aren

«نصف مليون» مَوْقوف.. أو تجليَّات الديمقراطِية التُركِية \\ كتابة : د. محمد خروب
الأربعاء - 13 - مارس - 2019

 

«قبل يومين.. كشفَ وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، عن رقم صادِم يتحدَّث عن اكثر من نصف مليون مواطن تركي (511 ألفاً) تمّ إيقافهم منذ المحاولة الانقلابية الفاشِلة التي وقعت في الخامس عشر من تموز2016، مُعترفاً في الوقت نفسه باعتقال أكثر من «30» ألفاً منهم, لافتاً إلى أنه تم طرد «30518» موظفاً «فقط» من وزارة الداخلية التي يقودها.

أرقامٌ مُفزعة ما تزال تفرض نفسها في الفضاء التركي الشعبي والقضائي والاستخباري والإعلامِيّ رغم اقتراب الذكرى الثالثة لهذا الحدث «اللغز»، الذي ما يزال معظم أسراره قيد الخفاء, وخصوصاً اعتبار الداعية فتح الله غولن المتهم الرئيس الذي يقِف خلف هذه المحاولة كما تُصِرّ أنقرة على القول، رغم ان معطيات عديدة تؤكِّد ان مَن قاموا بها ليسوا سوى مجموعة من السُذّج والمغامِرين، وربما حرَّكَتهُم جهات وأجهزة داخِلية أرادت تصفية حساباتِها معهم والتخلّص من حركة ذات امتدادات مُتشعبة ونفوذ مُتزايد بهدف قطع الطريق عليها, وخصوصا انها «تُنازِع» حزب العدالة والتنمية.. الشُهرَة والنفوذ وكانت أسهمَت بشكل فاعل, في إيصاله الى الحكم لاول مرة في العام 2002 بعد اقل من عام واحِد على اشهاره (حزيران2001). إثر الانشقاق الذي قاده اردوغان وعبدالله غل وآخرون تمرّدوا على مُعلِمهِم, الذي تعرّض لتسلّط العسكَر وعَسفِ السلطة القضائية المُتحالِفة معهم, بما هو أبرز رموز تيار الإسلام السياسي التركي… نجم الدين أربكان.

نقصِد هنا جماعة الخِدمَة (او «حِزْمِت».. بالتركية) وزعيمها فتح الله غولن، أو «الأُستاذ» كما يُطلق عليه انصاره، والذي كان اردوغان نفسه من مُريديه، او لنقل يتودّد اليه ويسأله الدعم, كون اتباع غولن أصحاب تجربة ناجحة في التعاطي الجماهيري ويتوَسَّلون أساليب ومُقاربات جاذِبة ومُستقطِبة, لجمهور واسع من رجال الاعمال والنقابيين والإعلاميين والطلبة, عبر سلسلة من المدارس والمؤسسات التعليمية التي تنتهج اساليب «مُبتكرَة» ذات أبعاد سلوكية بطابع ديني والتزام أخلاقي, تكاد تقترِب في انضباطها وتعليماتها الى الانضباط العسكري. ما أسهَم ضمن امور اخرى في تماسِكها وتغلغُلها في أوساط ومؤسسات حكومية وخاصة.. عديدة، لم تكن غائبة عن عيون جماعة اردوغان وحزبه الجديد، الذي قفز الى السلطة فجأة وواصَلَ خطب ودّ غولن وسؤاله الدعم والمساندة في الانتخابات البرلمانية والمحلية «البلدية», وبخاصة في الاوساط النقابية والاعلامية واخرى ذات النفوذ في القضاء، الى ان تمكّن(اردوغان) من السلطة وأمسك بزمامها,

ثم اغتنم الفرصة غير المسبوقة التي وفّرَتها له المحاولة الانقلابية الفاشِلة (اقرأ الغامضة) في تموز 2016، للانقضاض على الجماعة واجتثاثها ومطارَدة كل من هو على صِلَة.. قريبة أو بعيدة بالحركة وأعضائها ومريديها، ولم تتوقّف حتى اللحظة عملية «صيد الساحرات» التي تواصِلها اجهزته الاستخبارية وسفاراته في الخارِج, للاستيلاء على مدارس وجامعات الحركة في الخارج, بعد تصفيتها في الداخل والتنكيل بأتباعها وحتى اولئك الذين يَرون خطابها مُنسجِما مع قناعاتِهم, دون ان ينخرطوا في صفوفها أو يلتزموها كأعضاء دائمين.

لهذا ايضا… تجنّب وزير الداخلية التركي, الذي اورد هذا الرقم المخيف عن عدد الذين «أُوْقِفوا» والذي زاد على نصف مليون موقوف، ذِكر أعداد «الضحايا» الذين تم طردهم من وظائفهم, مِن وزارات وأجهِزة حكومية اخرى غير وزارة الداخلية التي يرأسها، ما يرفع الأعداد الى عتبة المليون وربما يتجاوزها, ناهيك عن المكانِة الذهبِية بل الماسِيّة (..) التي سجّلَتها تركيا لنفسها, بكونِها الدولة «الاولى» في العالم التي تحتجِز أكبر عدد من الصحافيين خلف القضبان. ما وضعَها في بؤرة انتقادات المُنظمات والهيئات الحقوقِية وتلك النقابات المدافِعة عن الصحافيين والإِعلامِيّين.

ليس ثمة محاولة «انقلابية» فاشلة في التاريخ الحديث, حَظِيت بهذا الكَمّ العددي من المُطاردين والموقوفين, والحملات المُستمِرة من الملاحقات والاعتقالات لموقوفين ومشتبَهاً بهم على النحو الذي تم ويتم في تركيا الآن، وبخاصة في ظل بطء المُحاكمات وغياب الشفافية ودائما في إبقاء الأدلّة قيد السِرِيّة، وخصوصا في تواصُل عمليات الطرد من الوظيفة, التي تجاوزت العسكريين الى الأكاديميين ومُصادرة وإغلاق محطّات تلفزيونية وصحافَة مطبوعة ومواقِع إلكترونية، ومُطالبات لا تنتهي لواشنطن بتسليم فتح الله غولن المُقيم على اراضيها, حيث لا يمكن استبعاد إقدام إدارة ترمب على تسليمه, رغبة من الأخيرة في «جَذب» أنقرة الى صفها، بعد ان نجح اردوغان في اللعب على التوتر المُتصاعِد في علاقات موسكو بواشنطن.

في الخُلاصة.. ثمة أكثر من نصف مليون أُوقِفوا ومئات الآلاف طُرِدوا من وظائفِهم ومثلهم لُوحِقوا, إضافة الى عشرات آلاف المُعتقَلين.. ويُقال مع ذلك أن هناك نِظاماً ديمقراطياً قائماً.

“الرأي” الأردنية