aren

نقاش مستمر مع قطب معارض : كل البدائل متاحة من أجل سورية\\ بقلم: د.فؤاد شربجي
الخميس - 17 - مايو - 2018

 

هل عاد زمن الحتميات ؟ لا أظن أبدا أن المقالة المعبرة عن موقف (حزب الارادة والتغيير ) ، التي كتبها الاستاذ (مهند دليقان) ، والتي عنوانها ب(لا بديل عن 2254 بالضبط لانه تصور عام ) ، يراد بها ، تكريس حتمية ما .

رغم أن شحنة العبارة (لا بديل عن … ) ، تحمل بشكل ما معنى (الحتمية ) ، واعتقد أن كاتب المقال المحترم ، وجريدة قاسيون ، وحزبها ، ومنصة موسكو ، ليس لديها من مقدس ، الا انقاذ سورية ، وانهاء الحرب فيها ، والعمل على الارتقاء السياسي الشامل فيها .

ولذلك ، فانني أظن أن قاسيون ودليقان ، يوافقاني اذا جعلت عنوان مقالتي (كل البدائل متاحة ، لان سورية تستحق ) ، وليس من مقدس لا 2254 ولا سواه ، والمقدس (استعادة سورية لعافيتها ودورها الحضاري ).

في ظني أن السياسة في الاصل تقوم على مفهوم البدائل ، وما العمل السياسي – كما أظن- الا البحث عن البدائل الانجع لحل مسألة ما ، لذلك فان الحل السياسي ، يجعلنا نبحث عن البدائل ، الاكثر تحقيقا للحل .

وفي موضوعنا ، ربما يكون البحث عن تفسير مناسب للقرار 2254 ، هو البديل الانجع للحل السياسي ، وهذا ما يصب ضمن استبعاد التفسير ، الذي أصاب المعارضة (معظمها) بحمى (كرسي الحكم ) ، الامر الذي جعل طريق التفاوض يفضي الى نهاية مسدودة ، أو يوهم بسراب لا يوصل الى نتيجة ، رغم امتلأه بمحطات للردح الاعلامي من قبل جميع الاطراف ، وهو فعل مسكّر ، ووهم يخدع القائمين به ، بانه مفاوضات ، أو تعبير عن مفاوضات .

ان تأييد منصة موسكو ، لما طرحنا حول ان القرار (2254) ، ليس الا (تصور عام) ، يوحي ويهدي بالمعنى المدني للحل ، الذي يتفق عليه بين وفدي الحكومة والمعارضة ، وان مقالة السيد دليقان ، وهو عضو وفد المعارضة الى جنيف ، وأحد المعبرين عن حزب الارادة والتغيير ، الذي يتزعمه الدكتور قدري جميل ، الذي يمثل منصة موسكو ، وماجاء في هذه المقالة من اعتقاد صريح وواضح لفكرة ، او لحقيقة ان القرار 2254 (تصور عام) ، هو موقف سياسي عملي واقعي عقلاني ، يسعى لانجاز طريق للحل ، ويوصل الى نتائج عملية في تحقيق انقاذ سورية ، وانهاء ازمتها واستعادة عافيتها السياسية للممارسة دورها الحضاري .

هذا الاعتقاد لحقيقة ان القرار 2254 ، هو مجرد (تصور عام) من قبل منصة موسكو ، او من طرف المعبرين عنها ، هو تقدم في موقف المعارضة باتجاه الحل السياسي ، خاصة وأن معظم المعارضة (ان لم يكن كلها ) دأبت منذ صدور القرار 2254 ، على التعامل معه ، باعتباره (أجندة عملية لنقل الحكم اليها ) ، ودائما سمعنا المعبرين عن هذه المعارضة ، بأن هذا القرر ، هو (مجموعة بنود واجبة التنفيذ)، وكثيرون اعتبروه (قرارا مقدسا) ، يتضمن تشكيل (حكم لا طائفي) ، أو (هيئة حكم انتقالي) بصلاحيات تنفيذية كاملة .

وهكذا ، فان الانتقال من قدسية القرار 2254 وبنوده واجبة التنفيذ وخطة نقل الحكم والصلاحيات ، الى حقيقة انه مجرد (تصور عام) ، يفسح المجال لحوار سوري – سوري ، ينتج ويبدع الحل السياسي المناسب ، والممكن ، القادر على الارتقاء بارادة الدولة السورية بشكل شامل .

وبالارتكاز على كل ذلك ، أعتقد أن أهم التحديات التي تواجه جميع اطراف العملية السياسية ، هو تحديد مواقف واضحة وعملية ، تساعد على تقدم الحل ، مواقف تتعلق بالقضايا التالية :

1– كيف ستفكر المعارضة في التعاطي مع مخرجات سوتشي ؟ وهل سيسعى الحريصون على الحل السياسي من المعارضة ، بالعمل للوصول الى (فهم سوري مشترك) حول هذه المخرجات ، وخاصة مايتعلق بموضوع (اللجنة الدستورية) وتشكيلها ، بشكل يعكس التمثيل الحقيقي لميزان القوى .

وعرفت ان د.قدي جميل ، أبلغ الايرانيين قبوله ، بان تكون حصة الحكومة في اللجنة الدستورية الثلثين ، على ان يكون اتخاذ القرارت فيها باغلبية 75% ، وهذا الامر يمكن أن يشجع على نقاش مثمر ، ولكن هل تتخذ بقية المعارضة ، مثل هذا الموقف ؟!

2– كيف ستتعامل المعارضة في التعاطي مع الوجود الاجنبي العسكري على الارض السورية ؟ وأين تضع المعارضة سيطرة القوى الاجنبية على بعض المناطق في اولويات الحل السياسي ؟ وما هو طرحها للتعاطي مع هذه القضية ومعالجتها ، خاصة انها تنتهك وحدة وسيادة وكرامة سورية ، كما ان الوجود الامريكي في شرق الفرات ، و وجود القوات التركية في محافظة ادلب ، والوجود الامريكي – الاسرائيلي في الجنوب ، لايؤدي للتقسيم فقط ، بل يؤجل أي حل سياسي ، ان لم يكن قائما على رؤية وطنية ، تضع أولوية معالجة هذا التواجد من الدول ( الأمريكية – الاسرائيلية – التركية ) … ، فكيف ستتعامل المعارضة مع هذه التهديدات؟

3- في زمن (اعادة رسم خرائط الاقليم) ، كيف سترتب المعارضة أولوياتها ؟ وهل يمكن أن تغض المعارضة نظرها عن أهمية بقاء (سورية موحدة وقوية ) ، كأولوية تتقدم على جميع الاولويات ؟ وهل يجوز ان يفوت المعارضة البديهية ، بأن (بناء سورية موحدة وقوية ) ، هو الاساس ، للارتقاء السياسي الشامل ؟

وأن نوايا الدول العدوة تجاه سورية ، يهدد وحدتها ، ويبعثر قوتها ، ويشتت شعبها ، ضمن مساعيها لاعادة رسم خرائط المنطقة والاقليم ، وهذا تحد للسوريين جميعا ، وللقوى السياسية السورية جميعها ، فكيف ستتعامل المعارضة مع هذا التحدي ، وهي تدفع باتجاه الحل السياسي؟

4– كيف ستتعامل المعارضة ، مع تدشين (امريكا واسرائيل وتركيا ) لاستخدام القوة العسكرية والقصف الجوي وغيره ، في التهيئة والتحضير لرسم خرائط على حساب سورية ؟ ما موقف المعارضة من الاعمال العسكرية (الامريكية والاسرائيلية والتركية ) ، التي بدأت تظهر بوقاحة ، كعنصر من عناصر استكمال تدمير سورية ، بهدف اسقاط الدولة ، وتقسيمها في سياق رسم خرائط المنطقة ؟

أليس هذا العقل العسكري الاجنبي ، ذو الاهداف السياسية الاستراتيجية ، تهديدا يطال الوجود السوري ؟ وكيف ستتعامل معه المعارضة في اطار الحل السياسي ؟ علما أن منصة موسكو ممثلة بحزب الارادة والتغيير ، ادانت مثل هذه الاعتداءات ، وكذلك فان تيار قمح ، له موقف تجاه هذه الاعمال يصب في المصلحة الوطنية ، ولكن معظم المعارضة ، نراها شامتة بالبلد ، كلما تعرض لاعتداء !!!

5– بعد التطورات الميدانية الواسعة ، التي أتاحت للدولة استعادة الكثير من المناطق ، وانهاء وجود الفصائل المسلحة فيها ، ومارافق هذه التطورات من رجحان كفة ميزان القوى السياسية لصالح الحكومة ، كل ذلك جعل أطراف المعارضة ، تستشعر الازمة التي أصابت قوتها ، وأضعفت تأثيرها .

بعد كل هذه التطورات ، نلاحظ أن أطراف معارضة تحاول ان تعيد تموضعها ، وتجرب أن تجدد تحالفاتها ، لتشكيل كتل جديدة ، او كيانات مستجدة ، وسؤالنا :

على أي أساس ستسعى قوى المعارضة الوطنية ان تقيم تحالفتها ؟ هل ستستمر بالمطالبة بكرسي الحكم ، والتنحي ؟ أم هل ستعمل على انتاج موقف – حد أدنى – يتجاوب مع التهديدات والتحديات ، التي يتعرض لها الوجود السوري من تقسيم، أو اعادة رسم خرائط ؟ ، وهل ستنتبه المعارضة الى التطورات الجديدة على الارض ، والى دخول الدول الاجنبية الى ارضنا ؟ هل سيتواضع نجوم المعارضة ، ويلتفتوا الى الداخل ومعارضة الداخل ، التي بمقدورها ، لعب دور فاعل في حماية سورية ، وفي نوعية الحل السياسي الوطني؟

في النهاية ، نحن نناقش مسائل الحل السياسي ، ونحترم كل طرح يصب باتجاه استعادة سورية لعافيتها ، واستئناف دورها الحضاري ، ونحن كمثقفين سوريين ، نقدر تجاوب منصة موسكو مع طرحنا ، بان القرار 2254 (مجرد تصور عام) ، ورغم أننا لسنا أكثر من مثقفين نحرص على مستقبل بلدنا .

الا أننا نتمنى من جميع أطراف المعارضة ، أن تشارك في استعادة سورية لعافيتها باستكمال النصر على الارهاب بحل سياسي ، يعيد الفيزيولوجية السورية الى نشاطها وانتاجيتها بشكل طبيعي ، ويفسح المجال للارتقاء السياسي الكامل بمشاركة الجميع .

ولان سورية لا بديل لها ، ولانها هي الوطن المقدس ، فان جميع البدائل متاحة ، لخلق وابداع كل المبادرات ، التي تعيد لوطننا عافيته ، ومعناه .