aren

هل نحن معنيون بدرس (كاترين غراهام ) الاعلامي … ؟!!! \\ بقلم : د. فؤاد شربجي
الثلاثاء - 13 - فبراير - 2018

 

يردد العالم هذه الايام ، اسم (كارتين غراهام ) ، باعتبارها مثالا ومسارا للاعلام القوي بمهنيته ، والقادر بتأثيره ، والشجاع بتبني مصلحة الامة .

(كاترين) غراهام ، مالكة صحيفة ال(واشنطن بوست ) ، وصاحبة القرار بنشر وثائق البنتاغون حول فيتنام ، والمسؤولة عن نشر فضيحة ” ووتر غيت ” . ورغم ان نشاط (غراهام ) ظهر في الثلث الاخير من القرن العشرين ، الا ان فيلم ” ذا بوست ” ، الذي اخرجه سبيلبيرغ ، وبدأ عرضه مؤخرا ، أرخ ل(كاترين ) وجعلها ايقونة الاعلام المهني والقادر والمؤثر ، والملتزم بقضايا ومصلحة أمته ، لا حكامه .

وفي تجربة (كاترين ) ، درس في الاعلام ، من المفيد لنا التعلم منه ، حتى لوكانت ظروفنا ، تمنع وتعيق ، التمثل بمثل هذه التجارب ؟! .

بعد وفاة زوجها ، وجدت كاترين نفسها مضطرة ، لادارة شركة ال”واشنطن بوست ” ، التي ورثتها عن والدها ، ورغم انها لم تكن مهيئة لمثل هذه المهمة ، ورغم ان كل من حولها ، شكك بامكانية نجاحها ، الا انها وجدت الحل وسر النجاح ، المتمثل بالفهم القائل : ( الجودة تؤدي الى الربح ) .

ولتحقيق الجودة الاعلامية ، لجأت الى توظيف المتميزين من الاعلاميين ، واختارت رئيسا للتحرير ، هو (بن ) برادلي ، صاحب العديد من جوائز “البوليتزر للصحافة ” . كجناح مكمل للمهنية الاعلامية لدى برادلي ، اختارت (كاترين) خبيرا اداريا ناجحا ، هو (ورن نفت ) ، وهكذا ضمت كاترين الجودة المهنية والادارية ، في انتاج جريدة تلبي متطلبات جمهورها الاعلامية . الاعتماد على صحفيين خبراء ومهنيين ، يوفر للجريدة امكانية الوصول الى الحقيقة ، اينما كانت ومهما كانت .

في هذا المجال ، تقول القصة : ان (بن ) برادلي ، لاحظ ان اهم كاتب في صحيفة ال( نيويورك تايمز) المنافسة ل(الواشنطن بوست ) ، هو الصحافي (شيهان ) ، الذي يكتب شيئا منذ ثلاثة أشهر . الامر الذي جعل (بن ) برادلي ، يشعر بان (شيهان ) يحضر لموضوع مهم ، فأرسل (بن ) من يتقصى الأمر ليعرف بماذا ينشغل منافسه ، ويتضح ان ال(نيويورك تايمز) ، حصلت على (اوراق البنتاغون ) .

وهي دراسة ، أعدها وزير الدفاع السابق (روبرت مكنمارا) ، حول حرب فيتنام ، خلاصتها ان تلك الحرب كانت (خاطئة ) ، وان رؤوساء امريكا على مدى ثلاثين عاما ، كذبوا على الشعب الامريكي ، وما ان نشرت ال(نيويورك تايمز) الجزء الاول من دراسة مكنمارا ، حتى تدخل البيت الابيض ومنع النشر.

في هذه الاثناء ، كان بن برادلي في ال(واشنطن بوست) ، يحث العاملين معه من الصحفيين ، على ضرورة الحصول على وثائق مكنمارا . وأخيرا ، استطاع أحد صحفيي ال(واشنطن بوست ) ، الوصول الى موظف في مؤسسة (راند) ، هو (دان ) الزبيرغ ، الذي كان يعمل مع مكنمارا ، وهو من سيقوم بتصوير الوثائق من النسخة المودعة ، لدى مؤسسة (راند) .

هكذا ، بواسطة اعلامي مهني ، حصلت ال(واشنطن بوست ) على الوثائق ، ولان القضاء حظر على ال(نيويورك تايمز) نشرها ، فكيف ستنشرها ال(واشنطن بوست ) ؟!. هنا تصبح (كاترين ) على المحك ، وعليها ان تقرر النشر من عدمه ، بينما (بن ) برادلي يصر على النشر ، لانه يعتقد انه ( لا شيء يحمي النشر ، الا النشر ذاته ) ، في حين الاداريون والماليون ، يعتبرون النشر سينهي ال(واشنطن بوست ) ، ويقود كاترين ، و(بن ) الى السجن .

وبتذكرها لمضمون وثيقة العمل الاعلامي ، الذي يعرف الصحيفة ، انها تنشر تقارير واخبارا متقنة في خدمة الامة ، وضمن حرية التعبير ، تجد (كاترين ) ان عليها النشر ، ولكنها تسأل (برادلي ) ، السؤال المفتاحي : ” هل يمكن للنشر ، ان يضر او يؤذي جندي امريكي ، أو خطة عسكرية ؟؟ ” .

وعندما يؤكد لها (برادلي ) ، انه لايمكن ان يحدث ذلك ، تقرر كاترين تحمل المسؤولية ، وتقرر النشر لمصلحة الامة ، وتحال القضية الى القضاء لتصل الى المحكمة الدستورية العليا ، حيث ” البيت الابيض” يدعي على الصحافة ، بانها نشرت معلومات تضر بالامن القومي .

لكن المحكمة العليا ، حكمت لصالح الصحافة والنشر ، وصوت القضاة بنسبة (6) الى (3) لصالح الاعلام ، وفي موجبات القرار ، قال القاضي : ” الآباء المؤسسون ، وفروا الحماية لحرية الصحافة في الديمقراطية ، كي تخدم المحكومين … ، لا الحاكمين “.

انها قضية الاعلام ، وهو يكشف كذب الرؤوساء وتوريط الامة الامريكية في حرب خاطئة ، وهي القضية التي تخدم الامة ، وتحقيق مصالح المحكومين ، وتحاسب الحاكمين ، والدرس الذي تقدمه (كاترين ) غراهام ، ان الاعلام القوي المؤثر القادر ، يحتاج الى كفاءات اعلامية ، تبحث عن الحقيقة ، وتصل اليها ، ثم تنشرها ، وهذه هي الجودة التي تشكل روح الاعلام القوي القادر ، وهي الجودة المهنية ، التي تنفذ الى الحقائق ، رغما عن الحاكمين ، والمانعين .

وسبيلبيرغ في عرضه لحكاية كاترين وال(واشنطن بوست ) ، بدأ بحدث منع نيكسون لصحيفة ال(واشنطن بوست ) ، من تغطية عرس ابنته ، لانها صحيفة انتقادية ، وسبق ان وصفت ابنة الرئيس ، بانها تشبه (قمع الآيس كريم ) ، وينتهي الفيلم بقرار نيكسون بمنع ال(واشنطن بوست ) من دخول البيت الابيض ، وتغطية نشاطات، ولكن الحكاية ، حكاية الاعلام القوي ،  التي ستكشف كيف استطاعت ال(واشنطن بوست ) ، تغطية عرس ابنة نيكسون ، رغما عنه – كما تبين الحكاية –

فبينما كان (نيكسون) يعطي تعليماته ، لمنع وصول صحفيي ال(واشنطن بوست ) الى البيت الابيض ، كان هناك شرطي يكشف عن سرقة وقعت في مكاتب اللجنة الوطنية الديمقراطية بمبنى (ووترغيت ) ، وهو الحدث ، الذي ستنشره صحيفة ال(واشنطن بوست ) ، حيث كانت تلك السرقة ، هي الفضيحة التي ستسقط نيكسون … فلا منع تغطية العرس نجح ، ولا منع دخول الصحفيين الى البيت (الابيض ) ، حمى الرئيس من الاعلام ، القادر على فضحه لمصلحة المحكومين ، ولصالح الامة .

ان حكاية (كاترين )غراهام ، تصلح لتكون درسا في الاعلام ، يؤكد على اهمية الكفاءة المهنية في انتاج اعلام ناجح ومؤثر ، كما انه درس يذكر ان واجب ومهمة الاعلام ، هو في خدمة المحكومين ومحاسبة الحاكمين ، والوصول الى الحقيقة ، ونشرها بمايخدم مصالح الامة .

اخيرا ، علينا ان لا ننسى ان السينما ، هي من كرس (كاترين ) ، وجعلها تشكل الرأي العام العالمي ، كشخصية شجاعة ، خبيرة ، بصيرة وصادقة ، في انتاج الاعلام مقابل كذب رؤوساء امريكا ، وآخرهم ترمب .

اننا معنيون بدرس (كاترين ) رغم كل المعيقات والاهواء ، التي تعيقنا عن انتاج اعلام وطني مهني وقوي ومؤثر ، يخدم الامة ويحقق مصالح الوطن . على الاقل ، هو درس يحفز على المحاولة ، علنا نتجاوز المعيقات والمعيقين ، خاصة واننا بحاجة لمثل هذا الاعلام المهني القوي والقادر على خدمة المصالح الوطنية ، بحق .

درس (غراهام ) ، يعنينا جدا ، لاعادة اعمار الاعلام ، ولاعماره على اسس الجودة ، لانها أساس الوطنية ، … وخدمة المصالح الوطنية .