aren

وداعٌ حارٌ من بيروت للرجل الذي رفَعَ “سقفَ” العالم …. جهاد الزين
الأربعاء - 18 - يناير - 2017

 

ماذا يمكن لمراقب، بل لمواطن مثل كاتب هذه السطور، يعيش في ضاحية الشرق الأوسط الجنوبية العربية والمسلمة – البائسة – لمركز العالم الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية… ماذا يمكن أن يكتب في وداع باراك أوباما المنتهية ولايته؟

بعد وصول باراك أوباما إلى الرئاسة الأميركية عام 2008 لم يعد أمام الديموقراطية، وهي “الاكتشاف” السياسي الفكري الأهم في العصور الحديثة منذ عصر النهضة، حواجز “ثقافية” في العالم لا في اللون ولا في المرتبة الاجتماعية ولا الاقتصادية. “الحاجز” الوحيد هو الكفاءة أي ضرورة الكفاءة الشخصية للوصول الديموقراطي وهذا أعظم ما في تجربة أوباما أنه حمل مع أقصى أنواع التغيير العرقي الديموقراطي الصادم “شرط” الكفاءة بما تعنيه من ذكاء وثقافة ونبل التزام.

لهذا ولأنه على رأس اعظم دولة في العالم لم يوسِّع باراك أوباما فقط السقف السياسي للديموقراطية الأميركية بل وسّع سقف العالم السياسي بكامله.

بعد انتخاب أوباما من سيجرؤ في العالم علناً على ادعاء أي إمكانية لجوء إلى معيار تمييزي عرقي؟ ومن سيجرؤ سيكون، مثل دونالد ترامب محتَقرا من نخبة العالم الثقافية والفنية والليبرالية. كان انتخاب أوباما مرتين لحظة مدهشة من التقاء الديموقراطية بـ”الميريتو كراسي” أي طبقة الكفاءات، نبلاء هذا العالم الجديد البادئ منذ القرن السادس عشر.

إذن نحن نودِّع “ذروة” ديموقراطية. لم يصنعْها شخصُه بل هي التي “صنعت” شخصَه وساهم هو في تكريسها.

لم يخرج باراك أوباما عن كونه رئيسا “طبيعيا” لأميركا سواء في الإنجازات أو في الخيبات، ولكن أميركا القِيَميّة تغيرت إلى لا عودة وغيّرت معها العالم قيمياً. في بلد التمييز العنصري يجري انتخاب “شاب” أسود للرئاسة هذا يعني للمستقبل ارتفاعَ سقف العالم السياسي. إن لم يظهر ذلك سريعا أينما كان، فهو قوة تغيير فرضت نفسها على كل الديموقراطيات وغير الديموقراطيات.

مأساة أوباما أنه يغادر وقد اكتشف أن المسألة العنصرية في أميركا لا تزال عميقة الجذور ولم تتقدّم بنيويا بالقدر الذي يعادل صدمة رئاسته. الرئاسة التي جعلها ممكنةً، ولا يجب أن يخطِئ أحدٌ في هذا، تيار شبابي أبيض متنوّر ومنفتح كان في العشرينات من عمره عام 2007.

وبقدر بدا انتخاب أوباما تعبيراً عن تطور رائع في ثقة الجيل الجديد من الطبقة الوسطى المدينيّة الأميركية بنفسه يبدو انتخاب دونالد ترامب للرئاسة التي سيتسلمها خلال ثلاثة أيام تعبيرا عن عدم ثقة قطاعات واسعة بيضاء أميركية ريفية أو متَجاوَزة في المراكز الصناعية التقليدية (المغلَقة بعضها) بنفسها. حتى اليوم يبدو انتخاب ترامب أقرب إلى “ثورة مضادة” داخل الديموقراطية الأميركية وإن كان رئيس تحرير صحيفة “النيويورك تايمز” محقا في الدعوة إلى اعتبار دونالد ترامب وطاقمه الحاكم “ثواراً” يجب توقُّع غير المألوف منهم.

ولأني كنتُ محظوظاً بتغطية حملته الانتخابية التمهيدية عام 2007 من خلال جولة لأسابيع في عدد من الولايات والمدن الأميركية أشعر اليوم ليس فقط أن حقبة سياسية تنتهي في واشنطن والعالم وتبدأ واحدة جديدة، بل أيضا أن حقبة من المفاهيم الجديدة الفكرية والآفاق النفسية التي دلّنا انتخابه على وجودها في المجتمع الأميركي هي اليوم مهدّدة ولكن ليست ضعيفة.

فسيتوقّف على “نتائج” حقبة دونالد ترامب الآتية أن نعرف مدى قوة ترسّخ الديموقراطية الأميركية، وهي الدولة التي ليست فقط الأقوى في العالم بل الأكثر إبداعا علميا وحضاريا اليوم.

لأنني في مدينة مثل بيروت داخل ضاحية الشرق الأوسط الصغيرة، كيف يمكنني أن أرى العالم و باراك أوباما يغادر البيت الأبيض… قلب هذا العالم؟

لم تكن سياسة أوباما قليلة الخبث، هو بالنتيجة خبث الامبراطورية الأميركية: لقد تميّز عهده بالصدام مع روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين. ادّعت الديبلوماسية الأميركية أن بوتين هو المهاجِم في القوقاز وشرق أوروبا وسوريا. وواقع الأمر أن واشنطن والاتحاد الأوروبي هما اللذان هاجماه بتحضير انقلاب في أوكرانيا مستند إلى تيار شعبي.

قبل ذلك عندما هاجم بوتين جورجيا كانت واشنطن حضّرت سياسة جورجية طالب فيها المسؤولون الجيورجيون بالانضمام إلى الحلف الأطلسي (أي في القوقاز “الروسي” نفسه!)

في سوريا كان هجوم أوباما بعد توظيف الغرب وحلفائه عبر الإخوان المسلمين لنتائج “الربيع العربي” قد شمل معظم دول ضفاف البحر الأبيض المتوسط. فرد بوتين في مائة كيلومتر على الضفة الآسيوية هي الساحل السوري. في كل هذه الحالات كان بوتين دفاعيا والديبلوماسية الأميركية مخادعة.

إذن لستُ معجباً بنبي اسمه باراك أوباما. ولكن بشخص- رئيس ذكي حمل معه طاقة تغييرية داخل أميركا (ومتزنة) وحاول جاهدا في العالم أن ينتهي مع الإرث العسكري للسياسة الأميركية.

حتى مع إسرائيل ويمينها الليكودي الذي “أخرجه من ثيابه” بسبب صلافة هذا اليمين وعجرفته الاستيطانية نجح أوباما، والكثيرون ينسون ذلك، في أن ينزع من الرئيس بشار الأسد ونظامه ترسانة السلاح الكيميائي بكاملها وهو إنجاز كبير لصالح إسرائيل المتسلحة نوويا وكيميائيا ضد العرب حتى أسنانها. هذا إذا لم نضف الانهيار السوري كخدمة استراتيجية لاسرائيل. بل عسكرة ثورة مدنية حقيقية ضد نظام تسلّطٍ وتحويلها إلى حرب أهلية. كل هذه هي السياسة الأميركية.

هذه أميركا الشرق أوسطية التي مع ذلك أنهت عهد رئيسها المغادر بقرار غير مألوف ضد إسرائيل سمح بإدانة الاستيطان الإسرائيلي، قبل ذلك الاتفاق التاريخي مع ايران.

رجل كبير، خطيب لامع ودقيق وجريء ومثقف، زوجة رائعة مثقفة وشديدة الذكاء ويمكن أن يكون لها أو له مستقبل سياسي لاحق.

هناك نقاش هائل على إنجازاته الداخلية لكنْ بعضها واضح: تقدم جدي في العديد من المؤشرات الاقتصادية، “أوباما كاير” التي يتآمرون الآن وبسرعة على إنهائها بحجة الكلفة.

وداعا لأوباما الرئيس وزوجته السيدة الأولى اللذين سيكونان حتما جزءا من مواجهة عهد تدميري آتٍ على أكثر من مستوى.

النهار اللبنانية