aren

واشنطن وطهران ومصيدة العراق \\ كتابة : د.محمد السعيد ادريس
الجمعة - 3 - يناير - 2020

السؤال الذي بدأ يفرض نفسه ضمن تداعيات ما يمكن اعتباره «حرباً بالوكالة» بين إيران والولايات المتحدة التي بلغت ذروتها قبل أيام هو: هل ما يحدث الآن من تصعيد أمريكي ضد إيران في العراق وتحميل واشنطن طهران مسؤولية تلك الأحداث الدامية غير المسبوقة، على الأقل ابتداءً من عام 2011، هو نهاية ل«الحرب بالوكالة» وأن عام 2020 يمكن أن يكون عام الحرب التي ظلت ممنوعة أو مستبعدة بين البلدين؟ وهل ظروف البلدين، خاصة الولايات المتحدة في ظل أولوية اعتبارات الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في شهر نوفمبر/‏ تشرين الثاني من هذا العام بالنسبة للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي يواجه صعوبات قاسية مع الكونجرس، ستفرض عليه أن يكون بمنأى عن التورط في مثل هذه الحرب، أم العكس هو الصحيح، أي أن حاجة ترامب إلى تحقيق انتصار ما يمكن أن تقوده إلى مثل هذه المغامرة؟
هذه الأسئلة المهمة تشغل العقل الاستراتيجي الإيراني، وهو يحسب حساباته للمواجهة التي تخوضها إيران ضد الوجود العسكري، والنفوذ السياسي الأمريكي في العراق الذي أضحى واحدة من أهم ساحات المواجهة الأمريكية- الإيرانية، ليس هذا فقط، بل ربما تكون إيران تخطط بجدية لفرض مثل هذه المواجهة على الرئيس الأمريكي في الظروف الانتخابية الحرجة التي يواجهها. فمن يتابع تطورات المواجهة التي ازدادت سخونة في الأشهر الأخيرة بينهما بتفجر احتجاجات شعبية عارمة ضد الحكم والطبقة الحاكمة الموالية لإيران، والرافضة بشدة ووضوح للوجود وللنفوذ الإيراني في مناطق وسط وجنوب العراق ذات الأغلبية الشيعية ، في مقدوره أن يتأكد من أن إيران باتت تواجه، ربما للمرة الأولى، تهديداً لأهم معاقلها خارج الأراضي الإيرانية، أي في العراق، وأن الولايات المتحدة، وحلفاءها، وشركاءها من داخل العراق، ومن جواره الإقليمي، يدعمون ويحفزون الجماهير العراقية الغاضبة للثورة ضد إيران، والمطالبة بإنهاء النفوذ الإيراني على القرار الوطني العراقي. كما أن من تابع هذه التطورات والأحداث كان في مقدوره أيضاً أن يتأكد من أن إيران كانت ستعمل حتماً، بشتى السبل على إحباط هذا المخطط، وأنها ستتحول بالجماهير العراقية للمطالبة بخروج القوات الأمريكية منه.

إدراك هذا كله، كان يعني أنه إذا كانت الولايات المتحدة تخطط للإيقاع بإيران في شباكها بدعم الانتفاضة الجماهيرية المتصاعدة في العراق وتوجيهها للمطالبة بخروج إيران، والقضاء على حكم المحاصصة الموالي لها، فإن إيران هي الأخرى بدأت تخطط للإيقاع بالولايات المتحدة في شباكها. حدث هذا عندما قامت «كتائب حزب الله -العراق»، وهي واحدة من أهم فصائل «الحشد الشعبي» بقصف مركز لأحد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق، حدث هذا يوم الجمعة الفائت (12/‏27/‏ 2019).

ويبدو أن الأمريكيين قد ابتلعوا الطعم، وإذ بوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، يطير بعد ساعات قليلة من هذا الهجوم إلى العراق، وبالتحديد إلى قاعدة «عين الأسد» الأمريكية، شمال العراق يوم السبت (28/‏12/‏2019) في زيارة سرية لم يعلن عنها، ومن دون علم من السلطات العراقية، من أجل التخطيط للرد الأمريكي حيث قامت الطائرات الأمريكية من طراز «إف- 15» بقصف مواقع «للحشد الشعبي»، وبالتحديد «كتائب حزب الله»، على الحدود بين العراق وسوريا، وأوقع عشرات القتلى والجرحى، وهو الهجوم الذي أعطى لإيران فرصة امتلاك قرار التصعيد، ووضع الولايات المتحدة في خانة «ترقب ردود الفعل».

محصلة هذا التصعيد المتبادل تكشف أن الولايات المتحدة ربما تكون قد أوقعت نفسها في الشباك الإيرانية. فالشارع العراقي الذي كان منتفضاً ضد إيران ويطالب بإسقاط الطبقة الحاكمة، أضحى معنياً أكثر بالمطالبة بخروج القوات الأمريكية من العراق. ومن تابع تظاهرات تشييع جثامين شهداء الهجوم الأمريكي على قواعد «الحشد الشعبي» ووصولها إلى السفارة الأمريكية في مقدوره أن يصل إلى قناعة بأن إيران تخوض الآن معركة إخراج الأمريكيين من العراق.

محصلة هذا أيضاً، أن إيران لم تكسب فقط معركة الانحراف بأهداف وشعارات الانتفاضة الجماهيرية التي فرضت نفسها كأولوية طيلة الأشهر الماضية، بل إنها نجحت في محاصرة القوى العراقية الأخرى، سواء منها من هو قريب من أمريكا على رأس السلطة العراقية، أو من هو التزم الحياد في موقفه من منطلق عروبي، مثل مقتدى الصدر الذى كان حريصاً على المطالبة بأن «ينأى العراق بنفسه» عن الصراع الأمريكي- الإيراني، وألا يكون العراق أرضاً لهذا الصراع فقد أجبرت كل هؤلاء على تبني موقف الشارع العراقي المطالب بخروج القوات الأمريكية من العراق.
لكن يبقى السؤال المهم: ماذا لو تم التصعيد الفعلي ضد الوجود الأمريكي في العراق؟ هل ستنتهي «الحرب بالوكالة»، وتحدث المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران للخروج من مصائد الشباك المتبادلة؟ هنا يكمن التحدي الذي يواجه الإدارة الأمريكية في أصعب ظروف تعيشها.

“الخليج”الاماراتية