aren

وماذا بعد ..؟ هنا دمشق من القاهرة : الجيش الأول الميدانى >> محمد عبد الهادى علام \ رئيس تحرير الاهرام>>
الجمعة - 23 - ديسمبر - 2016

لم يكن الرباط بين الشعبين المصرى والسورى وليد الماضى القريب أو لحظة المصير المشترك فى سنوات الحروب المتتالية على مدى أربعة عقود، شكلت وعى الأمة بالوحدة الحقيقية التى تتجاوز رابطة الدين واللغة، لتمتد إلى الثقافة والوجدان المشترك. لم يكن العقل المصرى يقبل بما جرى للشقيقة سوريا خط الدفاع الأول عن مصر والأمة العربية أو يقبل بتقسيم بلد يمثل ركنا أساسيا فى بنيان الأمة العربية.

وكانت فرحة الأغلبية العظمى من المصريين بتحرير «حلب» من قبضة الإرهابيين والمرتزقة فرحة عظيمة وتلقائية فلم تنخدع يوماً بما تلوكه حناجر قنوات هدفها الأكبر هو إسقاط الدولة السورية وليس تغيير النظام.

ولم تقتنع القيادة السياسية فى مصر بأن نيات الكثيرين على الساحات العربية والإقليمية والدولية تحمل خيرا لشعب شقيق بعد أن تدفق السلاح من كل الاتجاهات، وأصبح المواطنون السوريون سبايا فى بلدهم لميليشيات محترفة لا تعبر عن إرادتهم، ولكنها تعبر عمن دفعوا أموالا طائلة لتدمير دمشق وحلب وإدلب وغيرها من مدن سوريا الشقيقة.

والأفدح فيما جرى أن هؤلاء يذرفون الدموع على شعب شردوه مع سبق إصرار وترصد ولا يستحون فى مطالباتهم بمزيد من التدخل الدولى «المنحاز» لاستكمال مسلسل الخراب وهى جريمة كبرى لم تفعلها حتى إسرائيل فى حروب 1956 و1967 و1973!

أفلتت مصر من مصير سوريا فى ثورة 30 يونيو 2013 وقبلها بأسابيع قليلة كان الخطاب الكارثى للرئيس المعزول محمد مرسى بإستاد القاهرة فى مؤتمر حول سوريا، حشدت له الجماعة الإرهابية كل قيادات الإرهاب العائدين من الخارج أو المطلق سراحهم قبل سنوات ثم تواروا عن الأنظار تحيناً لفرصة يظهرون فيها على المسرح إلى جوار رئيس لم يكن معبرا عن روح مصر أو عقلها العربى الهوى الذى يكره الفرقة أو القسمة ولا يخون أو يتآمر على الشعوب العربية، ولا يشارك فى القتل مثلما أراد هؤلاء الموتورون أن يورطوا أمتنا فيه بدم بارد!…

كانت الجماعة الإرهابية تروج لفكرة أن الشعب والجيش المصرى مع ما أطلق عليه «الثورة السورية» (!) وكانت المؤامرة دنيئة لتوريط جيش مصر العظيم أكبر جيش فى المنطقة فى حرب عبثية مجرمة وكانت دعوة مفتوحة لأن نصبح حلفاء لتنظيم «داعش» الإرهابي!… والأخطر كان محاولة تغيير عقيدة الجيش المصرى ورؤيته للصراعات الإقليمية بحيث يشارك أو يقود الفوضى الإقليمية التى خطط لها أقزام فى المعادلة الإقليمية.

وقد عجلت تلك الحادثة المشينة بثورة 30 يونيو بعد أن شعر الشعب المصرى بغصة وحرقة على بلد وشعب شقيق يريد البعض أن نتورط فى حرب تدمير مقدراته حيث التورط هو نهاية أو «مسك الختام» فى مشروع الفوضى وضرب الجيش المصرى وإنهاكه ومن ثم تمكين الجماعة فى مصر والمنطقة من تحقيق مشروعها فى إنهاء الجيوش النظامية المحترفة فى العالم العربى وعلى رأسها الجيش المصرى الذى كان هدف المؤامرة و«الجائزة الكبري».

فى 17 إبريل من العام الماضي، كتبت فى هذا المكان مقالا تحت عنوان «لمصر لا لسوريا: وقفة مع الأشقاء والأصدقاء» قلت فيه: لنتصور ماذا كان يحدث لو كان نظام بشار الأسد سقط خلال وجود هذه الجماعة الإرهابية فى السلطة فى مصر!؟… ببساطة كانت مصر قد استقبلت عشرات الآلاف من الداعشيين.. ألم يهدد الإرهابى خيرت الشاطر وزير الدفاع آنذاك عبدالفتاح السيسى بعشرات المسلحين؟… وبعض منهم أدخلتهم الجماعة إلى سيناء بالتعاون مع حركة حماس بالفعل…

بمعنى آخر وبكل صراحة، فإن صمود الجيش السورى ووقوفه فى وجه الإرهاب حمى مصر وأمنها القومى فى لحظة تاريخية فارقة… ليتأكد مرة أخرى ارتباط أمن مصر القومى بالوضع فى سوريا، والذى كانت تجلياته عديدة منذ فجر التاريخ، وليست حرب أكتوبر 1973 المجيدة وحدها أحد هذه التجليات.. فهل ننسى قدوم الضابط السورى المسيحى الأرثوذكسى جول جمال إلى مصر خلال العدوان الثلاثى 1956، «حيث نحتفل اليوم بالذكرى الستين للانتصار عليه فى بورسعيد» للإسهام مع إخوانه المصريين فى التصدى للعدوان، واستشهاده دفاعاً عن مصر، مما يؤكد أن أمن سوريا أيضا جزء من الأمن القومى المصرى تماماً مثل أمن دول الخليج العربية.

………………………………………….

إن انتصار الجيش العربى السورى فى معركة حلب الأخيرة هو انتصار للأمة كلها وهو بمثابة عملية إنقاذ للمشرق العربى بأسره، لو تعلمون، وربما المنطقة العربية كلها، وسوف تثبت الأيام القادمة صدق وسلامة الخيارات فى دعم مصر تماسك الدولة السورية ومؤسساتها فى مواجهة الجماعات الإرهابية التى ارتكبت كل جرائم الحرب فى فترة أقل من أربع سنوات ولم يعد الدفاع عنها أمرا مقبولا ولا أخلاقيا بالمرة. العملاء والجواسيس فقط هم من احتاروا فى موقف مصر مما يجرى فى سوريا لأنهم لا يعلمون ما يعنيه الجيش السورى بالنسبة لمصر.

تعرفون الجيش الثالث الميداني

لم يسأل أحد نفسه .. من وأين هو الجيش الأول؟!

الجيش العربى السورى هو الجيش الأول.. والتسميات لم تأت من فراغ وإنما نتاج التاريخ والجغرافيا منذ فجر التاريخ مرورا بحطين وعين جالوت وحتى انتصار أكتوبر 1973. حيث حاربنا معا وانتصرنا معا.. لكن الأقدار شاءت أن يحارب كل من الجيش المصرى والجيش السورى هذه الحرب ضد الإرهاب وحده.. وانتصرت مصر.. وستنتصر سوريا.

………………………………………….

ما سوف يقوله التاريخ عن الموقف المصرى مما يجرى فى سوريا عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسى بوضوح فى حواره مع رؤساء تحرير الصحف القومية المنشور فى 22 أغسطس الماضى عندما قال الرئيس إن سوريا تتقاطع فيها كل الرؤى والمصالح بشكل أو بآخر، مشيرا إلى أن أطرافا كثيرة تتعامل مع هذا الملف، كما أن التفاهمات الأمريكية – الروسية ومرونة الأطراف الإقليمية التى لها مصالح مباشرة فى سوريا يمكن أن تؤدى إلى مخرج للأزمة.

ولم يفت الرئيس أن يؤكد أن التوصل إلى حل للأزمة السورية سوف يحتاج إلى وقت. كما حدد الرئيس السيسى أبعاد الموقف المصرى من الوضع فى سوريا الشقيقة ، وقال إن هناك خمسة مبادئ أساسية تحكم   الموقف الرسمى هي: –

احترام وحدة الأراضى السورية

احترام إرادة الشعب السوري

إيجاد حل سياسى للأزمة

نزع أسلحة الميليشيات والجماعات المتطرفة

إعادة الإعمار وتفعيل مؤسسات الدولة السورية من جديد.

………………………………………….

لم يكن سهلا على الإدارة الأمريكية الحالية أن تقر بفشلها وهزيمة سياستها فى سوريا والتصريحات الأخيرة لوزير الخارجية جون كيرى هى عنوان للفشل فى توقيت يحقق الجيش السورى انتصاره الكبير ويدخل حلب ظافراً.

فالإدارة الديمقراطية تخلف وراءها تركة بغيضة وكابوسا رهيبا فى الشرق الأوسط لكننا نأمل فى بارقة أمل من القراءة الأولى لسياسات الرئيس المنتخب دونالد ترامب حيث تشير البوادر إلى وجود مساحة جيدة للتفاهم مع روسيا بشأن أوضاع المنطقة وأننا مقبلون على فترة سلام بارد بين واشنطن وموسكو ومن ثم دخول المنطقة فى مرحلة جديدة من استقرار الأوضاع على ما هى عليه واعتراف كل طرف بواقع الطرف الآخر فى المنطقة. فى ظل تلك المتغيرات على صعيد العلاقات بين الدول الكبري، يمكن ان يفسح المجال أمام الدول صاحبة الثقل فى حركة الأحداث (مثل مصر) لتلعب دورا أكبر وممارسة دورها الطبيعى لاستعادة التوازن وتغليب صوت العقل فى مواجهة المراهقين سياسياً وعسكرياً.

فى الوقت نفسه، يطرح التسليم الأمريكى بحقائق الأوضاع اليوم سؤالاً آخر عن إمكانية أن تفيق أطراف إقليمية لتعود إلى رشدها وتعترف بالهزيمة أو على الأقل بخيبة المسعى البائس فى حرب سوريا وهزيمة مشروعها هناك… التاريخ يكتب فشل وهزيمة مشروع 2011 بعد قرابة ست سنوات وهو مشروع قام على تمكين جماعات الإسلام السياسى من الحكم فى المنطقة لتفتيشها وتقسيمها. هدف المخطط-حسب التصريحات الأمريكية والتركية- ينحسر الآن فى تدبير «الخروج الآمن للإرهابيين»… ويالها من مأساة!!

………………………………………….

رسالتنا إلى كل تلك الأطراف .. الأفضل لكم ولنا جميعا أن تقروا بالهزيمة من أجل وقف نزيف الدماء ووقف مزيد من تشريد الشعب السورى ومن أجل أن تتوحد المنطقة وراء هدف مراجعة السياسات التى لم تدر علينا سوى الإرهاق المالى والسير وراء سراب خادع بحثا عن الزعامة المتوهمة!…

وعندما تدمر الأوطان بأيدى المجرمين الجبناء، فلا مجال للتسامح تحت شعارات المصالحة الوطنية أو القومية.. المحاسبة والتعويضات من أجل إعادة البناء.. فلا عفو إلا بعد التوبة.. وكلما كان الاعتراف بالهزيمة أسرع كان ذلك أفضل للجميع وللمنطقة العربية ولقضية فلسطين المنسية.

—–

باسم الثورات وباسم الربيع العربى وباسم الديمقراطية وباسم حقوق الإنسان وباسم الطبقات المهمشة والطبقة العاملة وباسم العدالة الاجتماعية وقعنا فريسة مؤامرة عظمى وانكشف حجم تلاعب الإعلام المدفوع بالعقول وأصبحنا فى مستنقع آسن لا هروب منه إلا بالاعتراف بالأخطاء الكارثية التى جلبت إلى قلب العالم العربى أسوأ ما كان يمكن أن يصيبنا موجة وحشية من إرهابيين ممولين من عواصم معروفة..

واحدة من حسنات الحكم الجديد فى واشنطن هى الوضوح مع هؤلاء الممولين الكبار للحرب على الدول والشعوب فى المشرق العربي! للأسف المخططات قديمة- وجديدة- معروفة وسيناريوهاتها محفوظة ولكننا اعتدنا أن نلدغ من نفس الجحر مرات ومرات دون أن نتعلم شيئاً!

الكذبة نفسها والسيناريو ذاته حدث فى غزو العراق، ولم يقف أحد فى العالم العربى مراجعاً لكل تلك الأكاذيب عن أسلحة الدمار الشامل والبعض صدقها بغية تدمير العراق والبعض صدقها طواعية وآخرون قبلوا بها قهراً أو خوفاً!

………………………………………….

خلال زيارة للولايات المتحدة سألت مسئولا أمريكياً كان يتحدث عن بناء علاقات جديدة بعد انكشاف الكذبة وقلت له: ماذا يضمن لنا ألا تتكرر منكم هذه الكذبة والخداع مجددا..؟ فأجاب: أنتم من يضمن عدم حدوث ما تتحدث عنه وليس نحن! نحن نكذب وأنتم تقبلون! ماذا يمكن أن نفعل لكم؟! وأعقب رده بضحكة صاخبة عالية جلجلت فى أرجاء المكان!

………………………………………….

نعم .. المأساة أننا لا نتعلم..

جاء ما يسمى بالربيع العربى تحت العناوين الخلابة السابقة وفى ظل ضعف فى جهاز المناعة فى مجتمعاتنا بسبب أنظمة استبدادية لكن كان هناك من يحرض ومن يركب الموجة ومن يمول ومن يعلو صوته بالضجيج والمعارضة المزيفة المأجورة ومن يملك أجندة خاصة فى معارضة مؤسسات الدولة ثم كانت النتيجة الطبيعية «ثورات عظيمة» تنتج تدميرا وفوضى وخرابا وتشريدا وتهجيرا ونزوحا للشعوب فى رحلة من التيه غير مسبوقة فى تاريخ الثورات، فيما يواصل صانعو الفوضى استهداف الجيوش بالأساس وكانت مصر وسوريا فى عين العاصفة بعد 25 يناير.

————-

هزيمة مشروع الفوضى فى سوريا هى فرصة لمراجعات من جانب قوى إقليمية ومن جانب منظمات المجتمع المدنى المحلية التى يتعين أن تنظر إلى جوهر ما يجرى ولا تسير وراء من يمول فقط .. لا يصح أن ينساق البعض فى تلك الظروف الدقيقة والعصيبة مدفوعين برغبة جامحة فى الحصول على تمويلات دون ان ندرك خطورة ما يحدث داخليا وإقليمياً…

سوف يحاسبنا الجيل القادم على ما يجرى اليوم ومن ثم يجب ألا نسمح بتكرار سيناريوهات الفوضى مجدداً… يكفينا ستة أعوام من الفوضى والتدمير… الكل على الساحة الدولية يجمع على أن العرب لا يتحركون لوقف التدهور الحاصل، فعلى الأقل علينا أن نحاول بمحاولات تستهدف تحسين الأوضاع الراهنة أملا فى إصلاح شامل.

………………………………………….

قلنا مرارا وتكرارا على مدى الأعوام الثلاثة الماضية إن المنظور الأوسع لمصر، الذى حدده الرئيس بوضوح وبرؤية ثاقبة، يقوم على أهمية منح أولوية للحرب التى نخوضها ضد ظاهرة الإرهاب وأهمية مواجهتها بشكل شامل وبقدر من الاتساق من جانب الدول العربية أولا والغربية بالنظر إلى أن التنظيمات الإرهابية تتشارك فى الأيديولوجية وفى نفس الأهداف التخريبية، ومن ثم تتعين مواجهتها جميعا فى المنطقة سواء فى ليبيا أو سوريا أو العراق أو اليمن أو فى العالم أجمع. فهل تكون معركة حلب بداية إدراك القوى الدولية والإقليمية لتبعات ما جرى فى السنوات القليلة الماضية؟

نأمل أن يستمع الأشقاء والأصدقاء مجددا إلى صوت العقل!

الأهرام