aren

هواجس بمناسبة اللجنة الدستورية !! \\ بقلم : د. فؤاد شربجي
الجمعة - 7 - سبتمبر - 2018

 

السلام لسوريا

أصاب بالذعر ، كلما سمعت العبارة التي تتحدث عن انجاز (دستور لسورية يتيح تمثيل جميع الطوائف والاديان والاثنيات ، في الحكم بشكل عادل) ، لان مثل هذه العبارة الحاكمة في سياق انجاز الدستور ، تتعامل مع الشعب السوري باعتباره طوائف وأديان واثنيات ، متنافسة.(يرجى التأكيد على معنى متنافسة).

ويلزمها دستور ينظم تقاسمها للسلطة ، وينسق تنافسها في حكم موزع عليها … ، ورغم ان ظاهر العبارة ربما يفهمه البعض على انه يعني (العدل في توزيع السلطة ) ، الا ان جوهر العبارة (اننا مجموعة من الطوائف والاديان والاثنيات ، واننا نتفاعل ، ونتنافس على الحكم) ، وهذا مايثير الذعر بي ، كمواطن أخاف على مواطنيتي ، من ان ترد الى درك الانتماء الطائفي ، او الديني ، او الاثني.

ان ما أطلق الذعر عندي ، هو ان عبارة (تمثيل جميع الطوائف والاديان والاثنيات) ، ترددت كثيرا على لسان العديد من ممثلي الدول المعنية بالشأن السوري ، والتي تمد يدها في عملية اللجنة الدستورية ، واصلاح الدستور ، سواء بشكل مباشر ، اوغير مباشر .

وعلينا كسوريين ، مهما كانت انتماءتنا ، ان ندافع ونحرص على جوهرنا الحضاري السياسي ، الجامع لنا كسوريين ، والمتمثل بانتمائنا الى شعب حي بتعدده وتنوعه ، وحيوي بتفاعل جميع مكوناته ، ضمن فيزيولوجية حضارية ، تنتج الرقي عبر ابداء الانسان السوري ، بحيث يكون اسهام الفرد في بناء الهوية السورية الجامعة ، هو معنى انتمائه الوطني السوري.

وهذا مايحترم الطوائف أو الاديان أو الخصوصيات الأثنية ، كتمايزات فردية ، ويزيد من احترامها كلما ساهمت في الارتقاء بالهوية الوطنية الحضارية ، التي هي فوق الطوائف والمذاهب والأديان ، والاثنيات والمحترمة لها ، كخصوصية غير سياسية للفرد.

ان تحويل الطوائف او الاديان او الخصوصيات الاثنية ، مراجع سياسية ، تحكم الممارسات السياسية وتشكل معيارا في انتظام العقد الاجتماعي (الدستوري) ، يحول الصراع السياسي الى صراع طائفي ، او مذهبي ، أو ديني ، أو اثني .

وبذلك يردنا ك(مجتمع) ، الى مستويات أدنى وأحط من التطور الاجتماعي ، وبدلا من تقوية مجتمعنا عبر تنافس سياسي مدني ، ينظمه عقد اجتماعي في دستور يستند الى دساتيرنا ويرتقي بها ، لتكون اكثر فعالية في تقوية التفاعل الجامع ، والموحد لشعبنا .

بدلا من ذلك ، يريد من يعتبرنا طوائف وأديان واثنيات …الخ ، ان يشعل بين مكوناتنا ، نيرانا طائفية ، يحرق الجامع الوطني ، وتحولنا الى مواد قابلة للاشتعال ، لنحرق بعضنا ، ونحرق وطننا .

ان مايبرر الذعر ، تجاه مطالب المساواة بين الطوائف والاديان والاثنيات في توزيع السلطة ، هو ان معظم القوى السياسية السورية ، لم تحتج بشكل واضح على التعامل مع الشعب السوري،باعتباره طوائف واديان واثنيات…

وعدم الاحتجاج هذا ، يرسخ المعنى المطروح حول الشعب السوري ، واتساءل أما كان من واجب القوى السياسية – ولومبدئيا – ان تؤكد بان الشعب السوري ، مجتمع حضاري متقدم وله تجربة سياسية واجتماعية ، تحترم الخصوصيات الطائفية والدينية ، والاثنية ؟!! .

أما كان من الضروري على القوى السياسية الموالية ، او المعارضة ، ان تقول بشكل واضح ، أن المجتمع السروي لا يقبل خلط الدين او تدخله بالسياسة ، فكيف سيقبل ان تصبح الطائفة مرجعية سياسية ؟

أما كان من واجب القوى السياسية ان توضح ، بان من استخدم الطائفية في حرب السنوات الماضية ، كان يعمل لحرق سورية وحرق نسيجها ، كمقدمة لتدميرها ، وليس ك(ثورة) ترتقي بها ؟!.

قد يقول قائل :” ان معظم القوى السياسية ، تنادي بالعلمانية ، وتذكرها في شعاراتها ” ، وهذا صحيح ، لكن هل قامت هذه القوى بقعل سياسي شعبي ، يحول العلمانية من خيار للقيادات السياسية ، الى أسلوب اجتماعي سياسي ، وثقافي عند الشعب ، وبين أفراده ؟

ربما تضمنت أدبيات بعض الأحزاب شيئا عن العلمانية ، ولكن دفاتر الاحزاب شيء ، وقناعات الشعب شيء آخر.

هكذا ، فان سكوت الأحزاب والقوى السياسية عن عبارة (تمثيل الطوائف والأديان والاثنيات في الحكم ) ، يزداد خطورة في ظل عدم سعيها ، لتعميق علمانية المجتمع السروي ، بل تركها ك(كلمة) مختلف عليها ، ومقهورة بماطرح ، حول تمثيل الطوائف والاديان ، والاثنيات.

ان اعتبار الشعب العربي السوري ، كمجتمع حي بتعدده وتنوعه ، وحضاري برقيه الاجتماعي ، ومتقدم بممارسته السياسية ، والمتفاعل مع القوى الحضاري في العالم . ان هذا المجتمع الذي يحول تنوعه وتعدده المتفاعل الى اشعاع حضاري ، هو مجتمع سياسي بامتياز ، لا طائفي ولا مذهبي ولا ديني ، ولا اثني .

وهذا هو معنى سورية الحقيقي ، وهو المعنى الذي يجب ان يشكل أساس البحث في اصلاح الدستور ، او الارتقاء به .

السوريون يتابعون أخبار العراق ولبنان ، ويخشون من صفقة تنتج دستورا ، يقهر الطبيعة الحضارية الكامنة في المجتمع السوري ، يردها الى الطائفية والدين والاثنية ، ان مثل هذه الصفقة كارثة لا يمكن القبول بها ، لانها تعكس وتقهر طموح السوريين ، بالتخلص من أي طائفية ، أو أي تمايز ديني ، أو اثني .

السوريون ، يريدون الارتقاء أكثر على سلم الحضارة ، وبعد انتصارهم على الارهاب ، لن يقبلوا ابدا ، بأي أمراض طائفية أو دينية ، أو اثنية .

السوريون ، يريدون الارتقاء ، اما الارتداد ، فلن يقبلوا به ابدا ، ويملكون القوة الحضارية للدفاع عن هويتهم .