aren

هي صفعَة لواشنطن حَقاً؟.. أو وَقائِع ما جَرى في الأُمم المتحدة \\ كتابة : د.محمد خروب
الأحد - 9 - ديسمبر - 2018

palestine_28

يمكن وَصف ما جرى في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة,التي تضُم في جنباتها ممثلي 193 دولة,في ذلك اليوم الذي لم يكن صُدفة أنه جاء في الذكرى «الأولى» لاعتراف ادارة ترمب بالقدس عاصمة لدولة العدو الصهيوني (6/12)،بأنه «نصر بطعم الهزيمة» نظراً لحجم التأييد الذي حصل عليه مشروع القرار الاميركي.

شروع يُطالِب بإدانة «استفزازات» و»اعتداءات» حركة حماس (والجهاد الاسلامي)على «المدنيين» في اسرائيل, وغيرها من المُصطلحات العدوانية والإشارات التي حفل بها نص مشروع القرار «الأول»,الذي لجأت فيه الولايات المتحدة الى الجمعية العامة لاستصدار قرار,وهي التي كانت (وإسرائيل بالطبع) ترى في تلك الجمعية,مثابة «تجمّع» لأعداء الدولة الصهيونية,وآلية اوتوماتيكية لاستصدار قرارات ضد الدولة «الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الاوسط.

ما عكس ضمن أمور أخرى,قراءة صهيواميركية جديدة لموازين القوى (العددية / التصويتية)داخل هيئة يُفترَض ان قراراتها تُمثِّل شعوب المعمورة جمعاء،لكنها من أَسف,ونتيجة لضغوط وغطرسة القوى الكبرى، وفي مقدمتها دول الغرب الاستعماري,لم تعدُ (قرارات الجمعية العامة) ذات تأثير مباشر، بل لا تتعدّى كونها قرارات غير مُلزِمة, ومع ذلك لم يُسقِطها الحلف الشيطاني الأميركي الصهيوني من حساباتِه،فذهب ممثلاه الى الجمعية العامة,وهما على ثقة بأنهما سيكسبان الرِهان وكادا ان يُصيبا نجاحاً مدوياً، لولا فِطنة المندوب الكويتي الذي طالَبَ بـ»تصويت اجرائي» قبل بدء التصويت على مشروع القرار الاميركي,وكان له ما أراد حيث صوّت لصالح الطلّب الكويتي, بأن يحوز المشروع الاميركي على ثُلثَي الاعضاء، رغم أن من صوّتوا الى جانِب طلب الكويت,لم يزيدوا على مَن عارضوه سوى بثلاثة أصوات فقط (75 – 72).

وإذا ما قرأنا جيداً في طبيعة وعدد المُصوتين ومُؤشِّرات العدد «الكبير» الذي حازه مشروع القرار الاميركي (87 مقابل 57 مع امتناع 33 دولة و16 دولة اختارت عدم التصويت) فإننا نكون بالفعل أمام تحوّل كبير وخطير إزاء القضية الفلسطينية,وكيف استطاع تحالف الشر الصهيوأميركي ان يصِل الى هذه المرحلة من التحشيد,الذي شَمل ولأول مرة تأييداً أوروبياً كامِلاً لمشروع اميركي صهيوني,يُريد تجريم النضال الوطني الفلسطيني ويصمه بالإرهاب, وإن كان تخفّى خلف المواجهة الاخيرة في قطاع غزة,واختار حركة حماس واجِهة لمشروع يستبطِن الكثير, ويريد الإطاحة والطمس على كل ما صدر من قرارات أممية,سواء في الجمعية العامة أم في مجلس الامن لصالح هذه القضية,التي تدخل أسوأ وأخطر مراحلها,بعد ان استقال بعض العرب من عروبتِهم وراحوا يصِفون فصائل المقاومة الفلسطينية بالإرهاب,ويرون في دولة الإحتلال شريكاً أو حليفاً أو صديقاً.

أن تُؤيِّد 87 دولة مشروع القرار الاميركي مقابل 57 دولة عارَضَته,يعني أن اكثر من نصف المجتمع الدولي (..) يُؤيّد (علناً) دولة الاحتلال,دون ان يعني ذلك ان الذين امتنعوا عن التصويت غاضِبون او رافِضون لمشروع القرار,ما بالك الذين اختاروا «السلبِية المُطلَقة» ولم يُصوّتوا؟

ثم… إذا ما طرحنا «22» دولة عربية من مجموع الذين عارَضوا المشروع الاميركي,فإننا أمام 35 دولة فقط تُؤيّدنا وهو عدد ضئيل يكاد لا يصل الى 20% من مجموع أعضاء الجمعية العامة،بل هو 18% فقط.ولهذا جاء ترحيب مندوب دولة العدو حاراً عندما قال: انه «للمرّة الاولى في تاريخ الامم المتحدة أيّد عدد (قِياسيّ) من الدول مشروع قرار في الجمعية العامة لإدانة حماس»,وهو هنا لا يقصِد حماس بذاتها ولذاتها,وانما يسحبه على القضية الفلسطينية بأكملها.وكانت مندوبة واشنطن نيكي هايلي المُغادِرة موقعها نهاية الشهر الجاري,اشد قسوة وعدوانية عندما وصفت طلب مندوب الكويت بالتصويت الإجرائي,بأنه يهدف الى «عَرقلَة» مشروع القرار الاميركي، في الوقت ذاته الذي كانت بعثت فيه رسائل «تهديد» لممثلي الدول الاعضاء تقول فيها:» ان الولايات المتحدة تتعامَل مع هذا التصويت…

بمنتهى الجدية»,في تكرار لئيم لتهديدها الشهير عندما صوّتت الجمعية العامة ضد قرار الرئيس الاميركي,الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة العدو.

فهل كان ثمة حاجة او مُبرّر للقول:ان فشل المشروع الاميركي كان صفعة لواشنطن؟وبخاصة إذا ما عرفنا أسماء الدول التي صوّتت مع اميركا واسرائيل(منها البرازيل) وتلك التي امتنَعت وعلى رأسها «الهند»,كذلك واؤلئك الذين لم يُصوّتوا أبداً؟

صحيح ان «الانقسام الفلسطيني» لم يُؤثر(هذه المرّة)على ما جرى في اروقة الامم المتحدة،بل أسهَم (مؤقتاً بالطبع) في توحيد هذا الصف المُمزّق والمُتصدّع،إلاّ انه كشف عن حجم ومدى الضعف العربي عموماً،حيث كان لهذا العدد المتواضع من «المُؤيدين» ان يزيد ويرتفع,لو تم بذل جُهد عربي ولو متواضِع,لمنع «انزِلاق» المزيد من الدول,ذات التاريخ المعروف في تأييد القضية الفلسطينية نحو المعسكر الصهيواميركي,او اختيار التصويت بدل الإمتناع او عدم التصويت.

واشنطن كما تل ابيب مُنتشِيتان بما حدَث,وستَهتَبِلان اي فرصة تسنح لمعاودة الكَرّة،إذ أن الحصول على تأييد «87» دولة لأول مرّة, اختبار يدعو للثقة بالنفس,ما دام عرب اليوم قد تخلّوا عن ثوابِتهم وأبدوا تقاعُساً عكسَته الأرقام التي ظَهرَت على شاشة الجمعية العامة بالألوان الخضراء (المُؤيَدة) وكانت مزدحِمة,والحمراء (المُعارِضة) وكانت مُتواضِعة او خجولَة، وصفراء…إمتناعاً.

فـَ»عن أي صفعة… يَتحدّثون؟».

“الرأي ” الأردنية