aren

هواوي..مبادرة لإنهاء الحرب التجارية \\ كتابة : توماس فريدمان
السبت - 14 - سبتمبر - 2019

بعد أسبوع من المقابلات في بكين وشينجن وهونج كونج، عدتُ بمشاعر قوية بشأن النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين. فهناك جبهتان للمعركة: الأولى هي المفاوضات من أجل إزالة الحواجز في وجه الشركات الأميركية التي تتنافس في الصين، والأخرى هي ما ينبغي فعله مع هواوي، شركة شبكات الاتصال الصينية العملاقة التي تنظر إليها الصين باعتبارها درة تاج الابتكار الوطني، وينظر إليها فريق ترامب على أنها جهاز تجسس عالمي عملاق.

تذكروا هذا الاسم: هواوي. المواضيع التي تمثّلها هذه الشركة مهمة أهمية كل المفاوضات التجارية الأخرى مجتمعة.

على الجبهة التجارية الخالصة، غادرتُ الصين وأنا أشعر بأن ثمة فرصة لا بأس بها لإمكانية التوصل إلى اتفاق محدود – سحب بعض الرسوم الجمركية الأميركية في مقابل استئناف بعض المشتريات الصينية، وخاصة تلك المتعلقة بالمنتجات الزراعية، من الولايات المتحدة – على المدى القصير.

غير أنني غادرت أيضاً وأنا أشعر بأن المسؤولين الصينيين من غير المحتمل أن يوقعوا على الصفقة الكبرى، والتنازلات الكبيرة، من النوع الذي يريده ترامب ويطالب به. وذلك يعود جزئياً إلى حقيقة أن السلطات الصينية ستلقى مقاومة قوية من الصناعات التابعة للدولة ومتشددي الحزب الشيوعي. ولكن أيضاً لأن أشهراً من تهديدات ترامب الاندفاعية ورسومه الجمركية وإشاداته ثم مزيد من التهديدات، دفعت بالطبع الكثير من المسؤولين الصينيين إلى أن يخلصوا إلى أن ترامب شخصية متقلبة يجب أن يُنظر إليها دائماً على أنها «الفائزة» وأن تذلّ الطرف الآخر، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه من أجل اتفاق كبير حيث الجميع فائز – أو حتى الالتزام به في حال عقد اتفاق. والأفضل ترك المفاوضات تمتد وتطول.

غير أن الأهم من هذا كله هو كيف ينبغي التعاطي مع هواوي – أكبر مصنّع في العالم لمعدات شبكات الجيل الخامس (5 جي) وثاني أكبر مصنّع للهواتف الذكية في العالم بعد سامسونج وقبل آبل.

وحسب من تصدقْ، فإن هواوي إما شركة اتصالات شقّت طريقها إلى القمة منذ تأسيسها عام 1987 بمبيعات اليوم تفوق قيمتها 100 مليار دولار، رأسمالية على النمط الأميركي صعدت إلى القمة عبر سرقة تكنولوجيا الآخرين، وإما جهاز تنصت عالمي عملاق لحساب الاستخبارات الصينية ينبغي منعه من إنشاء تجهيزات في الولايات المتحدة واقتلاعه من البلدان الحليفة لنا؟!

تخيل الصين تقول لـ«آبل» إنه لم يعد بإمكانها أبداً صنع هاتف آخر أو بيعه في الصين أو في أي بلد من البلدان الشريكة للصين في آسيا، وهو ما يعادل تقريباً ما قاله ترامب لهواوي في أميركا. والواقع أنني لا أعلم ما إن كان ذلك مبرراً أم لا – إذ سأحتاج للاطلاع على المعلومات الاستخباراتية الأميركية – ولكني أعلم أن الأمر يستحق جهداً من أجل نزع فتيل أزمة هواوي. وإلا، فإننا سنتجه إلى عالم ثنائي التكنولوجيا، حيث هناك منطقة صينية ومنطقة أميركية، وبينهما ينتصب جدار برلين رقمي في الوسط.

ولهذا، فقد سعدتُ بتلبية دعوة مؤسس هواوي ورئيسها التنفيذي «رين تشنغفاي» للمجيء إلى مقر شركته في شينغن من أجل مقابلة نادرة، اغتنَمها ليقترح – للمرة الأولى – مفاوضات مع وزارة العدل الأميركية في محاولة لحل كل المشاكل العالقة بين واشنطن وهواوي.

وقال لي رين: «إذا تواصلت معنا الولايات المتحدة بحسن نية ووعدت بتغيير طريقتها غير العقلانية تجاه هواوي، فإننا سنكون منفتحين على حوار. على الولايات المتحدة ألا تحاول تدمير هواوي بسبب شيء تافه. وإذا كانت الولايات المتحدة تعتقد أننا فعلنا شيئاً خاطئاً، فيمكننا مناقشة ذلك بكل حسن نية وإيجاد حل معقول. وأعتقد أنه يمكننا قبول تلك الطريقة». ثم أضاف من أجل مزيد من التوكيد: «ليست ثمة أي قيود على ما يمكن أن نناقشه مع وزارة العدل».

وإذا كانت الولايات المتحدة – التي ليست لديها شركة محلية مصنعة لشبكات الجيل الخامس – ما زالت لا تثق في هواوي لتقوم بتركيب معداتها عبر أميركا، يضيف «رين»، فإنه مستعد، للمرة الأولى، لمنح رخصة منصة هواوي الخاصة بـ«5 جي» برمتها لأي شركة أميركية تريد صناعتها وتركيبها وتشغيلها، بشكل مستقل كلياً عن هواوي. (يذكر هنا أن المزودين الرئيسيين الآخرين الوحيدين لشبكة «جي 5» هما نوكيا وإيريكسون، وهما شركتان أوروبيتان تعد منتجاتهما أغلى بكثير من منتجات هواوي)

والواقع أنني لا أعرف من يقول الحقيقة في هذه القصة. إذا كانت هواوي لاعباً سيئاً حقاً، فدعونا نرى الدليل ولنُدرجها حينها في القائمة السوداء بكل سرور. أما إذا لم يكن الأمر واضحاً جداً، فينبغي على فريق ترامب على الأقل أن يدرس عرض «رين» لرؤية ما إن كان ثمة طريقة تستطيع هواوي من خلالها طمأنة خبراء الاستخبارات الأميركية وإثبات سلوكها الحسن.

خلال الثلاثين عاماً الأولى من التجارة بين الولايات المتحدة والصين، كانت الصين تبيعنا في الغالب ما أسميه سلعاً «سطحية» – ملابس وأحذية نرتديها وإلكترونيات نضعها في آذاننا. ولكن الآن وقد أصبحت الصين قوة تكنولوجية قائمة بذاتها، فإنها تريد أن تبيعنا «تكنولوجيات عميقة» – مثل شبكات «جي 5» التي تدمج عميقاً في أقبيتنا وغرف نومنا ومصانعنا وبنيتنا التحتية الخاصة بالاتصالات.

ولهذا يتساءل المسؤولون الأميركيون: كيف يمكننا السماح لهواوي بوضع تكنولوجيا «جي 5» الخاصة بها في مدننا وبيوتنا؟ ألا يمكنها أن تستخدم من قبل الصين للتجسس علينا أو إطفاء شبكة كهربائنا في حرب؟ والصين تسأل الأسئلة نفسها حولنا.

وخلاصة القول: إما أن تقوم الولايات المتحدة والصين بتطوير إطارات جديدة كلياً للثقة من أجل تدبير التجارة في التكنولوجيات العميقة، وإما، كما قال زميلي ريموند جونغ في صحيفة «نيويورك تايمز» في 18 يوليو، فإن كل عملية شراء لمعدات اتصالات ستتحول مستقبلاً «من قرار تجاري إلى قرار جيوسياسي: اختبار للولاءات لواشنطن أو لبكين».

وذلك سيكون عالماً أكثر انقساماً، وأقل رخاء، وأقل سلاماً!

“الاتحاد” الظبيانية