aren

وحدة الشعب … مرجع فلسطين \\ كتابة : الياس سحاب
الإثنين - 25 - فبراير - 2019

تبدو قضية فلسطين في هذه الأيام كأنها يتيمة لم يعد لها أي مرجع قانوني أو أخلاقي أو إنساني يقرر مصيرها ومصير شعبها، إلا ما يسمى «صفقة القرن»، التي لا تعدو كونها مشروعاً أمريكياً يهودياً، لتصفية القضية من أساسها، بما في ذلك الأرض التاريخية للقضية، وكامل وجود وحقوق شعبها بعد أن أصبح موزعاً بين الأراضي التي احتلت في العام 1948، وتلك التي احتلت في العام 1967، أو في أراضي الشتات العربي والدولي.

في النصف الثاني من القرن المنصرم، كان المشهد العام لقضية فلسطين يبدو أنه مرتبط بمجموعة من المراجع، أولها الاهتمام العربي العارم، الشعبي والرسمي، حيث ظلت فلسطين تعتبر قضية العرب الأولى، مع تفاوت مستويات الاهتمام الحقيقي بالقضية أو الاسعدادات الحقيقية لإزالة آثار النكبة عن أرض فلسطين وعن شعب فلسطين.

هذا على الصعيد العام، أما على الصعيد القانوني فكانت هناك مجموعة من القرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، التي تنتصب حداً أدنى كمرجع قانوني للقضية يمتلك إجماعاً دولياً ظاهرياً على الأقل، وبشكل خاص القرار رقم 181، الذي قسم فلسطين من الناحية المبدئية بين دولة لليهود ودولة لعرب فلسطين. ويأتي بعد ذلك في سلسلة المراجع الدولية، القرار رقم 194 الذي يفرض حتمية العودة إلى أرض فلسطين التاريخية لجميع سكانها العرب الذين هجّرتهم أحداث العام 1948. ومن المراجع الدولية لقضية فلسطين التي بقيت سائدة (ولو نظرياً) في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى يومنا هذا، وكالة غوث اللاجئين التي أسسها المجتمع الدولي لرعاية شؤون اللاجئين الفلسطينيين حتى حل قضيتهم وعودتهم إلى أرض فلسطين التاريخية.

هذا عن المراجع الدولية والعربية. أما فلسطينياً، فقد ظهرت في ستينات القرن العشرين، منظمة التحرير الفلسطينية، كمرجع فلسطيني مباشر لقضية فلسطين. هذه المنظمة ولدت تعبيراً عن سائر قطاعات شعب فلسطين، في شتى مواقع انتشاره، عربياً ودولياً، وعن سائر منظمات الكفاح الفلسطيني التي انطلقت بعد هزيمة 1967.

هذه المنظمة كانت مرجعاً بكل ما في الكلمة من معنى، يفترض ميثاقها الوطني تحرير كامل التراب الفلسطيني، وعودة جميع اللاجئين إلى ديارهم، وقد أضيف إلى هذا الميثاق بعد فترة قرار يحدد مصير فلسطين بعد التحرير، بإنشاء دولة ديمقراطية يتساوى فيها جميع سكانها بالحقوق والواجبات.

هذا عن الوضع السابق في قضية فلسطين حيث كانت تنتصب فيه مجموعة من المراجع التاريخية والقانونية، تفرض على تنوعها مجموعة من الحلول لهذه القضية، التي ورثها تاريخ القرن الجديد عن القرن المنصرم.

المشهد اليوم يبدو مختلفاً، بل هو متناقض، بعد تراجع كل المراجع القانونية التي كانت تشترك في تحديد العالم ومصير حل هذه القضية. فالقرارات الدولية بدأت تفقد قيمتها إلى درجة التلاشي، وحتى وكالة الغوث بدأت تتحرك الولايات المتحدة لتصفيتها وتصفية الاعتراف بوجود وحقوق اللاجئين الفلسطينيين، تمهيداً لتصفية القضية. لكن مصادر التراجع في مراجع قضية فلسطين بعد تراجع تلاشي قيمة المراجع القانونية الدولية تتلخص في المشاهد التالية:

* تراجع واضح في الاهتمام العام بقضية فلسطين، حتى تحولت من صراع عربي- «إسرائيلي» إلى صراع فلسطيني- «إسرائيلي».

* تفاقم حركة الانقسام بين الفصائل الفلسطينية، حتى أصبحت تهدد وحدة الحد الأدنى بين قطاع غزة والضفة الغربية.

* تفاقم المطامع «الإسرائيلية» في الضفة الغربية التي أكلها الاستيطان حتى ألغى هويتها العربية، بما في ذلك مدينة القدس.

* إصرار الرئيس الأمريكي الجديد على التحول من مجرد الدعم المطلق ل«إسرائيل»، بما في ذلك دعم كامل مطامعها في كل أرض فلسطين التاريخية عبر «صفقة القرن».

هذه هي خلاصة المشهد الحالي العام لقضية فلسطين الذي لا يشكل مجرد تراجع عام بل يهدد بتصفية تاريخية للقضية. ولا يبدو في هذا المشهد العام بصيص نور سوى وحدة جميع قطاعات شعب فلسطين في أراضي 48 وأراضي 67، وكل أرجاء الشتات الفلسطيني.

لقد تحولت وحدة شعب فلسطين إلى المرجع الأساسي الحي لهذه القضية، وهو مرجع قادر على فرض إرادته ابتداء من الفصائل الفلسطينية، وصولاً إلى الدول الكبرى المجمعة على تصفية قضية فلسطين.

“الخليج”