المدينة. فى الترميم إمكانية للتغيير، فأنا لم أصنع من مدينتى أيقونة وأعرف حتى هذه اللحظة ما كنت أكرهه فيها، سواء فى أبنيتها أو فى تصرفات سكانها وحكامها، إنما قد ساعدنى البعد عن المكان والزمان على الاحتفاظ بما أحبه فيها.

ها قد توقفت إذا محاولتى فى البحث عن دمشق بعد أن استقريت على ما أريد أن أحتفظ به منها. وفى ظل التغييرات المهولة التى هبطت على المدينة فى السنوات الأخيرة، أصبح مبررا أن يكون لكل من سكنها سرديته الخاصة عن علاقته بدمشق. أنا توقفت عن البحث عن دمشق منذ أن تصالحت مع بعضها واعترفت لنفسى بأن الكثير منها لم يعجبنى. هكذا إذا، تماما كما فى تطبيقات الحاسوب، أمحو أجزاء من على الشاشة وألون أجزاء أخرى هى التى أحكى عنها لأطفالى حتى يقولوا يوما ما «ماما كانت من الشام، أهل الشام كانوا كذا وكذا».

“الشروق”المصرية