aren

ينساني الزمان على سطح الجيران \ بقلم : مأمون البني
الخميس - 25 - أبريل - 2019

العقيد عدنان المالكي وخطيبته سميرة الحجار

كنا نتلهف انتظاراً لحادثة ما أو مشاهدة حريق ما، أو ألعاب نارية احتفاءً بأي مناسبة وطنية بل تعيين، تختلط فيها عائلات الأحياء الشعبية المحافظة ببعضها البعض، معتلية أسطح البيوت الشامية المتراصة، والفرندات ومشارق المنازل، لتتواصل البيوت المتلاصقة وتجمعات العائلات الشعبية في الأعالي.

في مثل هذه الأيام، وتحديداً في 22 نيسان 1955، الذي ابتدأ باحتفال وانتهى باكتئاب، اغتيل العقيد الركن عدنان المالكي، على يد أحد العناصر المسؤولة عن حماية المنصة الراعية لمباراة الجيش السوري وخفر السواحل المصري في الملعب البلدي بدمشق.

أطلق الرقيب يونس عبد الرحيم (هكذا قيل)، على رأس العقيد الشاب، ثلاث رصاصات أودت بحياته، ليعمّ الحزن في المدن السورية، وخصوصاً دمشق مدينة الشهيد التي بكت فقدان ابنها البار، فأغلقت المحلات التجارية أبوابها ، وخرج طلاب المدارس والجامعات إلى شوارع العاصمة، منددين بالجريمة النكراء.

في المساء، استفاق أهالي حي سوق ساروجة على أصوات سيارات الإطفاء، فصعدت العائلات إلى أسطح المنازل، لتشاهد ألسنة الدخان المنبثق من أحد أبنيتها، وقفز أطفال الحي، وأنا بينهم، فوق الأسطح المتلاصقة للوصول إلى أقرب نقطة تشرف على الحريق، بهدف الوصول لمعلومات يجهلها الأهل.

عدتُ إلى والدي حاملاً في جعبتي السر المتفشي بين عناصر الدرك عن مسبب الحريق. همست في إذنه وأنا أنظر إلى بنت الجيران، علّني اؤجج مشاعرها وأثير انتباهها لكوني أصبحت أشارك الكبار، الأسرار السياسية.

فقلت لوالدي أن محبي عدنان المالكي هم من أضرموا النار في مطبعة الحزب السوري القومي الاجتماعي (المطبعة كانت في أحد البيوت الدمشقية التابعة لحي سوق ساروجة). فضحك والدي وردّ بصوت عال: محبو عدنان المالكي لا يمكن أن يقومون بعمل إجرامي كهذا، لكن من أحرقوا المطبعة هم أنفسهم من قتلوا عدنان المالكي.

ردّ والد جارتي: ومن قال لك أن القوميين السوريين هم من قتلوه! وضعت يدي على قلبي خوفاً من أن يختلف أبوينا ويؤثر ذلك في الانجذاب الحاصل بيني وبين بنت الجيران. ردّ أبي: ومن قال لك أن القوميين السوريين هم من قاموا بذلك..! الأميركان والإسرائليون هم القتلة الفعليون، لأن عدنان المالكي كان عدوّهم اللدود.

فرحت بهده الإجابة التي دفعت جارتنا لتدعونا إلى أكل العوجا والجنارك على سطح منزلهم، لكن جارنا الآخر الذي يبعد عنّا اسطوحين أفشل ذلك، فصرخ فينا جميعاً: أنتم غُشُم.. القاتل الحقيقي هو عبد الناصر، لأن المالكي يرفض فكرة الاتحاد مع مصر. فردّ آخر: لا.. القتلة الفعليون هم البعثيون. وأعقب آخر: بل الأخوان المسلمون هم قاتلوه. وشتم زوجته في الوقت نفسه بحجة أن غطاء رأسها أُزيح بعض الشيء، لأنها حاولت أن تثنيه عن التدخل.

وهكذا علقت خناقة اسطوحية طويلة عريضة بين أهل الحارة، فسارعت كل امرأة، كالعادة، لسحب بعلها من على السطح، وإنزاله بالقوة إلى الدرك الأسفل من بيتها حتى لا تتأزم المشادة أكثر.

وفي صباح اليوم التالي، تبادل الرجال تحية الصباح بوجوهٍ تعكس ثبات كلٍ منهم على موقفه،  بينما اجتمعت نسوة الحي في ديارات بعضهن البعض، ساخرات من قلّة عقل الرجال..

وعادت المياه إلى مجاريها، وكأن شيئاً لم يكن.

“مخرج سينمائي وتلفزيوني – سوري”