aren

هل أعدنا تشكيل سياسة الشرق الأوسط أم بدأنا في تقليدها؟ \\ كتابة : توماس فريدمان
الخميس - 16 - سبتمبر - 2021

التجدد – ترجمة خاصة \ مكتب بيروت

في يوم من الأيام، بعد 1000 عام من الآن، عندما يدرسون هذه الحقبة، سيتساءل علماء الآثار بالتأكيد كيف أن قوة عظمى ، تسمى أمريكا شرعت في عملية لجعل الشرق الأوسط يشبهها – من حيث تبنى التعددية وسيادة القانون – وانتهى بها الأمر بدلاً من ذلك في أن تصبح أكثر شبهاً بالشرق الأوسط، في تقليد أسوأ العادات القبلية، وإدخال مستوى جديد كلياً من الفوضى وغياب القانون، في سياساتها الوطنية.

قد يطلق الشرق أوسطيين على قبائلهم الكبيرة اسم «الشيعة» و «السُنّة»، وقد يطلق الأمريكيون على قبائلهم اسم «الديمقراطيين» و «الجمهوريين»، لكن يبدو أن القبائل تعمل في كلتا الحالتين بشكل متزايد بعقلية «من ليس معنا فهو ضدنا»، وإن كان ذلك في مستويات مختلفة.

تسارعت القبلية الجمهورية المتطرفة إلى حد كبير لتصبح تحت سيطرة قاعدة من المسيحيين البيض إلى حد كبير، الذين يخشون أن يتآكل تفوقهم الذي طال أمده في هيكل السلطة الأمريكية بسبب التغيير السريع للأعراف الاجتماعية، وتوسيع نطاق الهجرة والعولمة، مما يجعلهم يشعرون بأنهم غرباء في وطنهم. لذلك، تمسّكوا بـ(دونالد ترمب)، الذي عبّر عن أشد مخاوفهم وعن تصعيد سعي اليمين لحكم الأقلية.

وهذا لا يعني فقط دفع التلاعب المعتاد في الدوائر الانتخابية، ولكن أيضاً الترويج لنظريات المؤامرة حول انتخابات 2020، وإقرار قوانين قمع الناخبين الأكثر صرامة واستبدال منظمي التصويت في الولاية المحايدين بقرصنة قبلية جاهزة لخرق القواعد واعتناق الفلسفة الأساسية التي تهيمن على السياسة القبلية في أفغانستان والعالم العربي: «الآخر» هو العدو، وليس مواطناً، والخياران الوحيدان المتاحان، هما : «الحكم أو الموت»، أو «إما أن نحكم أو ننزع شرعية النتائج».

تفكير جماعي

وسيلاحظ علماء الآثار أيضاً أن الديمقراطيين أظهروا نوعاً من الهوس القبلي الخاص بهم، مثل التفكير الجماعي القوي للتقدميين في الجامعات الأمريكية في القرن الحادي والعشرين. وعلى وجه الخصوص كان هناك دليل على إسكات أو طرد من الحرم الجامعي لأصحاب وجهات نظر غير ملتزمة أو محافظة بشأن السياسة أو العرق أو الجنس أو الهوية الجنسية. ولكن ما الذي أدى إلى التحول من التعددية التقليدية إلى القبلية الشرسة في الولايات المتحدة والعديد من الديمقراطيات الأخرى؟.

إجابتي المختصرة: لقد أصبح الحفاظ على الديمقراطية اليوم أكثر صعوبة، حيث تعمل الشبكات الاجتماعية باستمرار على استقطاب الناس في ظل العولمة والتغير المناخي والحرب على الإرهاب واتساع فجوات الدخل والابتكارات التكنولوجية السريعة وجائحة كورونا.

يجد الآن أكثر من عدد قليل من القادة المنتخبين ديمقراطياً في جميع أنحاء العالم أنه من الأسهل بكثير بناء الدعم من خلال المناشدات القبلية التي تركز على الهوية بدلاً من القيام بالعمل الشاق المتمثل في بناء التحالفات والتسوية في المجتمعات التعددية في وقت معقد.

عندما يحدث ذلك، يتحول كل شيء إلى علامة هوية قبلية ، ارتداء الكمامات في الجائحة، لقاحات كوفيد والتغير المناخي. موقفك من كل نقطة يمثّل تحديًا للآخرين: هل أنت من قبيلتي أم لا؟ لذلك هناك تركيز أقل على الصالح العام، وفي النهاية لا توجد أرضية مشتركة للتركيز على القيام بأشياء كبيرة صعبة.

مستقبل الديموقراطية

ومن المفارقات، أنه لا مؤسسة في الحياة الأمريكية ، عملت بجد أكثر لتحصين أمريكا من فيروس القبلية هذا، مع إثراء وتمثيل أخلاقيات التعددية، من الجيش الذي تعرض أكثر من غيره، لمتغير الشرق الأوسط لأكثر من 20 سنه. لا يعني ذلك أن بعض أفراد الجيش لم يرتكب تجاوزات في تلك الحرب أو لم يتعرض لصدمة بسبب تجاوزات أعدائهم. كلاهما حدث. لكنهم لم يسمحوا لها بتغيير هويتهم وطبيعتهم الأساسية.

رأيت هذا مراراً وتكراراً في رحلات إلى العراق وأفغانستان. لقد قفز مستوى التنوع في كل الوحدات العسكرية الأمريكية التي صادفتها هناك.

الشعب الأمريكي لديه تنوع الجيش نفسه، لكن أخلاقيات التعددية والعمل الجماعي التي أظهرها جنودنا يقلل من الانقسامات القبلية داخل القوات المسلحة.

القيادة الأخلاقية القائمة على مبادئ التعددية هي أمور مهمة. هذا هو السبب في أن جيشنا هو آخر حامل كبير للتعددية في وقت يختار فيه المزيد من السياسيين المدنيين القبلية الرخيصة.

لقد أصيبت الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم بفيروس القبلية في أسوأ الأوقات، حيث يجب على جميع المجتمعات والدول، التكيف مع تسارع التغير في التكنولوجيا والعولمة والمناخ. ولا يمكن أن يتم ذلك بشكل فعال إلا من خلال التعاون بين الحكومات، وليس من خلال شعارات مثل«إما أن أحكم أو أموت» أو «إما طريقي أو الطريق السريع».

نحن بحاجة إلى إيجاد الترياق لهذه القبلية بسرعة، وإلا فإن مستقبل الديموقراطية ، سيكون قاتماً في كل مكان.

https://www.nytimes.com/2021/09/14/opinion/america-democracy-middle-east-tribalism.html