aren

وثائق “الفساد” في الحكومة تسابق استقالة عبد المهدي … وصراع سيناريوهات الحل يعبر على بحر من دماء العراقيين
الخميس - 12 - ديسمبر - 2019

 التجدد الاخباري – بيروت

أظهرت وثائق حكومية عراقية مسربة ، أن مجلس الوزراء العراقي ، أصدر قرارا في يوم قبول استقالة (رئيسه) عادل عبد المهدي ، يقضي بتخويل الوزارات العراقية الاستمرار بإجراء التعاقدات حتى نهاية العام الجاري، في قرار فسره خبراء قانونيون بانه “يفتح الباب أمام عمليات فساد واسعة”.

FD942868-0908-42EB-AB04-2FFEDE6A5F83_w650_r0_s

الوثيقة الموقعة من قبل “حميد الغزي”، وهو الأمين العام لمجلس الوزراء، تعطي الصلاحيات للوزارات العراقية بالتعاقد لتنفيذ خطتها السنوية في الموازنة حتى نهاية العام الجاري ، وتستثني الوثيقة ، إجراءات التعاقد من تعليمات تنفيذ الموازنة الاتحادية لعام 2019، كما مددت فترة التخويل 15 عشر يوما ، خلافا لقانون الموازنة.

 

واللافت في هذه الوثيقة ، أن تاريخ توقيعها من قبل مدير مكتب عبد المهدي ، كان في اليوم ذاته ، الذي وافق فيه البرلمان العراقي على استقالة رئيس الوزراء.

ووفقا لهؤلاء الخبراء ، فان هذه الوثيقة “تهدف لإعطاء الفرصة للمتحكمين بالوزارات العراقية من الفاسدين إكمال عقودهم استثناء من تعليمات الموازنة… ما يعني أن أي تخصيصات مالية مرصودة لإبرام العقود في موازنة 2019 ، ستوقع وتحال إلى الشركات ، ويتم الحصول على السلف المالية المخصصة لها ، استنادا لقرار مجلس الوزراء المرفق”. وأن هذا القرار “جاء بناء على اتفاق بين رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي”.

وبينما يلفت توقيت صدور قرار التخويل ، الى انه يحمل علامات استفهام كثيرة ، ويشير إلى وجود شبهات فساد تقف خلفه ، رأى خبراء آخرون ، أن “التخويل الذي ورد في الوثيقة المسربة يعتبر لاغيا من تاريخ قبول استقالة الحكومة”. وأن “الحكومة العراقية الحالية هي حكومة تصريف أعمال و لا يجوز لها صرف أية مبالغ إلا في حالات الضرورة القصوى”.

أيضا وثيقة حكومية مسربة (أخرى) ، تكشف جملة تغييرات وتنقلات ، يقوم بها مسؤولون ووزراء عراقيون قبيل أيام من استقالة الحكومة، وتظهر تعيين أشخاص مقربين أو ينتمون لأحزاب في مناصب عليا في الدولة العراقية.

الوثيقة، الصادرة بتاريخ 28 تشرين الثاني\ نوفمبر، تشير إلى أن وزير الاتصالات العراقي ، (نعيم الربيعي)، رشح مدير مكتبه ، لتولي منصب مدير عام الشركة العامة للاتصالات والمعلوماتية.

B9DA4DFD-A96D-4D5F-9CFE-676977C29FAE_w650_r0_s

الوثيقة تظهر حصول تغييرات قام بها مسؤولون عراقيون قبل أيام من استقالة الحكومة

وأصبح تغيير الطبقة السياسية المتهمة بالفساد ، وتبخر ما يعادل ضعف الناتج المحلي للعراق، الذي يعد بين أغنى دول العالم بالنفط، مطلبا أساسيا للمحتجين ، الذين يكررون في المدن كافة ، رفضهم بقاء “الفاسدين”، و”جميع السياسيين” الحاليين.

وتجري مشاورات سياسية للتوصل إلى تسمية (خلف) ، لرئيس الحكومة المستقيل ، عادل عبد المهدي وإلى قانون انتخابي جديد ينبثق منه برلمان أكثر تمثيلا مع حضور أكبر للشباب.

فقد استقال رئيس الوزراء العراقي ، عادل عبد المهدي ، في الأول من كانون اول \ ديسمبر الجاري، تحت ضغط الشارع ، ودعوة المرجعية البرلمان إلى سحب الثقة من الحكومة. في حين قتل أكثر من 450 شخص ، معظمهم من المحتجين الشبان العزل ، منذ تفجرت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في الأول من تشرين الثاني \ أكتوبر.

وفيما كانت تتجه البلاد الى نوع من الاستقرار النسبي ، حتى جاءت مذبحة «ساحة الخلاوي وجسر السنك» ، يوم الجمعة الدامي 6 كانون أول\ ديسمبر ، وقصف منزل زعيم التيار الصدري في النجف، بقذيفة من طائرة مسيرة ، ليمثلا تطوراً خطيراً، زاد من اشتعال التوتر، وسلط الضوء بقوة على تشبث القوى المسيطرة على الحكم في العراق ، بمحاولة إبقاء الأوضاع القائمة في البلاد على ما هي عليه.

القوى المسيطرة على السلطة ، تراهن على ما يبدو على عامل الوقت والتنازلات المحدودة ، جنباً إلى جنب مع استخدام «العنف المفرط» وما يسمى ب«الطرف الثالث» ، لإنهاء الانتفاضة الشعبية العارمة، المشتعلة منذ أكثر من شهرين، والتي قدمت أكثر من (400) شهيداً، وآلاف الجرحى ، حتى الآن.

ويشير هذا إلى أن هذه الطبقة السياسية لم تستخلص الدروس اللازمة من تطور الانتفاضة، التي بدأت بمطالب اقتصادية واحتجاجات على التضخم المنفلت والبطالة المتفشية، وتدهور الخدمات العامة، والفساد المستشري في أوساط الحكم، وتهريب عشرات المليارات من عوائد النفط وثروات البلاد إلى الخارج، بما جعل العراق واحداً من أكثر بلدان العالم فساداً.

وكان اللجوء الى استخدام «العنف المفرط» من الجانبين (الجهات الحكومية) و (المتظاهرين)، ادى الى سقوط مئات الشهداء – خاصة في مدن الوسط والجنوب – وولد ردود أفعال عنيفة ، مثل إحراق المنشآت الحكومية، ومقار الأحزاب المشاركة في الحكم ، وفي قمع المظاهرات بالسلاح.

bdlmhdy

رئيس الوزراء العراقي المستقيل “عادل عبد المهدي”

والأمر الأهم ، هو أن استخدام الحكومة للعنف المفرط قد حفر هوة عميقة بينها وبين المتظاهرين، ودفع بالمطالب السياسية إلى واجهة مطالبهم، وفي مقدمتها استقالة الحكومة، وحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة في ظل مفوضية جديدة للانتخابات ، وقانون انتخابي جديد ، وصولاً للمطالبة برحيل وجوه الطبقة السياسية الحالية عن مواقع الحكم والحياة السياسية عموماً، وبالطبع – محاكمة جميع المسؤولين عن قتل المتظاهرين – ومن جهة أخرى فإن هذه التطورات قد عززت ، وأبرزت بصورة أكبر «الطابع العابر للطائفية» للانتفاضة الجماهيرية، حيث شاركت جماهير سنية وشيعية جنباً إلى جنب في الانتفاضة ، كما اتسمت مناطق ذات أغلبية سكانية شيعية، وخاصة في الجنوب، بعنف خاص للأحداث، كما في (النجف وكربلاء)، حيث تم إحراق القنصليتين الإيرانيتين في المدينتين، بما لذلك من دلالات.

السيستاني

السيستاني

وكان أدى إطلاق قوات الجيش للرصاص على المتظاهرين في مدينة (الناصرة)، وسقوط نحو أربعين قتيلا ، إلى المزيد من اشتعال المظاهرات، كما كان “سبباً مباشراً” في دعوة المرجع الديني «السيستاني» للبرلمان إلى سحب الثقة من عبدالمهدي، الذي بادر لتقديم استقالته «استجابة لطلب المرجعية» – كما أعلن-

 

كما ، تمت إقالة القائد العسكري لمنطقة الناصرية ، وإحالته للمحاكمة في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي ، وبالتوازي مع كل ذلك ، أقر البرلمان ، قانوناً يقضي بحل مفوضية الانتخابات القديمة، التي تمت في ظلها واحدة من أكثر الانتخابات البرلمانية فساداً وتزويراً (انتخابات البرلمان الحالي) ، ويستعد البرلمان لإقرار قانون انتخابي جديد خلال الأيام المقبلة، وبمقتضى قانون «المفوضية» الجديد ، تجب إقالة جميع كبار موظفي المفوضية الفاسدة المنحلة، وتشكيل مفوضية جديدة من رجال القضاء، بالقرعة وليس من خلال ترشيح الأحزاب السياسية، كما كانت الحال في ظل الهيئة المنحلة.

1c90ef20-5796-456f-aad7-29f2d1187234

البرلمان العراقي

نحو حل البرلمان

وأشارت تصريحات بعض السياسيين إلى أنه من المفترض ، أن يحل البرلمان نفسه ، بعد إقرار القوانين المنتظرة، وتشكيل الحكومة الجديدة ، التي يفترض أن تكون مؤقتة لمدة (ستة أشهر أو سنة) ، وأن تكون مهمتها الإعداد لانتخابات مبكرة في ظل القوانين الجديدة.

إلا أن مذبحة «الخلاوي والسنك» ، والهجوم على منزل مقتضى الصدر – المعروف بدعمه للانتفاضة الشعبية – وتوجيه الإنذارات لرجال «القبعات الزرقاء» ، التابعين ل«سرايا السلام» – الجناح العسكري للتيار الصدري، بسبب دفاعهم عن المتظاهرين «على لسان فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي» – كلها تطورات تشير – هي وغيرها – إلى أن القوى المسيطرة على الحكم في العراق لم تستخلص الدروس اللازمة من تطورات الأحداث ، وتصر على نهجها التصعيدي.

لذلك فإن السيناريوهات المحتملة ، لتطور الأحداث في العراق ، يلفها ضباب كثيف ، خاصة السيناريوهات المتفائلة، مثل تشكيل “حكومة مؤقتة” لإجراء انتخابات مبكرة ، تتسم بالنزاهة والشفافية.

الازمة العراقية بين التأثير الإقليمي والدولي

أما الحقيقة الأكبر والأهم ، فهي التأثيرات الإقليمية والدولية و«المحلية طبعا» ، التي تلقي بظلالها الكثيفة على الصراع السياسي في العراق، وعلى مختلف سيناريوهات الخروج من الأزمة المستحكمة فيه ، فالسلطة العراقية الحاكمة والميليشيات الداعمة لها تستند إلى دعم إقليمي مجاور  قوي لتصلبها، وإلى ما قامت به الولايات المتحدة بعد غزو العراق ، وتدمير كل مؤسسات الدولة عام (2003)، خصوصاً أن الدستور العراقي – الذي وضعته أمريكا – يقوم على المحاصصة الطائفية أصلاً ، وأمريكا بنفوذها السياسي والعسكري ، ووجود قواتها، وشبكة علاقاتها القوية برجال الحكم، مهتمة بإضعاف نفوذ إيران ، ورجالها في العراق.

لهذا ، نعتقد أن صراع السيناريوهات ، مرشح لأن يطول ، ولن يعود العراق إلى ما قبل الانتفاضة الحالية بالتأكيد، لكن حسم الصراع الداخلي فيه ، لا يبدو قريبا، وكل الحلول المحتملة ، تبدو مؤقتة ، وتعبر على بحر من الدم.