aren

هيكل وعبدالمنعم رياض ويوم الشهيد \\ كتابة : عبد الله السناوي
الإثنين - 4 - مارس - 2019

 

نصف قرن كامل يمر هذه الأيام على حدث استثنائى بآلامه وإلهامه.

فى (9) مارس (1969) استشهد الفريق «عبدالمنعم رياض» رئيس أركان القوات المسلحة المصرية على جبهة القتال الأمامية.

بتوقيت وظروف استشهاده، ومصر تلملم جراحها بعد هزيمة عسكرية فادحة فى (5) يونيو (1967)، دوت الأحزان فى جنباتها على خسارة جنرالها الذهبى عند ذروة حرب الاستنزاف. غير أن الحدث المفجع أفضى بمعانيه الكبرى إلى إلهام طاقة المقاومة فى بلد يتطلع لبذل أقصى ما يستطيع لتحرير أراضيه المحتلة بقوة السلاح.

بالكاد كانت مئات الألوف التى خرجت فى جنازته بميدان التحرير تعرف اسمه وصورته دون أن تدرك حجم دوره ومساحة الرهان عليه فى وضع خطة تحرير سيناء المحتلة، لكنها أدركت رسالة استشهاده، ورددت هتافا واحدا لخص الموقف كله: «رياض مامتش والحرب لسه مانتهتش».

«رياض ضابط مدفعية ينظر إلى بعيد ويقصف ما لا يرى، وذلك يستدعى أن تكون حساباته للمسافات صحيحة ومعرفته بالمواقع مؤكدة».

«المساحات المتسعة داخلة فى الكون، والسماء تنطبق على الأرض، والمدافع التى تقصف ما تستطيع أن تصل إليه، والصواريخ التى تجتاز حدودا وبلدانا حتى تصل إلى مواقعها، دعته إلى إدراك أكبر للجغرافيا وخرائطها». «بحكم ثقافته واطلاعه، وهو قارئ تاريخ مهتم ومدقق، فإن الصلة بين التاريخ والجغرافيا كانت حاضرة فى حواراتنا».

هكذا لخص الأستاذ «محمد حسنين هيكل» طبيعة الحوارات المطولة التى جمعته بالفريق «رياض».

لم يكن عصيا أن تلمح بين حروف كلماته شيئا من شجن الذكرى الذى صاحبه حتى النهاية، حيث جمعت بينهما صداقة حوار تجاوزت ما هو فكرى إلى ما هو إنسانى.

«عرفت عبدالمنعم رياض لأول مرة عن طريق خاله حسن صبرى الخولى الممثل الشخصى لجمال عبدالناصر، وكان إعجابه بزعيم يوليو ظاهرا فى كلماته وإيماءاته، يؤيد تجربته ومقتنع بها ويشاركه الأفكار ذاتها، وإن أردت أن تستخدم المصطلحات السياسية الحالية فإنه ناصرى».

«ثم رأيته مرة أخرى فى سكرتارية مؤتمر القمة الأول فى يناير ١٩٦٤، ولمحته مرات فى مكتب عبدالحكيم عامر قبل أن أعرفه عن قرب وأحاوره طويلا فى الاستراتيجية والأمن القومى ومستقبل الصراع العربى ــ الإسرائيلى، وتصوراته عما بعد حرب الاستنزاف وإعداد القوات المسلحة لخوض حرب تحرير أراضيها المحتلة فى سيناء».

«كان رياض هو الرجل الذى توصل إلى أنه إن لم يكن بوسع قواتنا مجاراة إسرائيل فى قدرة سلاحها الجوى فإن بمقدورها إلغاء أثره وفارق تفوقه اعتمادا على الدفاع الجوى وشبكة صواريخ متقدمة، وهو الرجل الذى وضع الخطوط الرئيسية لخطة عبور قناة السويس وتحرير سيناء التى طورها الفريق سعد الدين الشاذلى فى حرب أكتوبر».

«فكرة الخطة أهم ما فيها، قبل أن تنتقل الفكرة إلى مشروع والمشروع إلى صورة أخيرة مفصلة بالخرائط».

«باليقين فإن الفريق رياض هو صاحب الفكرة».

«بأعقاب عودة جمال عبدالناصر من زيارة الاتحاد السوفيتى فى يوليو ١٩٦٨ بدأت شحنات الأسلحة تنتظم».

«وقد كتب الرئيس خطوط توجيه استراتيجى لمعركة تقتضى عبور قناة السويس بالقوة والتمسك برءوس كبارى فى الشرق، وتؤدى إلى إلحاق خسائر بشرية كبيرة فى القوات الإسرائيلية، لأن نزيف الدم هو وحده الذى يزعج إسرائيل، معركة تطول أسابيع، ولا تنتهى فى مجرد أيام لأن إسرائيل لا تحتمل بقاء حالة التعبئة العامة طويلا، معركة تعطى بطول مدتها فرصة لتعبئة الرأى العام العربى ولفت انتباه الرأى العام العالمى».

«هذا التوجيه محفوظ فى ملفات رئاسة الجمهورية وتوجد نسخة واحدة منه فى وزارة الدفاع، وقد نشرته فى كتاب حرب أكتوبر».

«كانت أمام جمال عبدالناصر منذ نهاية ١٩٦٨ بداية خطوط لعمل واسع على الجبهة وضعها الفريق رياض، وشاركه فى وضعها الجنرال السوفيتى لاشنكو، الذى كان كبيرا للخبراء السوفييت الملحقين بالقوات المسلحة المصرية، وكانت عملية اختبار تلك الخطوط ومحاولات التدريب عليها قد بدأت فعلا عندما تحولت معارك المدافع، التى لم تتوقف على جبهة القتال، إلى عمليات عبور محدود إلى الضفة الأخرى من القناة ـ تدخل إلى المواقع الإسرائيلية، وتواجه تحصيناتها، وتشتبك مع قواته وتتعرض لدورياتها».

فى أغسطس (١٩٦٧) كتب «هيكل» مقالا أشار فيه إلى «الحرب المحدودة».

استوقفت الإشارة الفريق «رياض» الذى سـأل الرئيس «عبدالناصر» إذا ما كان قد أخبره بفكرة الخطة، التى لم تكن قد وضعت بعد.

«طلب الرئيس منى عدم التعرض لمثل هذه الأمور مرة أخرى وقال إن تفكيرك قريب من تفكير رياض ـ معركة دفاعية لها قدرة الهجوم تلحق الخسائر بإسرائيل وتخلق مرتكزات دفاعية تتكسر عليها القوات الإسرائيلية».

«من الإنصاف أن يقال إن هذه الخطط وبالذات جرانيت (١) و(٢) لحقت بهما زيادات وتعديلات فى السنوات ما بين (١٩٧٠ـ ١٩٧٣) ، وأن هذه الزيادات والتعديلات رفعت مستواها ودعمتها بخبرات مستجدة وقفزات كبيرة بتكنولوجيا السلاح، خصوصا فى استخدامات الصواريخ، والفضل عائد إلى الرجال الذين تولوا وزارة الدفاع فى تلك السنوات، ورؤساء أركان الحرب وقادة الأسلحة والتشكيلات، مما أضاف إلى فكرة الخطة وتفاصيلها، وغير أحيانا أسماءها وجعلها علامة بارزة فى التاريخ العسكرى».

بقوة الوقائع (٥) يونيو هزيمة عسكرية فادحة.

وبقوة الإرادة أثبتت تضحيات الرجال أنها نكسة يمكن تجاوزها.

من أبلغ المواقف التى تلخص إرادة القتال ما طلبه الفريق «عبدالمنعم رياض» من الرئيس «عبدالناصر»، عندما كلفه رئاسة أركان حرب القوات المسلحة المصرية فى أعقاب الهزيمة العسكرية ألا يقبل «الصلح»، أو استعادة سيناء دون قتال، حتى لو عادت كاملة دون شروط: «أرجو يا سيادة الرئيس ألا تقبل لأنه إذا عادت سيناء بدون قتال فإن البلد كلها سوف تنهار أخلاقيا وتسقط القيم فيها».

كان رد «عبدالناصر»: «لا تقلق فلن يعيدوا سيناء أبدا دون قتال، أو دون شروط».

بعد نصف قرن على استشهاد «رياض» فى (9) مارس (1969)، الذى اتخذ يوما للشهيد، كل شهيد ضحى بدمه من أجل بلاده فإن أقل ما يتوجب فعله إحياء المعانى الكبرى التى قاتلوا واستشهدوا من أجلها.

“الشروق”