aren

نظرية الشرق الأوسط الجديد … بثوب جديد … بقلم: د.ميشال حنا
الثلاثاء - 28 - فبراير - 2017

الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما بأفكاره المثالية ، وتميزه عن اٍسلافه بالتفكير والتخطيط ، أراد أن يهذب الرؤية المتعلقة بالشرق الأوسط الجديد ، فطالما لا بد من شرق أوسط جديد ، كما أراد مخططو الاستراتيجية، فليكن شرق أوسط جديد بثوب جديد ، ومختلف نوعا ما .

بحيث يمكن تقبله من المجتمعات الدولية ، التي رفضت الطرح السابق للشرق الاوسط الجديد ، القاضي بتفتيت دول الى دويلات، باستخدام القوة المسلحة ، وخلافا لرغبات شعوبها، ودون مراعاة لمقتضيات القوانين الدولية ، من وجوب اجراء استفتاءات حرة ونزيهة ، قبل اجراء تغيير جوهري  في شكل ، وبناء تلك الدول.

وخرج الرئيس اوباما عندئذ بنظرية فيها لمسة من المثالية – في ظاهر الأمر على الأقل- وهي مساعدة شعب ما ، يرزح تحت حكم شعب آخر يخالفه في الاثنية ، العرقية أو الطائفية ، أو أي اختلاف آخر جوهري…

أن يساعده على تحقيق استقلاله وحكم نفسه بنفسه ، ولكنه تطبيقا لهذه الرؤية التي قد تكون مثالية، لم يبادر لمساعدة مسلمي “الروهينجا” في ميانمار (بورما سابقا) المضطهدين من قبل البورميين وحكومتهم …

كما لم يسع في نطاق ما يمكن تسميته “شمال افريقيا جديد”، لمد يد العون لآمازيغ شمال افريقيا المسمون أيضا ب(البربر) ، والذين يقدر عددهم بين 25 الى 50 مليون امازيغي، ربما يتوق بعضهم لمجرد حكم ذاتي على الأقل ، كنقطة انطلاق….

اذ ، بدأ الشروع في تنفيذ رؤيته المثالية الراغبة بمساعدة شعب ما ، في منطقة الشرق الأوسط الجديد ، حيث تنطبق عليه هذه المواصفات، وذلك بتقديم الدعم له ومساعدته في التحرر والوصول الى الاستقلال، مما يضفي على مشروع الشرق الأوسط الجديد، رؤية أخرى ، هي بمثابة شرق أوسط جديد ، لكن بثوب جديد.

وقد اختير الشعب الكردي، ليكون بالون الاختبار في الشروع بتنفيذ هذا المشروع ، الذي يفترض به أنه يتصف بالمثالية، ويتناسق مع مبادىء حقوق الانسان ، وحق تقرير المصير لشعب ما .

 السيناريو الممهد للتنفيذ…

            بعد عامين من الدراسة والتطوير، أخذت تظهر مع بدايات عام 2011 ، من اللا مجهول وبدون مقدمات ، معالم أجواء جديدة في المنطقة ، بدأت بثورة الياسمين في تونس مع بدايات الشهر الأول من ذاك العام ، وسرعان ما تبعها قبل نهاية ذاك الشهر، في 25 يناير \ كانون الثاني ، ثورة مشابهة في مصر، لتتبعها بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع في (17 شباط) ، ثورة ثالثة مشابهة في ليبيا ، ومن ثم في سوريا ، التي بدت كآخر (ثورات) الربيع العربي، ولكن تأكد لاحقا، بأنها هي المستهدفة الفعلية من موجات الربيع العربي المفاجئة.

وتبع ذلك ، (ثورة) خامسة في اليمن ، بدت أقل أهمية من غيرها ، كل ذلك في فترة زمنية قصيرة، فكأننا ، كنا بصدد متابعة مسلسل من فصول عدة ، تتوالى وقائعه سريعة ، أمام أعيننا.

وهنا لا بد من تسجيل ملاحظتين :

أولهما ، أن ثورات الربيع العربي ، لم تطل أيا من دول الخليج، أو أيا من دول عربية أخرى في شمال أفريقيا كالجزائر والمغرب العربي وموريتانيا والسودان وجيبوتي والصومال (رغم وجود نشاط ارهابي فيها ، لكن لم يبلغ حد الثورة الشاملة) وجزر القمر.

وثانيهما ، أن ثورتي (تونس ومصر) سرعان ما همدتا ، مع حصول بعض الاضطراب الطفيف فيهما بين مرحلة وأخرى.

أما الثورة في ليبيا، فقد شهدت بعد سقوط القذافي – ولم تزل – مرحلة من الاضطراب ، وعدم الاستقرار، لكنها لم تبلغ مرحلة الحرب (الأهلية) الشاملة ، كتلك التي شاهدناها تنمو في سوريا بسرعة البرق ، وتنتشر سريعا كانتشار النار في الهشيم.

ثم تنتقل الى العراق ايضا ، التي لم تشملها ثورات الربيع العربي، لكنها كانت منذ الغزو ، ولم تزل تواجه اضطرابات متفرقة، الا أنها اضطرابات لم تبلغ مرحلة الحرب الأهلية (الا في الثلاث السنوات السابقة، خلال العقد السابق، حيث نشبت خلال مرحلة الغزو الأميركي للعراق ، حربا أهلية بين السنة والشيعة استمرت ثلاث سنوات)…

كل ذلك ، خلافا لما بات الحال عليه في سوريا ، التي واجهت وضعا متميزا بين (ثورات) الربيع العربي الخمس ، حيث تحول الى حرب أهلية دامية ، حتى اليمن، رغم تواجد مظاهرات عارمة فيها مطالبة بالتغيير ووقوع بعض الضحايا أحيانا، فانها لم تصل الى مرحلة الحرب الفعلية ، الا قبل عام ونصف العام ، مع انطلاقة ما سمي ب(عاصفة الحزم) ، وكانت حربا أهلية بظاهرها فحسب، اذ رافقها تدخل خارجي ، معلن ومكشوف.

أما سوريا، فهي دون الدول الخمس (باتت ستة لاحقا) ، التي هبت عليها رياح الربيع العربي ، فقد شهدت حربا (أهلية) تمتد لعام بعد عام ، ووقودها تسليح من الخارج، ومقاتلون أغراب ، جاؤوا عبر الحدود التركية المفتوحة، من أقصى بلدان العالم الى اقصاه.

وكان من بين القادمين للمشاركة في القتال ضد الدولة السورية القائمة ، مقاتلون ينتمون لحزب (دولة العراق الاسلامية) ، المنتمي لتنظيم القاعدة، وذلك لمؤازرة رفاقهم في تنظيم القاعدة السوري المسمى ب(جبهة النصرة).

ولكن مع بدايات عام 2013 ، دب الخلاف بين أميري التنظيمين، ففك أبو بكر البغدادي، أمير دولة العراق الاسلامية ارتباطه بأبو محمد الجولاني أمير جبهة النصرة، وانفرد بالعمل مستقلا  في سوريا تحت اسم “داعش”.

وكان ذلك ، هو الفصل الثاني من فصول السيناريو (بعد فصل الربيع العربي) ، الساعي لاشاعة الاضطراب في المنطقة، وتنمية ما يسمونه بالفوضى الخلاقة ، التي في عتمتها ، تنمو ، تزدهر ، وتنفذ المؤامرات.

ف(داعش) ، التي كانت أصغر الفصائل المقاتلة في سوريا، نمت فجأة  بسرعة البرق ، وأصبحت أقوى الفصائل المسلحة قاطبة ، فسيطرت على مدينة الرقة ومواقع أخرى في شمال سوريا ، بما فيها بعض آبار النفط.

وكان ذلك ، هو المشهد الثاني في تطورات الفوضى الخلاقة سريعة الانتشار، حيث كانت ثورات الربيع العربي ، هي المشهد الأول منها ، وسرعان ما دخلت العملية ، المشهد الثالث في شهر حزيران (يونيو) 2014، عندما زحف مقاتلو الدولة الاسلامية في العراق ، الذين كانت لهم قواعد في (الحبانية) في محافظة الأنبار، ليتوجهوا شمالا بموكب كبير، وفي وضح النهار، وتحت عيون وبصر طائرات الاستكشاف الأميركية واقمارها الصناعية، ويسيطروا على ثلاث محافظات عراقية ، بعضها غني بالنفط ، ومساحتها تشكل ثلث مساحة كامل القطر العراقي.

وهنا ، أعلنت (الخلافة) الاسلامية ، واعتبرت مدينة الموصل، ثاني اكبر مدينة عراقية، عاصمة للخلافة ، وشكل ذلك التطور الأكبر في دراما مجريات الأحداث في كل من سوريا والعراق ، الذي أصابه الآن ، المس الذي اصاب الدول العربية الخمسة الأخرى .

أما الدول الأخرى من دول الربيع العربي ، فقد سادها منذ عام 2013 ، وربما قبل ذلك، هدوء شبه تام في كل من تونس ومصر، ونوع من الهدوء القلق والمضطرب في ليبيا واليمن، خلافا للوضع في سوريا ، ولاحقا بالعراق.

وكان السبب الواضح لبقاء هاتين الدولتين مشتعلتين ، بل وتزداد اشتعالا يوما بعد يوم ، كونهما يضمان اقليمين كرديين ، أحدهما كردستان العراق ، الذي كرسه الغزو الأميركي عام 2003 ، اقليما ذي حكم ذاتي، ويسعى الآن ناشطا وعلنا ، لتكريس نفسه دولة مستقلة ، استقلالا تاما.

وثانيهما ، مناطق الاكراد في الحسكة والقامشلي ، وغيرهما من مناطق الشمال السوري ، التي في خضم الفوضى الخلاقة في سوريا، باتت لها ادارتها الذاتية ، وقوات حمايتها الكردية ، بل وجيش سوريا الديمقراطية بغالبيته الكردية.

فالأكراد ، هو الشعب الذي اختار الرئيس أوباما ، أن يشمله برعايته (كما اختار الله في الماضي فلسطين لتكون أرض الميعاد لليهود على حد قولهم)، وأن يقدم له الحماية ، ويدرب رجاله ونساءه عسكريا، ويعزز قدراته التسليحية الى حد تشكيل جيش خاص بهم ، ذوغالبية كردية.

فلا أكراد في ليبيا او في تونس او مصر او اليمن، ولذا لم تكن ثمة حاجة لابقاء أيا من هذه الدول ملتهبا ، وللأسباب ذاتها لم تشتعل ثورات الربيع العربي في دول الخليج، أو في الدول العربية الأفريقية ، فالفوضى الخلاقة في تلك الدول، ليست خلاقة وليست مفيدة لمشروع الشرق الأوسط الجديد  بثوبه الجديد.

وتدريجيا ، بدأت تتضح الصورة ، فالمناطق التي مسها الربيع العربي، عادت تدريجيا الى الهدوء باستثناء سوريا والعراق ، والسبب في ذلك ان الدول الأخرى سواء تونس او مصر أو ليبيا أو حتى اليمن، (رغم وجود حرب في الأخيرة لكنها حرب ليست داخلية صرفة، ففيها أصابع مشاركة دول أخرى)، ليس لها علاقة بالمخطط الذي يستهدف تحقيق شرق أوسط جديد  بثوب جديد، ممثلا بدولة كردية مستقلة تقتطع من أراضي أربع دول هي : ( العراق وسوريا وايران وتركيا) ..

حكاية (وطن) للأكراد … حكاية طويلة

ومع انتشار ارهاب الدولة الاسلامية، وتضافر الفوضى الخلاقة معها على شاكلة الحرب الأهلية في سوريا ، وشبه الأهلية في العراق، اقتربت كثيرا قضية كردستان العراق من الانتهاء ، والتخرج دولة مستقلة .

بينما أخذت مسألة كردستان سوريا ، تقترب تدريجيا من بلوغ خط النهاية ، ولو بهيئة (حكم ذاتي) فحسب ابتداء،رغم بقاء عقبات صادرة عن اعتراضات تركية متخوفة من مؤازرة الكيان الكردي للمتردين الأكراد ( بي كيه كيه ) في جنوب شرق تركيا.

حيث تشتعل ثورة كردية كانت مرشحة ، لأن تشكل المرحلة الثالثة في عملية تكوين الدولة الكردية، لكنها وضعت الآن في مرحلة الانتظار، شغفا من الرئيس ترامب ، الكاره لمنجزات اوباما ، الا واحدا ، وهو الانجاز الكردي وخصوصا الجانب منه المتعلق بايران، والذي بات الآن كما يبدو متعجلا للشروع به.

فالرئيس ترامب ، الرافض لتوقيع اوباما على الاتفاقية النووية مع ايران (اتفاقية خمسة زائد واحد)، لكن العاجز عن فعل شيء ازاءها ، نظرا لأنها اتفاقية دولية ، متعددة الجوانب والأطراف ، والمتعاطف مع رغبة صديقه نتنياهو ، المتخوف من (الخطر) الايراني ، والراغب في استئصاله ، وهو الخطر ، الذي تتخوف منه أيضا بعض الدول (العربية) ، والذي بات تخوفها المشترك من ايران ، يقربها من اسرائيل (على حساب القضية الفلسطينية) ، شاءت أم أبت ، أدركت أم لم تدرك….

بات يجد في مسألة أكراد ايران ، الشرارة المستحبة لاطلاق الفوضى الخلاقة في الجمهورية الاسلامية، أسوة بالفوضى الخلاقة السائدة في سوريا ، والعراق.

ففي ظلال هذه الفوضى الخلاقة ، اذا نجح ترامب في اطلاقها، ستصبح الفرص متاحة لافشال اتفاقية خمسة زائد واحد، بل أيضا لارضاء وتطمين المخاوف الاسرائيلية ، ومخاوف بعض الدول العربية أيضا.

اضافة الى تقديم نفسه، وهو الرئيس الذي بات معروفا بتسرعه في اتخاذ القرارات، وعدم تحري عواقبها بدقة ، بأنه أيضا جنرال عسكري بارع ، اضافة الى كونه تاجرا، رجل أعمال، ثم رئيسا بالصدفة .

ولكن مخاطر فتح الجبهة الايرانية ، قد تنطوي على مخاطر لا يمكن التنبوء بعواقبها، أدناها تحالف مع روسيا ، التي لن ترغب بتواجد أميركي على الحدود الايرانية القريبة جدا من الحدود الروسية، اضافة الى اشتراك الدولتين في حدود بحرية عبر بحر قزوين ، الفاصل بين ايران وروسيا ودول اخرى في المنطقة.

فروسيا ، تشكو أصلا من التواجد الاميركي في دول اوروبا ، وخصوصا دول اوروبا الشرقية القريبة من روسيا، وبالتالي فان فتح الجبهة الايرانية تحت شعار تحرير اكرادها، قد يقود الى تفاعلات لها بداية وليس لها نهاية .

تماما كما حدث في سوريا، ولكن بشكل أوسع وأخطر نظرا لأهمية ايران الاستراتيجية، لا بالنسبة للصراع العربي الاسرائيلي فحسب ، كما هو الوضع في سوريا، بل لمستقبل الحرب والسلم وتوازناته في العالم.

ومن هنا ، يأمل المراقبون أن يفكر الرئيس ترامب طويلا، وألا يرتجل قرارته في القضايا الحساسة والمصيرية على مستقبل السلم العالمي ، فالحروب النووية قضية غير مستحبة على الاطلاق، واذا هوجمت ايران، ولو عبر أكرادها، قد يفلت الحابل من النابل، وقد تضطر ايران عندئذ في معرض الدفاع عن النفس، لانتاج قنبلتها النووية ، التي ستبدل موازين القوى في المنطقة.

آمل ألا يعتقد أحد بأنني ضد حصول الأكراد على (حقوقهم) ، أنا فقط أعترض على السعي او القبول بتحقيقها ، كهدية من الولايات المتحدة ، التي تضع على عاتقهم التزامات بالولاء للأميركيين ولمصالحهم، خصوصا المتعلقة بحماية أمن اسرائيل.

وكم أتمنى ، أن يتم حصولهم على الاستقلال بالتوافق والتراضي بينهم ، وبين دول المنطقة دون تدخل أميركي ، ليبقوا محافظين على حقوق الجيرة والعيش المشترك لسنوات طويلة بينهم وبين جيرانهم (العرب والايرانيين والأتراك).

مستشار في المركز الأوروبي العربي لمكافحة الارهاب – برلين

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها