aren

هموم “أُمَمٍ” منهارة: الفدرالية من اليمن إلى لبنان \\ جهاد الزين
السبت - 16 - أكتوبر - 2021

من المثير أن نلاحظ عدد الدول في المنطقة التي ترشِّحها كتابات سياسية غربية جادة للنظام الفدرالي أو حتى للتقسيم. سوريا، العراق (الذي أصبح فدرالية على أساس قومي عربي كردي) اليمن الذي عاد الحديث (الغربي) عن فدرلته على أساس ثلاث مناطق تاريخية هي الشمال مع ساحل البحر الأحمر  (صنعاء ومأرب وتعز) والجنوب، مع مضيق باب المندب (عدن) والجنوب الشرقي (حضرموت). 

ويلاحَظ أيضا أن الدول التي يلاحقها التفكير الفدرالي أو حتى التقسيمي هي دول مأزومة جدا إذا لم تكن منهارة كليبيا (ثلاث مناطق) واليمن.

هكذا يبدو جزء من المنطقة وقد عاد مع طروحات الفدرالية أكان واقعيا أم غير واقعي إلى طور إعادة التأسيس على الأقل في نظر إما بعض أبنائه أو بعض القوى العظمى ولاسيما في الغرب بل تحديدا في الغرب. من حسن الطالع أن هناك دولاً كمصر وتركيا وإيران (رغم توتر نظامها الديني  ولعبه بالخرائط المحيطة) ودول مجلس التعاون الخليجي  استطاعت أن تحافظ على تماسكها وتبدو أقوى من أي انتهاك تتعرض له كما حصل في مصر التي أظهرت المؤسسةالعسكرية فيها مرة أخرى قدرة على ضرب المشروع الإخواني المسلّح للحرب الأهلية  بل وتدخل مصر الآن في طور جديد من النمو الاقتصادي الجدير بالمتابعة، وهو ينعكس في سياسة إقليمية مصرية تحاول أن تستوعب إيجابياً التعقيدَ الحالي في الوضع اللبناني.

في بلد مثل لبنان بات خطاب الفدرلة يحظى بشعبية غير خافية في الأوساط المسيحية. فحتى في العام 1975 عندما بدا المزاج العميق لعدد كبير من النخب المسيحية السياسية مؤيداً لصيغة سياسية جديدة أكثر مؤسساتية في ما تريد أن تعكسه سياسيا من التعددية الدينيةوالثقافية، لم يكن خطاب الفدرلة محسوماً على المستوى الشعبي.

ليس سهلا دائما لأسباب عديدة التمييز بين النزوع الانفصالي والنزوع الفدرالي وحتى النزوع الرافض العام لعبء الصيغة المركزية الحالية. غير أن معضلة هذا النوع من الطروحات تكمن في الاستعصاء الذي تفرضه العلاقات الدولية عدا كونها تصطدم بضيق المساحة اللبنانية والاختلاطات الديموغرافية المعقدة أو التي لا تزال معقّدة رغم ما أسفرت عنه الحرب الأهلية في مراحل متعددة من نزوحات وتهجيرات متبادَلة، مع العلم أن أحد أشكال التغيير الديموغرافي يكمن في تحولات سكانية في المدن تتم بشكل سلمي كما حصل عموما في مدن صور وبعلبك وصيدا ويحصل في طرابلس من انتقال بل فراغ مسيحي ملموس.

انهيار البنية الخدماتية الحالية للدولة اللبنانية أو شبه انهياره يساهم بطبيعة الحال في انكشاف المزاج السياسي اللبناني ليس فقط عن تصلب خطر بل تُضاف فيه وعليه تململات المواطنين  حيال تفاقم المشاريع الإقليمية ذات الأولويات غير اللبنانية لاسيما المشروع الإيراني رغم ادعاءات العكس بواسطة الأدوات المحلية المتمكنة من تركيبة الدولة اللبنانية ومع ما يعنيه ذلك من احتمالات المزيد من التشرذم الإقليمي الاستتباعي للدولة.

تزداد المنطقة عناصر غير مشجّعة على أي تفاؤل بالمستقبل، وآخرها أفغانستان “طالبان” التي تجعل إرث الخطاب التحديثي الذي عاش فيه الكثير من نخب المنطقة اللاجئة الآن أو أبنائها وأحفادها في عواصم الغرب خطابا منسياً أو مهملاً أو عقيما على المستوى السياسي. أما العراق الفدرالي القومي فيقوم على مكونات ثلاثة مناطقية طائفية تجعله عرضة دائما لاستقطابات المنطقة الأكثر ضرراً بينما النفوذ الإيراني مفتوح ومتمكِّن في المكونات الشيعية، جميعها، ها هي تركيا تعتبر نفسها صاحبة “حق طبيعي” في التحرك ضمن المكوِّن السني العراقي وسنتأكد من حجم ذلك خلال الانتخابات التشريعية ونتائجها.

هل هي الفكرة الفدرالية لا تعيش إلا حيث يثبت فشل الدولة المركزية أو حيث التأزم الإقليمي الذي لم ترتح منه المنطقة منذ العام 1948، تاريخ تأسيس إسرائيل، أو أن هناك أزمات أعمق تضرب بُنى الدول التي تأسّست بعد العام 1920 ومعها فشل المجتمعات التي انبثقت منها عن تحمّل تبعات المشاريع التحديثية ولاسيما الديموقراطية كما ظهر بعد تجارب ثورات “الربيع العربي”؟

“النهار”اللبنانية