aren

وداعا صباح فخري \\ كتابة : تمارا الرفاعي
الخميس - 4 - نوفمبر - 2021

لكل منا مقطعه المفضل من أغاني صباح فخري، لكل منا جملة حين يصل إليها المغنى نشعر أننا نمتلكها. اليوم مع رحيل المطرب العملاق، امتزجت أغانيه بقصص وذكريات ارتبطت بكلماتها.

صباح فخري كان بمثابة هدية مدينة حلب للعالم في مجال الموسيقى العربية الكلاسيكية. سميت حلب بعاصمة الموسيقى لما قدمته للعالم من تراث وعلم في هذا المجال، بدءا بـ «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني على زمن أمير حلب سيف الدولة الحمدانى، مرورا بمعاهد الموسيقى التي استقبلت أفضل الفنانين العرب رجالا ونساء كسيد درويش وسعاد محمد ومحمد عبدالوهاب وغيرهم، ثم العملاق صباح فخري وصبري مدلل كأيقونات في فن الموسيقى العربية الكلاسيكية. حلب هي عاصمة القدود، وهو نوع من الغناء التقليدي متوارث وشاعت كلماته دون أن يعرف كتابه وملحنوه. حلب أيضا عاصمة الموشحات، وهي مزيج بين الأناشيد الدينية والأغاني الشعبية تداولتها الأجيال حتى وصلتنا في صيغتها التي نعرفها اليوم.

لطالما وصلني صوت صباح فخري من ركن في المنزل أو من شاشة تلفزيون عند البقال أو من راديو في سيارة عدت من قربى في الشارع. ذلك الصوت الماسي الذي ساهم بنشر الموشحات الحلبية إلى العالم مع انتشار التسجيلات الصوتية من الأسطوانات إلى الأشرطة إلى الأقراص المضغوطة انتهاء بالموسيقى المحفوظة رقميا. هكذا وعلى مدى حوالي أربعين سنة، رافق صوت صباح فخري علاقتي بالبلد وبالهوية وبالموسيقى، وامتزجت أغانيه بوجوه دخلت وخرجت إلى حياتي وحياة عائلتي.

يرحل صباح فخري تاركا خلفه تاريخا من الموسيقى تتداخل بشكل كبير بعلاقتى مع سوريا. فموته يعني موت جزء من البلد عرفته وموت أشخاص كثيرين رحلوا قبل رحيل صباح، إنما عدت أعزى نفسي برحيلهم اليوم بعد أن عادت وجوههم إلى إيقاع أغاني صباح فخري. تخيلت سهرة لمن كنت أسميهم «الأهل» بمعنى آباء وأمهات ــ اليوم أنا فى عمرهم على فكرة ــ يتمايلون على كلمات «قدك المياس»، وهي من الأغاني الـ«طقطوقة» في عرف الموسيقى الكلاسيكية أي أن من المقبول أن تغنى في سهرة، على عكس موشحات أثقل وزنا وقيمة يجب الاستماع إليها في جو أكثر وقورا فى حفلة موسيقية وليس حول طاولة عشاء. أرى إذا مجموعة من «الأهل» غالبا ما يمسك الرجال فيها بمنديل يحركونه ثم يوجهون جسدهم إلى شخص بعينه حين يرددون «أنت أحلى الناس في نظري جل من سواك يا عمري» (من أغنية قدك المياس). أو حين يصل صباح فخري إلى مقطع «مشتاق لك يا نور عيوني» مثلا ترتفع أيدي جميع الحضور في حركة تكاد تكون موحدة، ويميل كل نحو من يحب أو من يريد أن يرسل له رسالة وهو يغني مع صباح «حتى نعيد الزمن الأول» (من أغنية يا مال الشام).

الطرب في حلب كالتراتيل، تدندن به الشفاة بصمت أو تصدح به الحناجر بعزم. الطرب في حلب أسلوب حياة، من لا يحبه ينتظر حتى يحبه لاحقا فى مرحلة قادمة دون أن يعلن عدم التزامه به، فالحلبى يحب الطرب، حقيقة مطلقة لا تحتمل التشكيك! ومع تداخل تاريخ الموسيقى الحلبية بالإنشاد الدينى، أصبح للطرب منزلة أشبه بمنزلة الأديان لدى أهل المدينة: يتحدثون عن الطرب باحترام يشبه التبجيل، يستشهدون بأبيات فى أحاديثهم ولا يدارون أصواتهم وهم يدندنون في الأماكن العامة.

تلتصق الموشحات والقدود بجدران حلب وتشهد على تغيير المدينة دون أن تتغير. كما المطبخ الحلبي، لا تحتمل الموسيقى العربية الكلاسيكية بنظري لا الحداثة ولا إضافة نكهات جديدة إليها. أنا لا أؤمن بإقحام الـ «كينوا» على التبولة بدل البرغل مثلا وأرى فى هذا بدعة أشبه بالكفر، ولا أحب تحديث الموشحات تماشيا مع إيقاع العصر. لذا ففي زياراتي لحلب، وهي مدينة والدي، لم أكن أستسيغ مظاهر الحداثة بقدر ما كنت دوما متعطشة لمركز المدينة القديمة؛ حيث الجامع الكبير والأسواق من حوله. أظن أنني لم أمتلك حلب قط إنما عشت ما رواه لي والدي الحلبي ومن قبله جدتي التي انتقلت من مدينتها حماه إلى مدينة زوجها حلب حين ارتبطت به في السادسة عشر من عمرها فتبنتها المدينة وحكت لى عن علاقتها بها. وبحكم أن أمي من دمشق وأنني عشت في العاصمة، فأنا أشهر هويتي الحلبية من خلال ارتباطي بموسيقى ومطبخ حلب ودفاعي المستميت عنهما في وجه ما رأيته من محاولات تحديث غير ناجحة: لماذا التحديث وهما فخر المدينة؟

لم أحب الموشحات فى طفولتى وكانت السهرات التى تدور حول الطرب تضجرني في سنواتي الأولى حين رافقت والدي إليها. كنت أستغرب حالة النشوة التي يدخلها الحضور وكنت أضحك حين تستخدم كلمة «سلطنة» فأتخيل والدى الحلبى ورفاقه وهم في قفطانات وعمامة يدندنون «قل للمليحة فى الخمار الأسود» دون أن أفهم من هي المليحة وما هو الخمار أصلا. إلى أن كبرت وسافرت ووصلتني كلمات أو نغمة على دون توقع فى سهرة فرفعت يدي تماما كما رأيت «الأهل» يفعلون منذ ثلاثين سنة أو أكثر وتمايلت على موسيقى أردد كلماتها دون تفكير «والله يا مجرى المى يابا سلم عليهم عليهم، صعبانة الفرقة علي، يابا اشتقنا إليهم إليهم» (من أغنية فوق النخل وهي ليست من التراث الحلبى إنما أبدع صباح فخري في غنائها).

هكذا إذا حملت في روحي روح حلب وورثته عن أبي وجدي من قبله ــ لذا فمع خبر رحيل صباح، وجدت نفسي أردد «سكابا يا دموع العين سكابا».

“الشروق”المصرية