aren

هل للشرق العربي من قائمة؟ \\ بقلم : الدكتور ” كمال خلف الطويل”
الإثنين - 29 - نوفمبر - 2021

للوهلة الأولى, فالعنوان قد جمع بين الاستفزاز والحياد والحَيرة بقصدٍ مقصود, فضلاً عن أن طرح السؤال جدّ موقوت . لماذا؟ ببساطة, لأننا وسط تحولات مهولة تضرب العالم بأسره, ولعلّها أشبه ما تكون بالشفق برزخاً بين العتمة والنور.

وأهمّ من تشريح كيف آل الشرق العربي إلى ما بدا ، وكأنه احتضاره ، هي محاولة فهم ماهيّة تأثره وتأثيره, الآن, نسبةً لإقليمه/حوضه, أم للعالم أبعد ؛ ثمّ تلمّس سبُل تغيير الموجود . أم تُراه قد طمس الفوات ، إمكانيته؟

بدءاً, فحصيلة كل ما تراكم من حوادث على مدار ثلثي قرن ، كانت انفجار وتشظّي الدولة القطرية/أو الوطنية, أو إصابتها بوهنٍ وخيم, إذ لم تجد – وما كان ممكناً لها أن تجد – تلك “الدوقيّات” أنفسها أو ضالتّها في حللها الجديدة, لكونها نتاج تناذر الهيمنة الغربية متعدد السمات ، وأول وأهم تلك السمات : التجزئة, ومعها فقدان الكيان الكبير الجامع،والسوق الكبير النافع.

نظرة طائر فوق أديم الشرق العربي, تحيط بمؤثراته الإقليمية والدولية, موصولةً بمحركات حوادثه المحلية, تفيد في التبيان :

لقد ساد ، وعمّ قول : ان الولايات المتحدة عزمت على الانسحاب من الشرق العربي ، وحوالَيه. عندي – وسبق لي أن كتبت- أنه قول خطِل ، فمن يدع غرب آسيا ، لن يكون بوسعه أن يواجه في شرقها. إذ الأولى موطّأ أوراسيا: موطن الصراع وجائزته, ناهيك أن أهم سبيلين للسيطرة على الشرق البعيد ، هما المضائق البحرية : ملقا في البال, والطاقة المشرقية : العربية والإيرانية ، أي أن قرار الطاقة في غرب آسيا, سياسات وتسعير وإنتاج, لا بدّ متأثرٌ بطقس واشنطن.

ثمّ, والأهم ، فغرب آسيا/شمال أفريقيا, أي العالم العربي, هو قلب العالم كله, براً وماءً وسماء, ولا مندوحة لواشنطن, تلواً, إلا أن تسعى لتكون لابثةً في حشاياه, بهذا السبيل أم ذاك. وبعلم ذلك, فإن الصفائح التكتونية لتلك الحشايا ، تميد الآن ، بحيث بات جسّها ، غير محتاجٍ لكثير عناء.

كيف تُراها التجليات؟ : في وهن منظومة الهيمنة الغربية.. ودواعيه لا تحتاج بعدُ شرحاً, بل رصداً واقتضاء. إن لبوث الولايات المتحدة في الشرق العربي, ولو بنسبٍ أقل عما صعدت إليه منذ عام 90, معناه اكتفاؤها به, أي اللبوث, وعزوفها عن خوض المواجهات المسلحة في حياضه, لعالي كلفتها, لا المادية فحسب، بل والسياسية والمعنوية وخلافه.

يتبدى هنا ، إذن غياب الرغبة في, أو حتى القدرة – بمعناها الشامل -, على الاشتباك وشنّ الحروب, وبالأحرى الاثنتان معاً. ولعمري ، ان ذلك بحد ذاته ، أمرٌ بالغ الأثر، كونه يتيح فرصاً هائلةً لمن يبتغي النفاذ من تلافيف الهيمنة إلى سطح الانعتاق منها. سيخطر للبعض ، تذكيرنا بجبروت العقوبات الأمريكية ، والحال أن قطاع البحوث الاستراتيجية ، ومرفق الإعلام الأمريكي ، هما أول من قسا مشهّراً بضعف – بل وانعدام – جدواها الاستراتيجي, سيما على المديين المتوسط والطويل.

وسيحلو لبعضٍ آخر ، رفع بطاقة روسيا والصين بالقول : وما بالكم تتحدثون عن الهيمنة الغربية ، وتتجاهلون نظيرتها الأوراسية, فهما سواء بسواء؟ والحال أن المقارنة بين منظومة هيمنةٍ, أورو- مركزية, عمرها ثلاثة قرون, منضافةٌ عليها ذروتها الأمريكية لثمانية عقود, وبين من لم يملك تجربة استعمارية : الصين عمراً، وروسيا لقرنين ونيّف, وتعرَّضا – وما فتئا – لهجمات منظومة الهيمنة, متعددة الأشكال : لثلاثة قرون على الصين, ولقرنين على روسيا ، ثم ؛ أنهما منزرعتان في ذات السديم المترامي من المتوسط إلى أعالي الهادئ, والذي ، هو: أوراسيا.

لنتذكّر، أن السلاح المقاتل الأمريكي ، هو الذي رعى حروب ليبيا وسوريا واليمن, وهو الذي, قبلاً, غزا العراق ثم أمعن في تخريبه, وهو الذي لطالما تعهّد إسرائيل بالحدب والإسناد ،كلّما حمى وطيس المقاومات عليها (مثال تعويض القبّة!). بغياب استعماله, ينفسح الطريق عريضاً أمام معادلاتٍ جديدةٍ وآفاقٍ رحيبةٍ لقوى الشرق العربي ، كي تجد لأنفسها مسارب وروافع ونواهض, إنْ ملكت إرادتَها فاعلةً غير هيّابة.

سيما ، والادعاء بعسرة حوزها, أي الارادة -صار بالقطع – غير مبرر ، هذه واحدة.

والثانية : أن ظروف الاقتصاد العالمي الراهنة , تتيح للشرق العربي ، فرصةً قد لا تتكرر في زمان منظور, هي تكرار سابقة سبعينيات/ثمانينيات العشرين, أي حيازة ثروةٍ مدرارة بفضل مواردها الطبيعية, والأحفورية منها بالذات.

صحيحٌ ، أن ذلك قد يطيل أمد سطوة نمط الرّيع معاشاً, لكن التوفّر على وفرة وفوراته- إن أُحسن تثميرها هذه المرّة – يفتح على الانزياح لاحقاً عنه إلى نمط الإنتاج معاشاً.

إن الفترة القادمة, من شهورٍ طويلة إلى ربما بضعة سنين قليلة, حافلةٌ بمجاعةٍ طاقيّة ، تضرب أوروبا وجنوب وشرق آسيا, بل وأمريكا (احتمالاً), وكفيلةٌ أن تدرّ على الدول المصدّرة للطاقة : عربيةً وإيرانيةً وروسية ، دخولا قياسية ، تضيف على قدرة الانعتاق ، قدرة .

والثالثة: أنه كلما وهن متروبول الهيمنة ، جزعت أطرافه لحينْ, ثم راحت تفتّش لأنفسها عن هوامش أوسع لحركتها, نسبةً لمتنْ المتروبول, يحيّد مفاعيل ذلك الجزع عليها, فرأيناها وقد راحت تسعى لترطيب خصوماتٍ, وعقد صلاتٍ, وبناء شراكات.

لنأخذ عيّنة: تستطيع السعودية, وهي تهمّ بالتصالح مع تركيا وإيران, أن تعود للعب دورٍ سبق وزاولته في فترات: 54-57, 59-61, 76-77, و94-2001. صحيحٌ أن ذلك اشترط توفّر حليف مصري أو سوري أو الاثنَين, وقتها, لكنّ مناخات التصالح

الإقليمية المتناسلة, سيما بين السعودية وإيران, تفسح الطريق لاستعادة وفاقٍ – ولو جزئي – بين السعودية وسوريا (لعلّه ينتظر تسويةً يمنية) ، يصلّب من عود الأولى ، ويعين في فطمها عن إدمان رهاب الواهن, و- وهنا مربط فرس – عن التوسّل بمخفره المتقّدم – إسرائيل – حامياً, فضلاً عن تسريع برء الثانية من وبال عشرية الدم.

والحال ، ان فضاء الشرق العربي ، معبأ بإشارات تعلّم البيت المالك السعودي من كيسه ، أن خيمة الحماية الأمريكية قد انكمشت, وما وقائع 14 أيلول/سبتمبر 2019, متبوعةً بسحب واشنطن كثيراً من معدات الحماية (مذّاك)، إلا برهاناً على امّحاء التعويل ، لا تخطئه عين. وأنه تحقَّق, تبعاً, من أن من لا يحميه أصل لا يعيضه عنه فرع. وعليه ارتياده آفاق صلات وثيقة مع القطبين الأوراسيَين, ناهيك بقربانفراج علاقته بجاره الايراني

والرابعة: أنه ها قد برهن لنا ” الربيع” كيف لا يستقيم أمر لبنان ولا الأردن بدون سوريا, مثلما الأخيرة بحاجتهما لشقّ طريقها نحو الخارج, إتّجاراً وتبادلاً ؛ وكيف أن العراق, ذو الميكرو- شاطئ, شبه مخنوق بدون منفذ “شامي” على المتوسط ؛ وكيف أن الخليج “الرسمي”, وقد لعب بالنار السورية واليمنية حتى ارتوى, ما بين 2012 و 2018 سورياً, و2015 ولتاريخه يمنياً, وجد لظاها وقد أحرق جنباته, سواءٌ قاعدةً وداعش أم حيثيون ومتشابهاتهم ؛ وكيف أن مصر بلا سوريا ، يتيمةٌ محبوسةٌ في خيمة داود, والفضل لذوي الفضل من نخبٍ تغريبيةٍ متنفذةٍ ، جثمت فوقها لقرابة نصف قرن. فحصيلة أتون تلك البلايا ، أن المخرج منه ماثلٌ في إزالة معيقات تجميع الأشطار, وإلا بات التحلّل، مصير كل شطر.

والخامسة: أن مخفر الهيمنة المتقدم ،اسرائيل، لم يعد بالشأو الذي بلغه بغزو لبنان ,شطرصيف 82 ، فمذّاك و”بتعُه” ، يتراجع, بالبوصات أولاً ثم بالأشبار وصولاً إلى الأمتار. لقد فقدت اسرائيل ، سيادتها الميدانية -لا تفوقها بعد -, وسطوتها الهجومية, ونكصت مضطرةً إلى تداول أحابيل “الراعي الواهن” من حصار وعقوبات وما شاكل (مثال غزة), وتَراها محكومةٌ بانسداد أفقٍ سياسو- مجتمعي ، ذاهبٌ بها إلى مزيدٍ من وهنٍ موصول, بأوانٍ مستطرقةٍ, مع وهن السيد الاكبر تأثرا وتأثيرا.

والسادسة: أن قطب الهيمنة الأكبر, الولايات المتحدة, يعاني – ومنذ لا أقلَ من دزينة أعوام – من عضالٍ أخطرُ من تزايد قوة منافسيه في الخارج بمرّات ضوئية, ألا وهو ، استحكام أزمة نظام الحكم فيه, من جهة, وانشراخ المجتمع الأمريكي, ثقافياً وقيَمياً وعرقياً وجهوياً وطبقياً ومعرفياً, بأخدودٍ انشقّ, تراكمياً, بين فسطاطين لم يعودا يجدا مشتركات تعايش, ناهيك بوفاق, من جهة أخرى. والحاصل هنا ، أن انشغال “القطب” بشواغل الداخل ميسر انعتاق لمن خارج .

والسابعة: أن من أهم تجليات المتغيّر الأمريكي، ارهاصات تخلي شرائح وازنة على مقلبي الاحتراب الداخلي -وكلٌ لأسبابه- عن الربيبة العضوية, إسرائيل, لجهة جدوى وظيفيتها، نسبةً لمخاطر توسعها واحتلالها, ها وقد صارت عبئاً أخلاقياً ومصالحياً وسياسياً عليهم. التعبير الأبلغ عن ذلك التحول، هو انقسام النخب اليهودية الأمريكية بين متشدد يضمُر, وعاقل يكبُر. ورغم أن نواميس التخلي لم تُستقلب بعدُ من قِبَل سدّة النخب المتنفذة ، لكن الطريق الى ذلك باتت شبه آمنة .

والثامنة : أن الجسم الاوروبي من منظومة الهيمنة في حالٍ من الهزال مستطير: ألمانيا ازورّت عن محاولة تسلّط أمريكية على قرار الطاقة عندها. بريطانيا انسلخت عن قارتها لصالح جزيريتها وتأطلسها, وها هي تخسر المشيتين. وفرنسا غرزت في وحل مهانةٍ أفريقية بلا حدود, وتصعّر خدّها بلطمةٍ أمريكيةٍ, على مقاس صغارها, في الباسيفيكي.اما الباقي منها ، ففرطُ عمْلة. ضف إلى ذلك تشقق منظومة الهيمنة،بعموم، مابين أمريكا وغرب أوربا, وما بين شرق أوربا وغربها.

والتاسعة : أن الأوبئة, واضطرابات المناخ, على سوءاتها المعممة على الخلّق أينما هم, إلا أنها, في جانبٍ منها, معيقٌ وازنٌ لقدرة منظومة الهيمنة على الفعل, أقلّه من باب الانشغال

والعاشرة : ان مواجهات رافضي الانصياع للهيمنة مع منظومتها ، باتت أكثر إمكاناً, نظراً لمتغيّرٍ وافدٍ على طبائع الصراع ، فحواه : أن التنظيمات المسلحة غير النظامية, أي الجيوش الميليشياوية, والتي مِلكُ يمينها, ترسانة من المسيرات المجنحة ، والصواريخ النقطوية ، صارت أمر اليوم.

والحادية عشرة : أن نتذكر دوماً -كما ديدن اسرائيل الهاجس- أن في الشرق العربي 150 مليون عربي, وإذا شملنا مصر ، صاروا 260 مليون عربي, من أصل 430 مليون في عموم العالم العربي. هذا ليس كمّاً فحسب – على أهميته – بل زاخرٌ بـ”النوع” أيضاً.

ليس في ما أشرتُ ترفٌ تنظيري, ولا عزفٌ على قيثارة التفاؤل والتشاؤم, بل هو عرضُ واقعٍ محشوٍ بالمتاح ؛ والآن: وهن المهيمن.غنى الشرق. قدرة “رسميته” على التخفف من وطأة أثقال الهيمنة, بمِثلِ تخفف أصحابها من أثقال الاشتباك في الشرق ، وتحلّيهم بتواضع الواهن.

البديهي ، الذي يستحق طرقاً للأسماع أن الشرق العربي, دون كيانٍ كبيرٍ يلمّ أطرافه, وسوقٍ كبير يؤاصر جوانحه, لن تقوم له قائمة. (وتوضيحاً, فلا يحتاج الكيان الكبير أن يُدستَر هيكلاً فدرالياً أو حتى كونفدرالي, ففي “كومنولث” كفاية) هذا من جهة, ومن جهة أخرى, فكل مقومات أن تقوم للشرق العربي قائمة, العضوية منها ، أم المؤثِّرة من خارج, هي الآن عنده ، وبين يديه. تحّول ذلك إلى فعل إرادة ، هو فعل ضرورة, لا عند شعوب الشرق العربي فحسب, بل ولدى حكامها أيضاً, وإنْ بالاضطرار.

أقول, لم يطمس الفوات ، فرصة قيامة.

نص مداخلة الدكتور “كمال خلف الطويل” في ندوة “مركز الحوار العربي” – الجمعة 22/10/2021-

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها