aren

هل نشهد أفول نجم الحريري؟ \\ كتابة : مايكل يونغ
السبت - 4 - ديسمبر - 2021

سرت شائعات (مؤخرًا)، بأن رئيس الوزراء السابق “سعد الحريري” قد يقرر عدم خوض الانتخابات النيابية العام المقبل، في حال إجرائها. بحسب التقارير الصحافية، لم يتخذ الحريري بعد قرارًا نهائيًا حول المسألة، لكن مساره السياسي في الآونة الأخيرة ، يشير إلى أنه من المحتمل جدًّا ، أن يحجم عن المشاركة.

ليس صعبًا التكهّن حول الأسباب الرئيسة ، التي قد تدفعه إلى اتخاذ هذا القرار. فقد خسر الحريري، في الأعوام الأخيرة، ركيزتَين من الركائز التي لطالما قام عليها النفوذ السياسي لعائلته، وهما المال والدعم السعودي. وكان السبب وراء خسارة المال الإدارة الكارثية لشركة “سعودي أوجيه” ، التي أسسها والده (رفيق الحريري) ، ويملكها سعد، وصولًا إلى إفلاسها؛ أما السبب وراء خسارة الدعم السعودي ، فمردّه إلى علاقة الحريري المشحونة بولي العهد الأمير (محمد) بن سلمان، وإلى اعتبار المملكة ، أن الحريري لم يضغط بشكل كافٍ على حزب الله. وفي محاولة أخيرة لتجنّب خسارة موقعه السياسي، بذل الحريري جهودًا طوال أشهر عدّة ، لتشكيل حكومة، لكن جهوده مُنيت بالفشل.

سعد الحريري

حاليًا ، يمضي الحريري معظم أوقاته في أبو ظبي. يُقال إن الإمارات ، طلبت منه الانسحاب من السياسة ، والتركيز على تحسين أوضاعه المالية. يرى البعض أن الإمارات تسعى إلى تعزيز موقع شقيقه الأكبر (بهاء)، الذي يوسّع نشاطاته في لبنان مؤخرًا.

ثمة اعتقاد سائد الآن ، بأن مسيرة سعد الحريري السياسية قد انتهت، ولكن يُفضَّل عدم التسرع في الحكم. فاستمرار ميشال عون وسمير جعجع في المشهد السياسي بعد الدمار الشديد الذي ألحقاه بالنسيج المسيحي اللبناني في العام 1990، واستمرار أتباعهما بتنصيبهما زعيمَين على الطائفة، خير دليل على أن اللبنانيين ، مستعدون لإعادة إحياء أي شخص حين تصبح الظروف مؤاتية.

مع ذلك، لا شكّ أن الحريري يقف عند مفترق طرق في مسيرته السياسية، وقد يفقد جدواه في حال لم يستنبط وسيلة للخروج من مأزقه. فلنسترجع ما قاله الشيخ السنّي أحمد (الأسير) حين غادر الحريري لبنان بعد إسقاط حكومته على يد حزب الله وحلفائه في كانون الثاني/يناير 2011. فقد وجّه الأسير ، انتقادات إلى الحريري ، قائلًا إن على القائد ألا يتخلى أبدًا عن مناصريه في خضم المعركة. كان هذا الكلام لاذعًا، لكن الحقيقة ، هي أن غياب الحريري عن لبنان بين العامَين 2011 و2016 كان له وقع الكارثة على مسيرته السياسية، لأنه أظهر أن البلاد قادرة على الاستمرار من دونه، سواء نحو الأفضل ، أم الأسوأ.

يقوم نصف العمل السياسي على تواجد الشخص ، حيث تجري الأحداث، أو تجنّب حدوثها حين لا يكون موجودًا. حاول الحريري أن يدفع بالأمور نحو الحدوث في العام 2016 حين اعتقد أن بإمكانه إبرام صفقة كبرى مع ميشال عون وحزب الله. وهكذا دعم ترشيح عون للرئاسة، واتخذ موقفًا مرنًا من حزب الله، وأعاد خلال رئاسته لمجلس الوزراء ، بناء شبكات المحسوبية التابعة له مع شركاء جدد. لكنه ارتكب بذلك خطأ كبيرًا على ثلاثة مستويات : أولًا، أثار نفور حلفائه الذين توجّسوا من انفتاحه على عون وصهره جبران باسيل. وثانيًا، قوّض صدقيته في صفوف أنصاره الذين شعروا بأن الدافع الأساسي وراء عودته إلى لبنان ، كان تسوية انتكاساته المالية. وثالثًا، أظهر لعون وحزب الله أنه يحتاج إليهما ، كي يبقى في السلطة، الأمر الذي استغلّاه مرارًا وتكرارًا للضغط عليه.

يركّز الحريري، منذ استقالته من رئاسة الوزراء في خضم الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2019 على تأمين بقائه السياسي. ظن أنه سيتمكّن بعد الاستقالة من تشكيل حكومة جديدة وفقًا لشروطه الخاصة، لكن القوات اللبنانية نسفت هذه الخطة ، معلنةً أنها لن تسمّيه لمنصب رئاسة الوزراء. وقد اعتُبِرت هذه الرسالة على نطاق واسع بأنها تعبيرٌ عن رفضٍ سعودي غير مباشر للحريري، نظرًا إلى العلاقة الوثيقة التي تجمع بين القوات اللبنانية ، والقيادة الراهنة في (الرياض).

قام الحريري بمحاولة ثانية، بدءًا من تشرين الأول/أكتوبر 2020، بعد أن فشل مصطفى (أديب) في تشكيل حكومة في سياق المبادرة الفرنسية. وقد راهن الحريري على أن حزب اللهسيقبل بشراكة سنّية-شيعية معه ، تشكّل أساسًا لتوافق جديد، واعتبر أن ذلك سيؤدّي إلى تقليص هامش المناورة المتاح أمام “عون وباسيل”، والسماح له بتشكيل حكومة يقبل في إطارها الرئيس و(صهره) بكل ما اتفق الحريري عليه مع حزب الله. ولكنه أخطأ التقدير حين خُيِّل إليه أن حزب الله ، سيفضّله على عون. ففي نظر الحزب، الاختيار بين السنّة والمسيحيين ، ليس معادلة صفرية.

لقد رفض عون تقديم تنازلات كانت لتمنح الحريري ربما درجة معينة من القبول السعودي، فكان ذلك مؤشرًا على النهاية. فقد عنى تعذّر التوصل إلى اتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلّف أنه يمكن الاستغناء عن الحريري. وهكذا نفدت خياراته، ولم يبقَ أمامه سوى الموافقة على تسلّم نجيب ميقاتي رئاسة الوزراء، ولو أن هدفه من ذلك كان فقط الحفاظ على صدقيته لدى الفرنسيين الذين يُقال إنه حاول تنفيذ خطتهم. وقد شكّل ذلك بداية أفوله. واعتُبر إغلاق صحيفة “دايلي ستار”، بغض النظر عما إذا كان ذلك مرتبطًا بحظوظ سعد السياسية أم لا، مؤشرًا رمزيًا في هذا الصدد. فمن خلال التوقف عن إصدار مطبوعة كان بإمكانها نقل وجهة نظر رئيس الوزراء السابق إلى جمهور غربي، ولا سيما إلى السفارات الأجنبية في بيروت، بدا وكأن الحريري يقرّ بانتفاء الحاجة إلى ذلك.

قد يبتهج خصوم الحريري في السياسة، خصوصًا عون وباسيل، من هذه التطورات. ولكن الإجهاز على الخصوم سياسيًا نادرًا ما يشكّل خطوة ذكية في إطار لعبة التوازنات الدائمة التي يفرضها النظام الطائفي اللبناني. فعدوّ اليوم هو حليف محتمل في المستقبل. وهل يستفيد الرئيس وصهره حقًا إذا بقيا من دون ندٍّ قوي في تعاملهما مع حزب الله؟ وهل يعتقدان جدّيًا أن المسيحيين وحدهم قادرون، من دون مساعدة السنّة، على التصدّي للحزب في حال تعارضت مصالحه، أو خياراته مع مصالحهم ،وخياراتهم؟

ربما ، يقرّر سعد الحريري في نهاية المطاف خوض الانتخابات، علمًا بأنه يأخذ في الحسبان أيضًا الاحتمال الكبير بعدم إجرائها. لكن أيًا يكن الاتجاه الذي سيميل إليه الحريري، من الواضح أن أمامه فترة طويلة من الأفول السياسي. قد لا تترتب عن ذلك التداعيات الأسوأ على لبنان، ولكن من غير المطمئِن أيضًا أن يشعر السنّة ، بأن قادتهم يُستبعَدون دون سواهم من المشهد السياسي اللبناني.

مايكل يونغ : محرر مدونة ‘ديوان’ ،و مدير تحرير في مركز كارنيغي للشرق الأوسط

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها