aren

هل نشهد ولادة نظام عالمي جديد؟ \\ كتابة : ناصيف حتي
الثلاثاء - 11 - ديسمبر - 2018

 

new-world-dis-order

بعد عام من الزمن تكون قد مرت عقود ثلاثة على سقوط جدار برلين بين الشرق والغرب وإعلان الكثيرين انتصار نموذج الديمقراطية الليبرالية الغربية بالضربة القاضية وبداية اكتساحها للعالم كنموذج جاذب وحامل للتغيير. ومرَ العالم بلحظة وصفت بالأحادية القطبية الأمريكية سرعان ما انتهت لندخل مرحلة انتقالية مفتوحة مع «عودة» روسيا الاتحادية «وقيام» الصين الشعبية في النظام العالمي. مرحلة تشهد تغييرات جذرية من حيث سقوط قواعد وأعراف قائمة وبروز أخرى دون أن تستقر بعد كأنماط في العلاقات الدولية. من اللحظات المؤثرة في هذه التغييرات الأزمة الاقتصادية المالية العالمية التى حصلت عام 2008.

نرى اليوم أن الهيمنة الاقتصادية الأمريكية في طريقها إلى الاضمحلال وأن الصين الشعبية في طريقها لتتبوأ الموقع الأمريكي كأكبر اقتصاد في العالم. ونرى اليوم أن الاتحاد الأوروبي يعيش أزمة هيكلية بعض أسبابها ناتج عن التوسع السريع الذي قام به «لإنقاذ» الدول الأوروبية المولودة من جديد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. أزمة لا تهدد وجوده ولكنها تهدد تطوره كطرف فاعل على الصعيد الدولي وتخلق كما تساهم في العديد من الأزمات في داخله.

ونرى أيضا أن روسيا الاتحادية عادت بقوة عبر بوابة الجغرافيا السياسية مقارنة مع عودة الصين الشعبية عبر بوابة الجغرافيا الاقتصادية. إن هذه التطورات وبروز مجموعة «البريكس» (روسيا الاتحادية، الصين الشعبية، البرازيل، الهند وجنوب إفريقيا) التى تشكل قوة ديمغرافية واقتصادية كبيرة، كلها عناصر تؤشر إلى أن الحوكمة العالمية لن تكون أمريكية الهوية كما تصور الكثيرون بل ستكون تشاركية غربية شرقية.

من المفارقات أيضا تبادل الأدوار بين واشنطن وبكين فيما يتعلق بالعولمة التي ولدت أمريكية بشكل خاص وتواجهها واشنطن/ترامب حاليا تحت عنوان أمريكا أولا وإقامة الجدران والحواجز الاقتصادية فيما سياسات بكين تصب في دعمها تحت عنوان استراتيجي ضخم اسمه «حزام واحد طريق واحد»، إن الهدنة الاقتصادية الأمريكية الصينية التي ولدت فى قمة العشرين فى الأرجنتين لن تؤدى إلى «سلام اقتصادى» بسبب كثرة المطالب الأمريكية وصعوبة تجاوب الصين الشعبية معها، من تخفيف الدعم للصناعات الصينية بغية تقليص قدرتها التنافسية مع الصناعات الأمريكية إلى «وقف سرقة» الملكية الفكرية التي تتهم بها الصين إلى العمل على تقليص الفائض التجاري الصيني بين البلدين.

الصين الشعبية تقدم نفسها كنموذج جديد للتنمية لا يمس بالبنية السياسية للسلطة وبالتالي لا يهدد أنظمة قائمة إذا أرادت اعتماد النموذج الاقتصادي الصيني. صدام أمريكي صيني وآخر أمريكي روسي إذ تتهم الأخيرة واشنطن بأنها تريد تعزيز الحاجز الأوكراني أمام روسيا لمنعها من التحول إلى قوة أوروبية وإبقائها فقط كقوة آسيوية. كما تبدي واشنطن قلقها من تطور العلاقات الروسية التركية باعتبار الأخيرة البوابة الأخرى لروسيا إلى أوروبا. روسيا التي تريد بشكل خاص أن تكون المصدر الرئيسى لأوروبا بالطاقة.

نلاحظ أيضا ازدياد المقاومة للعولمة المتسارعة خاصة عبر «طريق» الليبرالية الاقتصادية والتي لم تؤدِ كما تصور الكثيرون إلى أن تفتح الباب أو أن تعزز الطريق نحو الليبرالية السياسية بل ما يحدث هو ردود فعل سلبية تقوم على الإحياء الهوياتي «القومي» وازدياد المشاعر الشعبوية التي تخاف وتخوف من الآخر المختلف حتى ضمن الوطن ذاته أو فى الإطار الإقليمي التعاوني ذاته. فهنالك تراجع في قيم الديمقراطية الليبرالية حتى في «قلاعها» الأساسية الغربية. الديمقراطية الليبرالية التي «تتهم» بأنها بعض أهم مسببات الأزمات الاقتصادية التي تعيشها الدولة المتقدمة. الأزمات التي جاءت بها تلك الليبرالية الاقتصادية.

نرى اليوم تراجع مفاهيم وقيم التعاون الإقليمى والدولى فى لحظة، وهنا المفارقة، يبدو العالم بأشد الحاجة إليها لمواجهة تحديثات جديدة ومتجددة. تراجع يعمل لمصلحة بناء الجدران والحواجز بين الدول باسم الهوية القومية أو باسم تفسير خائف على تلك الهوية. ديمقراطية العلاقات الدولية من حيث اندثار القوة وانتشارها لم يؤدِ إلى تعزيز الديمقراطية السياسية ضمن الدول بل زادت هذه التحولات بأبعادها المختلفة من المخاوف الوطنية على الاقتصاد وعلى الهوية.

الرئيس الأمريكي يعبر عن تلك المخاوف وعن ذلك القلق في سياساته ولكنه لم يكن وراء ولادة هذا القلق وتلك المخاوف الموجودة من قبل في أوروبا وفي الولايات المتحدة لكنه دون شك لإعطائها المزيد من القوة والظهور بسبب حدة خطابه وبسبب الموقع الذي يحتله.

خلاصة القول أننا نشهد اليوم ولادة نظام ثلاثي الأقطاب (أمريكي، روسي، صيني) يعزز قيامه العودة إلى لعبة القوى التقليدية المتحررة لدرجة كبيرة من إرث ومفاهيم وسلوكيات التعاون الدولي التي كانت تفرض قيودا على «لعبة القوى» التقليدية، نظام مثلث الأقطاب لكنه لا يخضع لأي قيود إيديولوجية أو قيود استراتيجية ثابتة كما كنا نشهد خلال عصر الحرب الباردة: نظام يلد في ظل مناخ من الفوضى الدولية وأمامه تحدى احتواء هذه الفوضى وبلورة قواعد جديدة أو تعزيز أخرى قائمة ليكون نظاما عالميا جديدا مستقرا.

“الشروق”