aren

يـوم حـزيـن فـي دمـشـق .. 10 حـزيـران 2000 …. \\ بقلم : د.بثينة شعبان
الخميس - 10 - يونيو - 2021

لم يحدث الكثير في سورية أو في العلاقات السورية – الأمريكية أثناء الشهور الثلاثة الأخيرة من حياة الرئيس حافظ الأسـد. ومرة أخرى، وخلافاً للتقارير الصحفية، استمر في حياته اليومية، يتوجه إلى مكتبه كل صباح كما كان يفعل طوال العقود الثلاثة السابقة، ويستقبل الشخصيات الأجنبية والعربية التي تطلب مقابلته في دمشق. ومن المؤكد أنه لم يكن ” فاقد الحياة سريرياً ” بحلول شهر أيار عام 2000، كما نشرت الصحافة الإسرائيلية في ذلك الصيف. ففي صباح أحد الأيام نهض مبكراً كي يجري أطباؤه فحصاً روتينياً له. وقد أفادوا أن صحته جيدة، و أخبروه هو وزوجته:

” أنت في حالة مثلى، يا سيادة الرئيس “.

في اليوم نفسه، وبينما كان يرتدي ثيابه للتوجه إلى العمل، رنّ جرس الهاتف، وكان المتصل الرئيس اللبناني العماد إميل لحود من بيروت. كان الأسـد يحب الرئيس لحود ويعامله معاملة الابن، وقد دعم ترشيحه للرئاسة في عام 1998. ويعزى إلى لحود الفضل في الحفاظ على وحدة الجيش اللبناني في السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية، و في تأييد محور المـ.ـقـ.ـاومـ.ـة، الذي حرر القسم الأعظم من جنوب لبنان بحلول شهر أيار 2000، وهو إنجاز بطولي.

وكان الأسـد قد أعطى تعليمات إلى كبار المسؤولين السوريين، و كل حلفاء سورية في لبنان، بأن يُنسب فضل تحرير لبنان إلى اللبنانين أنفسهم، و بالتحديد إلى لحود وحـ.ـز.ب الله, وليس إلى سورية. وكان كثيراً ما يقول لي في أيامه الأخيرة: ” هذا إنجازهم، و ليس إنجازنا “. ولا ندري ما قاله الرئيس اللبناني لنظيره السوري في ذلك الصباح، ولكن ما أعرفه حتماً هو أن آخر جمله قالها للحود، حسبما أخبرتني السيدة أنيسة مخلوف، أطال الله عمرها، هي :

” نحن مدينون بذلك للأجيال القادمة”.

( كانا يتحدثان عن تحرير المـ.ـقـ.ـاومـ.ـة جنوب لبنان في 25 أيار, أي قبل بضعة أيام ).

وفي منتصف المحادثة، أصيب الأسـد بنوبة قلبية وشهق، ونادى زوجته. كانت السيدة الأولى في غرفة قريبة تعدُ بعض النقود من أموال الزكاة التي تنوي إرسالها إلى عائلات مستورة في المدن و القرى السورية. ولم تتوقف عن عد النقود، إذ ظنت أن زوجها يناديها لتساعده على تذكر أحد الأسماء أو التواريخ. ولكن، و بعد لحظات، حين دخلت الغرفة وجدت الرئيس الأسـد متهاوياً على سريره، في حين كانت سماعة الهاتف وشريطها متدليين على الأرض.

أخبرنا الرئيس لحود فيما بعد أن الأسـد كان يحدثه عن الأجيال القادمة، وعن جعل الشرق الأوسط جزءاً من العالم يسوده السلام، خالياً من الحرب والموت والصراع.

كانت تلك كلمات حافظ الأسـد الختامية وأمنيته الأخيرة. وقد توفي في ذلك اليوم: 10 حزيران عام 2000، قبل أربعة أشهر من عيد ميلاده السبعين، أي لم يتجاوز التاسعة والستين من العمر.

لم أعرف على الفور ما حدث ذلك الصباح، إذ كنتُ مشغولة في منزلي، أساعد ابنتي في الإعداد لفحص الشهادة الثانوية. وكنت قد وعدتها أنها إذا نجحت بدرجات عالية في الامتحان الذي يهابه الطلاب جميعهم فسأعرّف الرئيس الأسـد بها. ثم خبروني أحد جيراني، وهو ضابط في الجيش السوري قائلا:

” هل حدث شيء ما في البلاد؟ هناك حركة غير عادية في الشوارع “. كنت قد قابلت الرئيس قبل بضعة أيام، وبدا حينذاك في صحة ممتازة، كما ذكرتُ سالفاً، و كان مشغولاً بالإعداد لمؤتمر حزب البعث الوشيك الانعقاد.

اتصلتُ بالقصر الجمهوري لأتكلم مع مدير مكتبه أبو سليم دعبول، لكنه لم يرد على المكالمة، وجدتُ ذلك غريباً. ثم خابرت عائلة الرئيس، ولكن لم أتمكّن من الحديث مع ابنته الدكتورة بشرى. ارتديتُ ثيابي، وتوجهت إلى مكتبي في وزارة الخارجية في المهاجرين، وأفكار مقلقة تدور في رأسي. كنت أشعر بفراغ في معدتي، وبخوف من أنّ شيئاً رهيباً قد حدث، لكنني لم أشأ القفز إلى أية استنتاجات جامحة.

كانت شوارع دمشق مزدحمة، على نحو غير مألوف، ازدحاماً تجمعت فيه الحشود في الشوارع بطريقة لا تخلو من الفوضى قبل أن ينفض بسرعة. كان الناس في عجلة بالغة، وبدا عليهم القلق والانزعاج. كان الجميع يبدون وكأنهم توصلوا إلى النتيجة نفسها التي توصلتُ إليها:

لقد حدث أمرٌ جلل في دمشق.

لكن لم يكن هناك جيش منتشر في الشوارع، ولا في حي المهاجرين، الذي لا يبعد عن القصر الجمهوري ومنزل الرئيس سوى بضع دقائق سيراً على الأقدام. لم تمتلىء الشوارع بالدبابات، ولا بالرجال في الزي العسكري, ولا بالأسلحة عند كل زاوية، كما كان العالم يتوقع أن تشهده العاصمة السورية يوم وفاة حافظ الأسـد.

كان مكتب وزير الخارجية مكتظاً بالرجال الذين كانوا منهمكين في نقاش حول موضوع ما، إلى أن ظهرتُ على عتبة الباب. دخلت وسألت الشرع عن صحة الرئيس. لم يعطني جواباً مقنعاً، بل تمتم قائلا: ” كل شيء على ما يرام “.

ثم لاحظتُ ورقة على مكتبه، ملفوفة كما تُلَف الشهادة الجامعية، وكلمتا ” الاستعدادات للجنازة ” مكتوبتان عنواناً لها. عدتُ بنظري إلى الوزير ووجهي خالٍ من أي تعبير، وأنا أهزُّ رأسي غير مصدقة وأحاول جاهدة ألا تنهمر دموعي “.

قال لي الشرع: ” كوني قوية يا بثينة، أنتِ سياسية وبحاجة إلى أن تكوني قوية “. ثم أضاف: ” هذه مشيئة الله، ولا يمكن لنا الاعتراض عليها أو منعها. لقد توفي الرئيس هذا الصباح “.

المستشارة السياسية والاعلامية في رئاسة الجمهورية

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها