aren

هيكل وجمال حمدان وعبقرية المكان\\ كتابة : عبدالله السناوي
الأحد - 17 - فبراير - 2019

30_20170417091621

هيكل – حمدان

كلاهما كان شاغله الرئيسي «الجغرافيا والتاريخ». أحدهما، قضيته الجغرافيا وعبقرية المكان فيها يقرأ ثوابتها من نافذة التاريخ وتحولاته.

والآخر، قضيته التاريخ ووثائقه في رواية الصراع على مصر والمنطقة يطل على وقائعه من فوق تضاريس الجغرافيا وثوابتها.

طرأت فكرة اللقاء الأول مع الدكتور جمال حمدان في حوار بمكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل مع الكاتب الصحفي الراحل مصطفى نبيل، وهو من أبرز المثقفين المصريين والعرب في ربع القرن الأخير.

في ذلك الصباح تطرق الحوار بينهما إلى صاحب الأثر الجليل «شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان»، إسهاماته وكتاباته، وهل يمكن أن يقنعه أحد بالخروج من العزلة التي طالت إلى رحابة الحياة.

أسهب «مصطفى» في الحديث عن «راهب الجغرافيا»، وكل حرف يقوله مصدق، فلا أحد غيره تفتح له الصومعة المغلقة على صاحبها، باستثناء أسرته تأتي إليه لتوفر احتياجاته.

«قال مصطفى: جمال يريد أن يراك.. ولم أكن في حاجة إلى تفكير فأنا كنت أتطلع بدوري إلى رؤيته». في الموعد المحدد وصلا معاً إلى شقة «جمال حمدان» بحي الدقي.

مرة بعد أخرى طرق «مصطفى» باب الشقة على الطريقة المتفق عليها حتى يعرف من في الخارج، لكن لا أحد يجيب.

بدأ بدوره يطرق الباب على نفس الطريقة، ولا أحد يفتح، أو يصدر صوتاً بأن خلفه حياة.

اقترح «مصطفى» أن يعودا إليه في يوم آخر بعد التأكيد على صاحب البيت حتى يفتح بابه، لكن «هيكل» أبَى، الصحفي فيه تحرك على نحو لم يكن ممكناً معه أي انتظار لموعد جديد.

خرج إلى الشارع وبصحبته «مصطفى».

التقط حجراً صغيراً وقذفه على شرفة الشقة التي تقع في الطابق الأرضي، لعل ضجيجاً يوقظه من نوم، أو يذكّره بأن هناك موعداً، على ما روى لي بعد سنوات طويلة رفيقه في الزيارة المثيرة. «من خلف باب موارب رأيته مرتدياً «روب» أحمر فوق ملابس البيت».»كان الرجل يعد الطعام لنفسه في مطبخه وغرفة الاستقبال لم تخضع لعناية منذ فترة».»لم يكن المشهد يليق بمفكر من حجمه أثرت كتاباته في مجرى التفكير العام، ولفتت إلى دور الجغرافيا في حياة المصريين».

«سألته: ليه كل ده؟».»بدا رجلاً تعرض لصدمة إنسانية فاقت طاقته على احتمالها لدرجة أنه أخذ يعاقب نفسه».

بعد قليل ذهب الرجال الثلاثة إلى فندق شهير بحي الدقي يطل على النيل. في الحوار لطف إنساني بدأه «جمال حمدان»: «إنك تتصرف كلورد إنجليزي رغم صداقتك لجمال عبدالناصر؟».. مشيراً إلى سيجار في يده يشعله بثقاب. ابتسم لملاحظته سائلاً عما إذا كان يريد أن يدخن سيجاراً آخر يحتفظ به.

أخذ «جمال حمدان» ينفث دخانه في الهواء ناظراً إلى جريان نهر النيل والحوار يتدفق بعمق.

«ما الذي جرى للمكان وعبقريته، وكيف وصلنا إلى هنا؟».»إلى أين حركة التاريخ ذاهبة في هذا الموقع من العالم؟».

أجاب «حمدان» عن فيض تساؤلات «هيكل» بكبرياء حزنه: «حركة التاريخ الدائمة قد تكون أحياناً إلى أسفل.. شهدنا انقلاباً لأنه كان بين السكان من لم يقدِّر ولم يرع حرمة وحق المكان».

شيء مما دار بينهما سجله في مقدمة كتابه «أكتوبر ٧٣ السلاح والسياسة»، الذي أهداه إلى «ذلك العالم المصري الفذ»، غير أنه لم يدخل في جو الحوار، ولا تطرق إلى بعض الأسئلة التي طرحها عليه الدكتور «جمال حمدان» في حضور «مصطفى نبيل»، التي سجلها كتابة كما طلبت، وألححت.

كيف تسكت يا أستاذ هيكل على ما يجري في مصر؟ أجاب الأستاذ: وماذا تريد أن أفعل؟

قال حمدان: لا تقل لي ما تردده أنك مجرد كاتب صحفي، فهذا غير صحيح، أنت زعيم سياسي يسلم بزعامته الكثيرون، فكيف لا تقود الشعب في ثورة لإسقاط المعاهدة المصرية -»الإسرائيلية»، خاصة أنك تتمتع بالثقة، وبميزات لا يتمتع بها سواك، ولديك تجارب ومعرفة عميقة بالمسرح الدولي، والأوضاع المحلية، عادة لا يتقن الحديث من يحترف الكتابة، ولكنك تتقن في الوقت نفسه الكتابة الراقية والحديث المقنع، وعادة لا يعرف التفاصيل من هو غارق في الكليات، لكنك تجمع بين المعرفة الدقيقة بالتفاصيل والكليات معاً، وعادة لا يعرف الفيلسوف المسائل العملية، ولا يتقنها، وأنت تعرف الفلسفة ولديك قدرة عملية كبيرة، وعادة ما يكون المفكر السياسي غير محترف السياسة وممارساتها، لكنك مفكر وسياسي في الوقت نفسه.. فلماذا لا تقود أهل مصر في طريق الخلاص؟

أجاب هيكل عن فيض تساؤلاته: لقد جئت إليك حتى أسمع منك، ما تفسيرك لتدهور موقف مصر السياسي؟ ولماذا رحب البعض بهذه الاتفاقية؟ قال حمدان في كلمة كالرصاص: إنه الطغيان.

في اللقاء الأول كان «محمد حسنين هيكل» يسأل و»جمال حمدان» يجيب.

قرب نهاية ذلك اللقاء الفريد من نوعه اتفقا على طريقة للاتصال المباشر لتحديد موعد لحوار آخر، أن تكون هناك رنة هاتف واحدة تتبعها رنتان بينهما فاصل.

وفي اللقاء الثاني بمكتب «هيكل» تبادلا الأدوار، «حمدان» يسأل وهو يجيب. كانت لدى المفكر الجغرافي أسئلته عن رؤية «عبدالناصر» للصراع في المنطقة، وأخذ أستاذ الصحافة يشرحها باستفاضة.

وهو يدخل إلى مكتب «هيكل» حمل الدكتور «جمال حمدان» معه نسخة من «شخصية مصر» عليه إهداء يصفه ب»أهم كاتب سياسي في العالم وأعظم مفكر سياسي أنجبته مصر».

«قلت له: يا جمال هذه مبالغة». فيما حرق في «برقاش» من كتب وأوراق ووثائق نسخة من كتاب «جمال حمدان» الأشهر وعليه إهداء بخط يده بعد أن نال حريق آخر قبل عشرين سنة من شقته ومخطوطاته وحياته.

رحل المفكران الكبيران لكن أثرهما ممتد ومؤثر، وهذه قوة الفكرة التي تغلب في النهاية أية قوة أخرى.

“الخليج”