aren

هل العراق “آخر” آلام الأمة ؟.. على أبواب مخاض جديد \\ بقلم : محمد شريف الجيوسي
الخميس - 30 - أغسطس - 2018

 

العراق

مثلما كانت معاهدة كامب ديفيد ، بداية كسر ( تابو ) التحريم المعلن والرفض المطلق واستحالة التعامل وطنيا وقوميا وإيمانيا مع الكيان الصهيوني ، كان توريط العراق وإيران في حرب ضروس لا مبرر لها ؛ ثم توريط العراق في دخول الكويت في عملية لم يكن مستعداً لها ، فكانت المدخل لحصاره بذريعة انه يهدد أمن جيرانه ، ثم ذريعة إمتلاكه لأسلحة دمار شامل؛ ما كانت لتتوفر له القدرة على إمتلاكها في أعقاب حربين ، وحصار دولي خانق.

وكان مطلوبا في ظل مناخ سياسي مناسب ـ تمثل باختلال ميزان القوى العالمي جراء إنهيار الكتلة الإشتراكية والإتحاد السوفييتي وخروج مصر من معادلة الصراع مع  الكيان الصهيوني – إبتلاع المنطقة العربية ابتداء بالعراق باحتلاله سنة 2003 ، وكان ذلك مقدمة الاختلاف العربي الشامل وضياع التضامن العربي ولو بحده الأدنى ، متجلياً بقبول سلطة بريمر المندوب السامي الأمريكي على العراق ، والتخلي عنه ( أي عن العراق ) .

وحيث أن السياسة والمجتمعات ، كما الطبيعة لا تقبل الفراغ، كان لا بد من أن يكون هناك من يغطيه ،فكانت إيران جاهزة للقيام بهذا الدور ، الذي لم يكن مخططا له .

تبع ذلك ، شن اكثر من حرب ( إسرائيلية ) على المقاومتين اللبنانية والفلسطينية ، وبناء الجدار العازل وتكثيف الإستيطان الصهيوني ، وتمكين حماس من الإنقلاب على سلطة قبلت أن تكون جزءاً منها ؛ لتتدثر بها ، فيبدو إنقلابها شرعياً ، ثم لتنقلب فيما بعد على محتضنتها سورية ، فيبدو خروجها ، كانما هو خروج الشرعية الفلسطينية “مرغمة” من سورية ، ولتبدو مشاركة بعض إرهابيها في القتال ،إلى جاتب العصابات الإرهابية ضد سورية ، بمثابة نزع للصفة اللصيقة بدمشق ، بأنها الحامية والداعمة والمحتضنة للمقاومة ، واستبدالها  ظلماً بتهمة ( النظام الذي يقتل شعبه).

وبالتزامن مع احتلال العراق ، وقيام سلطة بريمر – المعترف بها من جامعة عربية – أشبه بـ ” الجائحة ” ، بدأ التحرش الأمريكي بسورية ، فقدم كولن باول شروط بلاده الـ 8 (والتي رفضتها دمشق جملة وتفصيلاً ) ، وكان من بينها  طرد الفصائل الفلسطينية المتواجدة على الأرض السورية ، ووقف أي مساندة للمقاومة العراقية في وجه الإحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، وعملت واشنطن على جعل الخطة السورية الممنهجة للخروج من لبنان ، كانها مرغمة على ذلك .

بعد كل ذلك ، جاء دور الفوضى الخلاقة ، و”مشروع الشرق أوسط الجديد ” وما أسمي (الربيع العربي ) .. تجاوزاً ، فكان الاتفاق الامريكي الإخوني على أن يركبوا ، ويشعلوا ثورات مبرمجة لا تتجاوز قضايا مطلبية وحريات شكلية ، لا ترتقي إلى معانٍ استراتيجية كـ الوحدة والتحرير والإشتراكية، ولا ترفض النفوذ الغربي الأمريكي في المنطقة العربية ، ولا تتطرق للإحتلال الصهيوني الإحلالي الاستعماري لفلسطين.

بل وتحولت بالصراع العربي الصهيوني ، إلى صراع أسموه (عربي فارسي وسني شيعي) ، وجرى استغلال ذلك أبشع استغلال في المشرق العربي بخاصة .

الآن ، وقد فشلت الثورة المضادة في البلدان العربية التي أشعلت فيها، وتتوجه هذه البلدان للتعافي ، فإنهم يحاولون مجدداً فتح جبهة إيران باعتبارها صاحبة النفوذ القوي في العراق  ، والظهير القوي لسورية ( مع روسيا ) وظهير المقاومة اللبنانية وبعض الفلسطينية.

حيث بدأت أمريكا بفرض حصارٍ جديد ، وتحشيد سياسي وعسكري ضدها ، ومحاولات إنشاء ( نيتو عربي يحمل بذور فشل ذريع ) ، وهو الأمر الذي يتسبب الان بأزمة إقتصادية خانقة في إيران والعراق معاً .

الطبقة الحاكمة في العراق ، باتت عبئا على إيران وعلى الشعب العراقي ، بما هي عليه من فساد ظاهر ، وتذبذب سياسي وغيره ، ولا يبدو انها مؤهلة لإصلاح ذاتها ، او انها تتوفر على قدرة لتجاوز أزمتها لضخامة العفن والفساد المتورطة فيه ، ولإستهدافها من تركيا الطامعة في الشمال ، ومن مطامع الأكراد المتنامية ، والسعودية في الجنوب ، ومن يقيم هناك من بقايا العهد السابق، فضلا عن الخلايا النائمة من بقايا داعش،وما تدبر واشنطن من دواعي العودة مجددا للعراق.

وربما لإنشغال إيران في ملفات أخرى ، وهي الملفات التي تحاول أمريكا وحلفائها من الغربيين والرجعيين إدامتها أطول فترة ممكنة، بحيث تنشغل إيران بها عن دورها في العراق، جراء الحصار ولإضعاف دورها فيه ، وللحيلولة دون المساهمة في إصلاح اختلالاته البنيوية ، او وقف التعامل مع عهد سابق على أسس ثأرية انتقامية ، ومحاولة الإستفادة من ذاك العهد والمصالحة معه ، بدلاً من تركه فريسة استثمار رجعي مذهبي بشع ، وربما تحول الزمن ، ما لم تتم المصالحات إلى أعمال إنتقام ، مقابل أن تعيد أمجاد حرب داحس والغبراء  .

ومن هنا ، يبدو أن العراق ليس مقبلاً على التهدئة السريعة موضوعياً ، ويرجح انه سيدخل في إنتفاضة ، وربما فوضى ممتدة زمنيا .. قد تعصف بالتركيبة الحاكمة كليا ، وبالفساد المعشعش فيه ، وبالنفوذ الخارجي بخاصة الأمريكي.

وقد تكون روسيا وسورية ، مؤهلتين أكثر من غيرهما ، لدور مهم في العراق ، بحكم اعتبارات كثيرة (بعد أن تكون دمشق قد خرجت من أزمتها ) وستلحق بهما الصين، وقد تلعب روسيا دورا واسعا في تحقيق مصالحات محلية واسعة ، ومن المستبعد انهاء الوجود الإيراني ولا ينبغي ذلك موضوعيا لاعتبارات مفهومة  على أن يتصاحب ذلك مع المصالحات .

السؤال ، هل سيكون العراق بعد سنوات أخرى من المخاض الأليم ، نهاية آلام الأمة ، بعد ان كان البداية ؟

وهي البداية التي تخللتها عقد اتفاقيتي (وادي عربة ) و (اوسلو)، بالتزامن من تجريده من عناصر قوته وحصار سورية المتمثل بقرار معاقبتها ؛ الذي اتخذه الكونغرس الأمريكي ؛ عندما رفضت تلبية الإشتراطات الأمريكية .

سيتعافى العراق بعد مخاضات عسيرة ، وسيسانده بعض أمته ك(الجزائر وتونس ولبنان وعُمان وأيضا سورية ).. واليمن وليبيا بعد تعافيهما..، اضافة لمن ذكرنا من دول صديقة ك (إيران وروسيا والصين).

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها