aren

هموم ”موظَّف” اسمه كارلوس غصن \\ كتابة : جهاد الزين
الأحد - 13 - يناير - 2019

غصن

من أكبر دلالات كل الضجة المرافقة منذ أسابيع لموضوع توقيف نجم صناعة السيارات العالمي كارلوس غصن أنها… من حيث حجم المبالغ المتعلقة بالتهم المشتَبَه بها.. ناتجة عن هموم شخص يرى نفسه موظفاً “محدود الدخل”.

نعم مجرد موظف ولو في فئة أعلى الموظفين في العالم وهم مدراء الشركات الصناعية والبنوك والمؤسسات المالية الكبرى. هذه الفئة التي بات معروفا، خصوصا منذ الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأميركية عام 2008 التي تركت بصماتها بل مفاعيلها على الاقتصاد العالمي، يحتل المدراء الأميركيون فيها المرتبة الأولى في حجم رواتبهم الشخصية. كان مدخول كارلوس غصن ليس بحجم مداخيل بعضهم ولكن كان يأتي، حسب كل تقارير الصحف الكبرى بعد توقيفه، في مرتبة ثانية بعدهم. والأرجح أنه مدير شركة صناعة السيارات وربما غير السيارات الأعلى راتبا بأشواط قياساً بالمدراء اليابانيين.

من المعروف، على سبيل التذكير، أن قمة الدول الصناعية الكبرى السبع ناقشت في اجتماعاتها بعد أزمة 2008 المشار إليها قضية إعادة التوازن إلى رواتب مدراء الشركات المالية التي انهار بعضها خلال تلك الأزمة، كجزء من أسباب الأزمة.

أقول أن هموم كارلوس غصن من حيث حجمها كانت هموم … موظف بالنتيجة وليست هموم رجل أعمال بين رجال الأعمال المليارديرية أو حتى الكبار الأقل شأناً. نعم الأسطورة الذي كان يتمنى مقابلَتَه أيُّ رئيس دولة أو رجل أعمال “تايكون” كبير كانت مشكلته جوهريا في النتيجة مشكلة محدودية دخله، مع كل المزدوجات التي يجوز وضع الصفة بينها. كان يعيش ويعمل في دول قانون كبرى هو نتاج مدارسها ومؤسساتها الذي سيتحول إلى أحد رموزها العالية في النشاط والنجاح الاقتصاديين، ومعها تقاليد مكافأة الكفاءة ضمن ضوابط النظام الاجتماعي.

كان كارلوس غصن على ما يمكن أن يظهر، يكافح كموظف لرفع سقف مداخليه التي يراها “محدودة” برقم لا يتخطى العشرة مليون دولار سنويا، أقل أو أكثر قليلا، وهذا، يعتبر بالنسبة لرجال أعمال حتى لبنانيين معروفين أو مصريين أو سعوديين أو إماراتيين، أو كويتيين، أو أوروبيين أو أميركيين رقما مهماً إنما “عادي” .

وبين الذين احتجزهم ولي العهد السعودي في فندق ريتز، هذا رقم لا يستحق الاعتقال قياساً بأن “ضيوف” فندق ريتز كانوا أكبر أثرياء العرب منذ الفورة البترو دولارية في السبعينات، وكان ولي العهد يريد أن يسترجع منهم عشرات المليارات التي يعتبرها أموالا عائدة للدولة السعودية. ربما بعض موظفيهم كانوا يتقاضون مثل كارلوس غصن أو أكثر. أما في لبنان الفساد، أجلّكمْ، فهذا رقم “متواضع” لبعض من يتهمهم الرأي العام اللبناني بنهب المال العام.

الرجل، إذا كان أخطأ، ونرجو أن يخرج بريئا، فهذا على الأرجح كان خطأ من ضمن القانون وليس خارجه لأنه طمح بوسائل قانونية في اليابان وخارج اليابان لزيادة مداخيله التي على ما يظهر، وقد أصبح أسطورة عالمية حقيقية، كان يجد أنه يستحق أكثر منها وساهمت ربما صعوباته المالية الشخصية في تشجيعه على ذلك.

لاحظتُ منذ الأيام الأولى لتوقيفه، أن مواطنيه من الصحافيين الفرنسيين، وهو بالنتيجة كان أحد أكبر رموز فرنسا في إدارة التحديث الصناعي، أشاروا إلى نمط حياته الشديد الفخامة، وبالتالي “ضعفه” أمام المال ( صحيفة ليبراسيون) ولإنفاق المال على ما يسميه الفرنسيون ” آآرْ دي ڤيڤْر”.

لم يجرؤ أحد بعد أن يستخدم كلمة فساد في الحديث عن كارلوس غصن لا في الصحف اليابانية ولا الأميركية ولا الأوروبية التي احتلت، المقالات عنه، وبعضها ناقد للنظام القضائي الياباني صدر صفحاتها الأولى مثل “النيويورك تايمز” و”الوول ستريت جورنال” و “اللوموند” و”الفايننشال تايمز” و”الغارديان”. والصحيفتان الأولى والثالثة قامتا بنشر تحقيقات عن سيرة حياته منذ طفولته استلزمت إرسالَ مراسلين إلى البرازيل ولبنان وفرنسا. حتى البيانات القضائية اليابانية لم تأتِ على ذكر الكلمة كتهمة.

لم ترد كلمة فساد في مكان وهذا يدل على نظرة شاملة لغصن. أعلى ما قيل، وليس بسيطاً، هو “إساءة استخدام الثقة” وعدم التصريح عن مداخيل، لذلك الرجل أدلى بقوة ببراءته وتحدث عن قرارات اتخذها وبموافقة مجلس إدارة نيسان لتمويل بعض عمليات توسيع سوق المبيعات وبعض الاستخدامات الشخصية لأملاك للشركة وليست له. وإذا كان الرجل ارتكب أخطاءً فهي في هذه الدائرة من أخذ قرارات اعتقد أو أراد أن تكون قانونية من موقعه كرئيس لشركة نيسان.

التُهم، بمواصفات دول متقدمة كاليابان والغرب عموما ليست بسيطة. وواضح أن كارلوس غصن قضية إشكالية بل خلافية على بعض المستويات الصناعية ومنها العلاقات الفرنسية اليابانية. ناهيك عن طرح البعض نظرية المؤامرة. كما أن راتبه كرئيس لشركة رينو أخذ يصبح موضع جدل سياسي في فرنسا عندما أثير الموضوع على لسان بعض النواب داخل الجمعية الوطنية خلال إحدى جلسات مناقشة الحكومة قبل أكثر من سنتين.

غير أنه بعيدا عن نتائج الجدل القانوني الصرف، أو بالتوازي معه، ستدخل حالة كارلوس غصن في ثقافة العولمة: أين حدود النجاح الفردي، وأي مشروعية له، وسقف مكافأته قياسا بالتوازن الاجتماعي الاقتصادي العام للدولة المعنية. المسار العام لثقافة دولة القانون الغربية الأوروبية والأميركية، بما فيها اليابان وأوستراليا، لا تريد “أنبياء” للحداثة العليا، حتى بين المخترعين كبيل غيتس ومارك زوكربورغ فكيف بالمديرين العالميين ككارلوس غصن؟

هذا ولم ندخل بعد إلى جدل القوميات الاقتصادية. لكن النظام القضائي الياباني متعودٌ على إهانة رموز اليابان السياسيين والاقتصاديين قبل غيرهم أمام أقل شبهة باستثناء جلالة الامبراطور الذي حظي كارلوس غصن بوسام منه ذات يوم.

وكل التمني، أن نرى الأسطورة كارلوس غصن بريئا في اليابان ومرفوع الرأس في فرنسا؟

“النهار” اللبنانية