aren

” نحو إزالة الأوهام حول فكر ماركس” – بقلم : الدكتور أشرف منصور
الإثنين - 4 - يونيو - 2018

 

ماركس

 

\ التحرير \

ينضم موقع ” التجدد الاخباري” ، للمحتفين بمولد منظر الفكر الاشتراكى ” كارل ماركس” ، و الذي أسس نهجا أصبح يحمل اسمه “الماركسية” .

ففي هذه الأيام ، اكتمل (200 ) سنة على ولادة ” كارل ماركس ” – الخامس من أيار (مايو) 1818- أنه صاحب التأثير التاريخي غير مشكوك فيه ، لكنه يظهر بصور معقدة ، أكثر مما حتى مؤيديه ومعارضيه مستعدون احيانا ، للاعتراف بها.

ويسجل علماء الفكر وفلاسفة المنطق ، أن ماركس (حقا) غير العالم – الثقافي وليس فقط السياسي – أكثر من أي مفكر حديث آخر ، ولكن لأنه كان مخلصا للمسار الديالكتيكي للتاريخ، ربما لم يتفاجأ (هو) ، من أن قسما من التغييرات التي أحدثها ، كان مختلفا عن الذي توقعه .

إن هناك فكرة رئيسية أصبحت واضحة مع الصخب العظيم ، الذي واكب تلك الذكرى ، وهو : أن “ماركس لا يزال مهما ، كان ما تعتقده بشأنه”… لذلك على قادة العالم ضرورة أن يقرأوا كتاباته.

هنا ..

يقدم د. أشرف منصور -المتخصص في الدراسات الماركسية– قراءة في فكر “كارل ماركس” لمناسبة الذكرى 200 على ولادته.

مقدمة :

لا يزال فكر ماركس ملهماً للعديد من المفكرين والتيارات السياسية، على الرغم من كل الهجوم والدعاية المضادة. وكي تتضح لنا دلالة فكر ماركس بالنسبة للقرن الحادي والعشرين، يجب علينا في البداية إزالة بعض الأوهام العالقة في الأذهان حول فكره، أي تلك التصورات والآراء والاعتقادات الخاطئة التي علقت بمتلقي فكره ونظرياته منذ أواخر القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين وحتى الآن.

هذه الأوهام تدور أولاً حول الفهم الخاطئ لفكر ماركس، وثانياً حول الاعتقاد الزائف القائل إن الماركسية فشلت عملياً بعد أن انهارت الأنظمة الاشتراكية في أوائل التسعينيات. ومهمتنا في هذا المقال هي تصحيح ذلك الفهم الخاطئ والاعتقاد الزائف.

وأفضل طريقة لتنفيذ هذه المهمة هي بإثبات أن ماركس لم يكن مسئولاً، لا عما سُمي بالماركسية ولا عن الأنظمة الاقتصادية والسياسية التي ربطت نفسها باسمه؛ وتوضيح أن دراسة ماركس للاقتصاد الرأسمالي لا تزال صالحة على الرغم من التغيرات التي حدثت للرأسمالية منذ وفاة ماركس وحتى الآن.

إذ نريد وضع أيدينا على تلك الأفكار والنظريات والتحليلات التي قدمها ماركس والتي لا تزال تحمل قوة تفسيرية عالية تستطيع إفهامنا طبيعة النظام الرأسمالي الحالي.

أولاً – الوهم القائل إن الماركسية ، فشلت :

وهذا هو الوهم الناتج عن سقوط الاتحاد السوفييتي والأنظمة الاشتراكية في شرق أوروبا وبعض بلدان العالم الثالث. وقد ساهم في ترويج هذا الوهم كثير من الكتاب الناقدين للماركسية شرقاً وغرباً(1)؛ وهو نوع من الأثر التابع للحرب الباردة.

فقد سيطر مناخ الحرب الباردة على عقول ملايين من الناس حتى أنهم ظلوا معادين للأنظمة الاشتراكية وما تمثله من أيديولوجيا حتى بعد سقوط هذه الأنظمة نفسها. والحقيقة أن القول بفشل الماركسية نتيجة لفشل تطبيقها العملي يبدو في ظاهره أنه يستند على معيار استنه ماركس نفسه للحكم على صحة أي نظرية.

فقد أصر ماركس دائماً على أن الواقع هو المحك الوحيد للحكم على نظرية ما بالصواب أو الخطأ, وقد ذهب كثير من نقاد الماركسية إلى أنه باستخدام نفسه هذا المعيار فإن الماركسية تعد فاشلة، نظراً لفشلها في التطبيق العملي.

ونود أن نلفت الانتباه إلى عدد من الثغرات في الحجة السابقة حول فشل الماركسية. أول ثغرة هي أن الحجة تتحدث عن “الماركسية”؛ لكن فكر ماركس نفسه بعيد تماماً عما يسمى بالماركسية كما أوضحنا في مقدمة الدراسة. وثاني ثغرة هي أنها تفترض أن الأنظمة الاشتراكية كانت هي التطبيق الفعلي للماركسية ولأفكار ماركس. لكن هذا الافتراض خاطئ أيضاً؛ لأن العمل الأساسي لماركس هو دراسة نقدية للنظام الرأسمالي، وهو لم يضع أبداً وصفة اشتراكية أو طريقة لبناء اقتصاد اشتراكي. وكل فكرته عن الاشتراكية أنها نظام طوعي إرادي يقيمه القائمون المباشرون على العملية الإنتاجية، الذين يملكون وسائل الإنتاج ملكة مشتركة.

أما الاشتراكيات التي طبقت بالفعل فهي أبعد ما تكون عن هذا التصور، فقد كانت اشتراكيات سلطوية مفروضة من أعلى، أي أنظمة في الاقتصاد المركزي المخطط من قبل الدولة، والتي تخضع سياسياً لحزب حاكم واحد منفرد بالسلطة ؛ ولم يكن للمنتجين المباشرين أي دور في توجيه عملية الإنتاج أو تنظيمها في هذه النظم، إذ القرارات الإنتاجية كلها كانت مركزية ، كما كانت إدارة عملية التراكم والقرارات الاستثمارية في يد البيروقراطية الحاكمة. لقد كانت هذه الأنظمة “رأسمالية دولة” ولم تكن أبداً اشتراكية بالمعنى الذي قصده ماركس.

وبدلاً من طرح ذلك التساؤل الساذج “هل الماركسية فشلت؟” يجب أن نطرح أسئلة أخرى، أكثر منطقية ومعقولية، وهي: هل نجح ماركس في دراسة الرأسمالية أم لم ينجح؟ هل استطاع أن يضع يده على الطبيعة الجوهرية للنظام الرأسمالي أم أنه اكتفى بدراسة مظاهره السطحية؟ هل استطاع أن يضع يده على الخصائص الثابتة للرأسمالية التي صمدت في وجه التغيرات التاريخية التي مر بها هذا النظام وظلت باقية حتى الآن، أم أن الرأسمالية التي درسها قد عفى عليها الزمان مما يقدح في صحة نظرياته؟ هل لا تزال أفكاره ملهمة لنا وموجهة لفهم الرأسمالية المعاصرة، أم أنها تقادمت وفات أوانها؟ وعندما نتمكن من الإجابة عن كل هذه التساؤلات سوف يتضح لنا أن ماركس لا يزال معاصراً لنا.

ثانياً – الوهم القائل إن فكر ماركس لم يعد يناسب عصر التكنولوجيا:

درج العديد من نقاد الماركسية على القول بأن الرأسمالية التي درسها ماركس كانت هي الشكل القديم لها والذي كان سائداً في القرن التاسع عشر، وقد تجاوزنه الرأسمالية المعاصرة (2) . ويستند هذا النقد على حقيقة أن الإنتاج في عصر ماركس كان يُشغِّل عمالة صناعية كثيفة ، معتمداً على الآلة البخارية ؛ وقد تضاءل إسهام العمل الصناعي في الإنتاج خلال القرن العشرين، وظهرت وسائل إنتاج عديدة لم يكن يعرفها ماركس ؛ إذ ظهرت آلة الاحتراق الداخلي وتزايد استخدام الآلات الكهربائية وتزايد دور التكنولوجيا بحيث أصبحت عملية الإنتاج مؤتمتة بالكامل  Automatized، وصار العمل البشري أقل أهمية ؛ إذ يستطيع عامل واحد فقط توجيه آلة أوتوماتيكية عملاقة عن طريق لوحة مفاتيح متحكمة في دوائر كهربائية تسيطر على حركة الآلة، أو عن طريق شاشة تحكم متصلة بالكومبيوتر الذي يوجه بدوره الآلة الأوتوماتيكية.

وجاء عدد من المفكرين الداعين إلى نهاية عصر الأيديولوجيا – وهم يقصدون بها الأيديولوجيا الماركسية وكل الأيديولوجيات الاشتراكية الأخرى – وعلى رأسهم دانيال بل وريمون آرون (3) ، بحجة تقول إن الصراع الطبقي قد انتهى، نظراً لأن إسهام العمال الصناعيين في العملية الإنتاجية قد تضائل نتيجة لتطور التكنولوجيا ؛ فأصبح النظام الصناعي يوظف أعداداً أقل من العمال ، لأن التكنولوجيا أحدثت إنتاجية عالية بتوظيف عمالة قليلة.

وحكم هؤلاء بذلك على الماركسية بأنها قد فات أوانها، نظراً لأنها كانت تنظِّر للعمل الصناعي الكثيف وللعمالة الواسعة التي لم تعد موجودة الآن بفضل التكنولوجيا. وقد أخذوا يستعينون بالإحصائيات التي توضح تناقص أعداد العمالة الصناعية بالنسبة لمجمل القوة العاملة وتزايد أعداد من يعملون في الوظائف الخدمية والمكتبية؛ أي وظائف الطبقة الوسطى. وهم يضيفون أيضاً أنه لا يمكن الحديث الآن عن العمال باعتبارهم المنتجين المباشرين للقيمة أو للقيمة الزائدة (4) ، لأن الكنولوجيا هي التي تقوم بذلك الآن.

لكن الحقيقة أن ماركس كان واعياً بكل هذه الظواهر التي كانت قد بدأت تتشكل في عصره؛ بل إن حلول الإنتاج الآلي محل العمالة الكثيفة كان في مركز اهتمامه، وقدم تحليلات بارعة له في مخطوطه الشهير “معالم نقد الاقتصاد السياسي”، والمشتهر تحت اسم “المعالم” Grundrisse . (5) يقول ماركس في “المعالم” :

إن تطور وسائل العمل إلى الآلة ليس لحظة مصادفة لرأس المال، بل هو بالأحرى إعادة التشكيل التاريخية لوسائل العمل التقليدية وتحويلها إلى شكل مناسب لرأس المال” (6) ؛ وهو يقصد أن رأس المال ينزع دائماً نحو الإقلال من إسهام العمل البشري في العملية الإنتاجية، لأن العمل البشري هو النقيض الحي لرأس المال؛ وبالتالي فإن التطور التكنولوجي هو الحل الذي يلجأ إليه رأس المال، بأن يجعل الإنتاج أكثر آلية، وذلك كي يقضي على مشكلة التناقض بينه وبين العمل؛ فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكنه من التخلص من مواجهة العمال لأسلوب الإنتاج الرأسمالي.

وفي موضع آخر من “المعالم” يقول ماركس: “تظهر عملية الإنتاج كلها على أنها غير خاضعة للمهارة المباشرة للعامل،  وعلى أنها التطبيق التكنولوجي للعلم. وهذا هو بالتالي اتجاه رأس المال لأن يعطي للإنتاج الطابع العلمي، ويتم اختزال العمل المباشر إلى لحظة في سياق هذه العملية… وقد توقف العمل الفردي عن أن يظهر باعتباره منتجاً”(7 ).

يرصد ماركس بدقة الآثار المترتبة على التطور التكنولوجي لوسائل الإنتاج، فهذا التطور في تحليله يؤدي إلى انتهاء العمل الفردي عن أن يكون منتجاً ومسهماً في القيمة، وظهور العمل الاجتماعي على أنه القوة الإنتاجية الأساسية والمباشرة؛ ذلك لأن التكنولوجيا ليست إلا التعبير الموضوعي عن هذا العمل الاجتماعي الذي يتضمن في داخله تطبيقاً للعلم والمعرفة على العملية الإنتاجية. والعلم والمعرفة التقنية في نظر ماركس هما ثمار التطور الجمعي للإنسانية كلها.

فبدلاً من أن ينظر ماركس إلى التكنولوجيا على أنها تنهي إسهام العمال في الإنتاج، ينظر إليها على أنها تزيد من الطابع الاجتماعي لعملية الإنتاج، لأن العلم والمعرفة التقنية قد تم التحصل عليهما اجتماعياً وفي سياق التطور الاجتماعي للإنسانية.

وهذا ما يثبته قول ماركس: “إن تطور رأس المال الثابت” أي تطوره في اتجاه المزيد من الأتمتة والتطبيق المباشر للعلم على الإنتاج ، “يشير إلى أي درجة أصبحت المعرفة الاجتماعية العامة قوة إنتاج مباشرة، وإلى أي درجة أصبحت عندها شروط عملية الحياة الاجتماعية ذاتها خاضعة لسيطرة الذهن العام General Intellect…  وإلى أي درجة أصبحت قوى الإنتاج الاجتماعية منتجة، ليس فقط في شكل المعرفة، بل أيضاً باعتبارها الأعضاء المباشرة للمارسة الاجتماعية، لعملية الحياة الواقعية”(8 ). يشير ماركس بذلك إلى كيفية تحول المعرفة المتحصلة اجتماعياً إلى قوة إنتاج مباشرة بتوسط التكنولوجيا. لا مجال بعد ذلك للاعتراض على ماركس بحجة أنه لم يكن يعرف في عصره الدور الأساسي لتكنولوجيا الإنتاج. فهو كما رأينا كان على وعي تام بهذا الدور وحلله بدقة.

أما عن الدور الجديد للعمل البشري في ظل الإنتاج التكنولوجي فيقول ماركس: “لا يعد العمل يظهر على أنه متضمن في العملية الإنتاجية؛ فبدلاً من ذلك يصبح الكائن البشري متصلاً بالعملية الإنتاجية باعتباره مراقباً ومنظماً… ويتنحى العامل بجانب العملية الإنتاجية بدلاً من أن يكون المؤدي الأساسي للنشاط الإنتاجي [الذي تصبح الآلة هي القائمة به].

وفي هذا التحول لا يظل العمل الإنساني المباشر الذي يؤديه العامل بنفسه، ولا الوقتالذي يستغرقه في العمل، حجر الأساس الأكبر للإنتاج والثروة، بل بالأحرى تطبيقه لكل قواه الإنتاجية العامة”، لا قواه الحركية فقط باعتباره عاملاً تقليدياً، “أي فهمه للطبيعة وسيادته عليها بفضل حضوره باعتباره جسداً اجتماعياً، أي في كلمة واحدة، تطور الفرد الاجتماعي(9 ).

لم يكن ماركس يفهم قوة العمل البشري على أنها قوة عضلية أو حركية وحسب، بل كان يفهمها بأوسع من ذلك بكثير، إذ هي تشمل عنده العلم والتكنولوجيا.

استطاع ماركس إذن رصد ظاهرة حلول التكنولوجيا محل العمل اليدوي والعمل الصناعي التقليدي (المانيفاتورة). لكن هذا الدور الجديد للتكنولوجيا لم يكن يعني لديه أبداًاختفاء العمل البشري من العملية الإنتاجية ولا انتهاءه عن الإسهام في الإنتاج وفي خلق القيمة، لأن التكنولوجيا في نظر ماركس هي نتاج العمل البشري نفسه، نتاج ما يسميه “الذهن العام”( 10)، الذي هو عقل البشرية الكلي المبدع للعلم والمطور للتكنولوجيا. في عصر الإنتاج التكنولوجي تتحول قوة العمل إلى أن تكون قوة المعرفة البشرية.

لكن المشكلة هي أن هذه القوة يحتكرها رأس المال ويضمها إلى ذاته بحيث يظهر على أنه هو خالق التكنولوجيا، ويظهر الوهم الزائف بأن القوة الإنتاجية هي قوة رأس المال، وأن التكنولوجيا تأتي بفضل الرأسمالية، لا بفضل تطور المعرفة العلمية والتقنية للبشرية؛ وتنضم إنجازات التكنولوجيا إلى رصيد رأس المال لا إلى رصيد العمل البشري.

بل إن التكنولوجيا ذاتها تظهر على أنها قوة إنتاجية في غياب العمل البشري، وتبدو كما لو أنها منفصلة ومستقلة عن الإنسان، في حين أنها هي ذاتها من خلقالإنسان ومن إبداع معرفته التقنية. ويؤدي هذا الانفصال والاستقلال للتكنولوجيا إلى اكتسابها الطابع الصنمي  fetish، وتتحول من وسيلة لسيطرة الإنسان على الطبيعة إلى وسيلة للسيطرة على الإنسان نفسه (11 ).

يقول ماركس عن العلاقة بين العمل والإنتاج الآلي: “…بمجرد ما أن يتم تبني أدوات العمل في عملية الإنتاج الرأسمالية، يحدث لتلك الأدوات تحولات مختلفة تكون نهايتها في الآلة، أو بالأحرى في نسق أوتوماتيكي للآلات… يتحرك عن طريق محرك آلي Automatun، قوة محركة تحرك ذاتها [أي موتور]، ويتكون هذا المحرك الآلي” الذي يحرك نفسه ويحرك غيره من الآلات الأخرى، “من أطراف ميكانيكية وذهنية كثيرة، بحيث يوضع العمال أنفسهم فيه باعتبارهم وصلاته الواعية… ولا تظهر الآلة بعد ذلك أبداً باعتبارها أداة العامل الفردي”، بل يصير العامل الفردي نفسه جزءاً من الآلة، بحيث يتم استيعابه بالكامل فيها كما لو أنه طرفها الواعي. والحقيقة أن هذا النص يقف أمامنا كما لو أنه نبوءة بالإنتاج التكنولوجي الحالي المؤتمت بالكامل والمستخدم للروبوت والكومبيوتر، وذلك كما يظهر في قول ماركس إن المحرك الآلي يتكون من أطراف ميكانيكية وذهنية؛ فالطرف الذهني للمحرك أصبح هو المنظومة الإلكترونية التي يتحكم فيها الكومبيوتر.

أما عن أثر هذا التحول التكنولوجي للإنتاج على العمل البشري فيقول ماركس: “إن الآلة بذلك هي التي تحوز على المهارة والقوة بدلاً من العامل، وتصير هي ذاتها صاحبة الفضل، حائزة على روح خاصة بها… أما نشاط العامل، المختزل إلى نشاط مجرد”، يقتصر على مراقبة الآلة ومتابعتها وحمايتها من المعوقات، “فيصبح محدداً ومحكوماً بحركة الآلة لا العكس… إن العلم الذي يحرك الأذرع الميتة للآلة عن طريق هندستها كي تعمل لغرض معين باعتبارها محركاً ذاتي الحركة، لا يوجد في وعي العامل، بل يمارس سلطته عليه من خلال الآلة باعتباره قوة غريبة عنه”( 12).

وهذا هو بعينه اغتراب العامل في عصر الإنتاج التكنولوجي؛ إذ يفقد السيطرة على الآلة نظراً لعدم عرفته بالعلم التقني المحرك لها، ذلك العلم التقني الذي يقف إزاء العامل كما لو أنه قوة غريبة عنه. ولا تصبح عملية الإنتاج الآلي عقلانية، ولا تمتلك عقلانية في ذاتها مستقلة عن الإنسان، إلا بفضل طبيعة رأس المال باعتباره استحواذاً على العمل الحي من قبل العمل السابق المتراكم والمتموضع في صورة آلات ومعرفة تقنية. وهذا هو اغتراب الإنسان من جراء الاستقلال المتزايد لما صنعت يداه وعقله عن سيطرته الواعية.

وهكذا يتحول العلم والتكنولوجيا من أداة للإنسان للسيطرة على الطبيعة إلى قوة مستقلة عن الإنسان تسيطر هي عليه؛ وبذلك تتحول أداة السيطرة على الطبيعة إلى أداة للسيطرة على الإنسان.

وليس العيب في التكنولوجيا ذاتها، بل العيب في النظام الرأسمالي الذي يستخدم هذه التكنولوجيا لتحقيق أهداف غريبة عن الإنسان، وهي تحقيق المزيد من التراكم الرأسمالي، بصرف النظر عن احتياجات الإنسان الطبيعية والاجتماعية.

ثالثاً – الانفصال بين الملكية والإدارة:

تركز نقطة أخرى من نقاط نقد الماركسية – عن طريق محاولة إثبات عدم مناسبتها لفهم ودراسة الرأسمالية المعاصرة – على ظاهرة الانفصال بين الملكية والإدارة. إذ يذهب موجهو هذا النقد إلى أن الرأسمالي بالمعنى الذي كان يقصده ماركس والذي كان موجوداً في القرن التاسع عشر لم يعد له وجود الآن.

فرأسمالي القرن التاسع عشر كان صاحب الملكية وصاحب الإدارة في الوقت نفسه، مالكاً رأس المال وصاحب القرار في المشروع الرأسمالي ؛ وكانت حيازته للقرار الاقتصادي وسلطته في إدارة المشروع آتية من حق ملكيته للمشروع.

ولم يعد هذا النموذج التقليدي للرأسمالي موجوداً الآن ؛ ذلك لأن ملكية المشروع أصبحت منفصلة عن إدارته. إذ صارت الملكية موزعة على عدد كبير من حملة الأسهم والسندات، أما الإدارة فقد أصبحت في يد فئة محترفة متخصصة في تسيير الشئون الإنتاجية والإدارية للمشروع. ولم يعد للملاك أي دور في إدارة المشروع، بل صارت كل سلطتهم تتمثل في انتخاب مجلس الإدارة على أساس من المفاءة الإدارية والمهارة في تسيير عملية الإنتاج. وحسب هذه الحجة بالرأسمالي بالمعنى التقليدي لم يعد له وجود، وبالتالي فكل النقد الذي وجهه ماركس للرأسمالي لم يعد صالحاً الآن(13).

وهذا النقد لماركس واهٍ هو الآخر، وذلك لاعتبارين. الاعتبار الأول أن ماركس لم يكن يتناول الرأسمالي باعتباره شخصاً أو فاعلاً اقتصادياً إلا لكونه ممثلاً لرأس المال، أي باعتباره التشخصن الواقعي الحي لقوة رأس المال Personification of Capital.

فالهدف الأساسي لماركس هو دراسة الرأسمالية باعتبارها نظاماً اقتصادياً، ودراسة القوانين الاقتصادية الأساسية الحاكمة لهذا الأسلوب في الإنتاج؛ ولم يتحدث عن الرأسمالي إلا باعتباره ممثلاً لهذا الأسلوب، وكاشفاً في سلوكه وأفعاله وقراراته الاقتصادية عن تلك القوانين اللاشخصية الحاكمة لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، تلك القوانين التي يخضع لها الرأسمالي نفسه.

فالمأثرة الكبرى لماركس هي أنه كشف، لا عن خضوع العامل وحده لمنطق رأس المال وحتميته الاقتصادية وحسب، بل عن خضوع الرأسمالي كذلك لنفس هذا القانون الحتمي. الرأسمالية في نظر ماركس هي هذا النظام الحتمي الذي يخضع له الرأسمالي والعامل على السواء. والرأسمالي في تحليلاته لا يكون رأسمالياً بالمولد أو بالفطرة أو بالموهبة الشخصية، لأن ما يجعل الرأسمالي رأسمالياً هو شغله لموقع معد سلفاً في بناء اجتماعي وتشكيلة اقتصادية قائمة وموجودة قبل أن يوجد( 14).

ولا يظل الرأسمالي رأسمالياً إلا بفضل خضوعه المستمر لقانون رأس المال، وترتيبه لقراراته وأفعاله كلها حسب الموقع المعد له سلفاً في النظام الرأسمالي، وحسب المتوقع منه في ظل التشكيلة الاقتصادية القائمة.

أما الاعتبار الثاني فهو أن ماركس قد استطاع بالفعل أن يضع يده على ظاهرة انفصال الملكية والإدارة وحللها بدقة. فالعجيب المدهش في هذا الأمر أن يكون ماركس دارساً لنفس الظاهرة التي يدعي نقاده أن نظريته لا تستوعبها.

رصد ماركس في “رأس المال” عملية تمايز الوظائف داخل عملية الإنتاج، والتي تعد توسعاً في تقسيم العمل، لا عمل العمال وحدهم بل عمل الرأسمالي كذلك. يقول ماركس: “إن رأس المال يلحق وظيفة مراقبة العامل المباشرة والمستمرة بنوع خاص من العمل المأجور”؛

وبذلك تظهر هذه الوظيفة الجديدة الناتجة عن زيادة تعقد العملية الإنتاجية؛ “إن جيشاً صناعياً من العمال، تحت سيطرة رأسمالي، يتطلب مثله مثل الجيش الحقيقي، ضباطاً [مديرين] وضباط صف [مراقبين ومتابعين] يحكمون باسم الرأسمالي بينما العمل يسير”( 15). فبعد أن كان الرأسمالي يقوم بنفسه بعملية إدارة العمال ومراقبتهم ومتابعتهم، تتحول هذه العملية غلأى وظائف خاصة بفئة معينة من العمال.

وبالتالي انفصلت مهمة إدارة العمل عن الرأسمالي نفسه. وقد أرجع ماركس منشأ الإدارة إلى الطابع العضوي لعملية الإنتاج والتي تتطلب كياناً مستقلاً يتولاها، وفي ذلك يقول: “إن كل عمل مشترك على نطاق واسع يتطلب… سلطة موجهة، وذلك لتأمين السير المنسجم للنشاطات الفردية، وللقيام بالوظائف العامة التي تجد أصلها في فعل الكيان العضوي المستمر، باعتباره متمايزاً عن فعل أعضائه المنفصلة. إن عازف الكمان هو المايسترو لذاته ، أما الأوركسترا فتتطلب مايسترو آخر [منفصل عنها وقائم بذاته]” ؛ فكل كيان عضوي في حاجة إلى سلطة موجهة ، وعملية الإنتاج تاحديثة مثل الكيان العضوي تماماً، لذلك تتطلب إدارة منفصلة عن عملية العمل المباشرة.

ولا تصير إدارة عملية العمل من وظائف رأس المال إلا لأن رأس المال قد هيمن بالفعل على العمل وأخضعه لنفسه واقعياً. لكن ليس شرطاً أن تكون الإدارة وظيفة لرأس المال؛ إنها تكون كذلك فقط في ظل أسلوب الإنتاج الرأسمالي، أما في ظل الأسلوب التعاوني الحر الذي يملك فيه المنتجون المباشرون وسائل الإنتاج ملكية مشتركة ، فإن الإدارة لن تكون مقحمة على العمال من خارجهم ومفروضة عليهم باعتبارها سلطة غريبة عنهم، سلطة أناس آخرين يمثلون مصالح رأس المال، بل سوف تكون إدارة ذاتية داخلية :

“إن عمليات الإدارة والمراقبة والتناسب تصبح من وظائف رأس المال في اللحظة التي يصبح العمل عندها تحت سيطرة رأس المال تعاونياً”( 16).

ويتولى الرأسمالي وظائف الإدارة الصناعية لأنه رأسمالي، أي لأنه يحوز على حق الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وللمشروع كله، وفي ذلك يقول ماركس : “ليس المرء رأسمالياً لأنه رائد صناعة  Captain of Industry، بل على العكس، إنه رائد صناعة لأنه رأسمالي”(17 ). فبفضل موقعه باعتباره رأسمالياً يتمكن الرأسمالي من السيطرة على العملية الإنتاجية.

لقد كان ماركس صاحب بصيرة ثاقبة، إذ حلل في هذا النص ظاهرة صعود الإدارة باعتبارها ممثلة لرأس المال، وقائمة بوظائف المراقبة والمتابعة والتوجيه لعملية العمل باسم رأس المال، مستعينة في ذلك بنوع معين من العمل المأجور وهو العمل الإداري. وهذه هي عملية تمايز الوظائف والتي تمثل توسعاً في تقسيم العمل وانفصالاً متزايداً بين الملكية والإدارة.

لقد وضع ماركس يده على هذا الانفصال وكان واعياً به بشدة، ولذلك لا يمكن نقده من منطلق أن انفصالالملكية والإدارة ظاهرة حديثة بدأت مع رأسمالية القرن العشرين، ذلك لأن بوادرها قد بدأت في الظهور في عصر ماركس نفسه.

إن الانفصال بين الملكية والإدارة في حد ذاته لا يعني زوال العلاقة التراتبية الطبقية بين رأس المال والعمل المأجور، ولا ينفي الصراع والتناقض الطبقي بينهما، بل يزيده حدة وعمقاً، وإن يكن يزيده خفاءاً في الوقت نفسه. ذلك لأن رأس المال كف عن أن يكون مسيطراً باعتباره ملكية وبدأ في السيطرة باعتباره إدارة؛ فالإدارة هي الممثلة لرأس المال والمنفذة لمصالحه الطبقية.

ومعنى هذا أن النظام الرأسمالي لم يعد يتشخص في الرأسمالي المالك صاحب المشروع الذي يستمد حقه في السيطرة على الاقتصاد من حقه في الملكية الخاصة – ذلك الذي أعلن ماركس في مقدمة “رأس المال” أنه لن يدرسه إلا باعتباره تشخيصاً لرأس المال – بل صار يتشخص في المدراء الذين لا يستمدون حقهم في السيطرة من الملكية الخاصة بل من وظيفتهم باعتبارهم مدراء، أي مطبقين لمنطق رأس المال على المشروع. إن الانفصال بين الملكية والإدارة لا يعني أبداً اختفاء الاستغلال الرأسمالي، بل يعمل على إخفاءه أكثر مما قبل(18).

لكن ماذا حدث للرأسمالي المالك بالمعنى التقليدي؟ الرأسمالي الذي يستمد قوته وسيطرته الاقتصادية من حق ملكيته الخاصة؟ لقد تحول في الاقتصاد المعاصر إلى رأسمالي مالي Money Capitalist ، أي المستثمر الذي يستمد قوته وسيطرته من قوة المال ذاتها، أو بمعنى أدق، من قوة رأس امال في شكلها الأعم المجرد باعتباره رأسمالاً مالياً Finance Capital. وقد رصد ماركس هذه الظاهرة أيضاً.

فهو يذهب في المجلد الثالث من “رأس المال” إلى أن المشروع الاقتصادي الحديثي نطوي على “تحول الرأسمالي الفاعل بنفسه إلى مجرد مدير، إداري لرأسمال أناس آخرين، وتحول مالك رأس المال إلى مجرد رأسمالي مالي Money-Capitalist”(19).

وهذا الرأسمالي المالي هو المتحكم في العملية الإنتاجية وفي الاقتصاد كله من سيطرته على الدورة النقدية لرأس المال  Money Circuit ، والتي هي أهم وأخطر دورة يمر بها؛ وسيطرته كذلك على أنظمة وشبكات رأس المال المالي مثل البنوك والبورصات ومؤسسات التمويل.

وعندما تتزايد أهمية الرأسمالية المالية يصبح الفاعل الرئيسي المسيطر في الاقتصاد هو المستثمر، الذي لا يوظف وسائل إنتاج وعمالة بل يوظف نقوداً بهدف الحصول على المزيد منها، دون الدخول في عملية إنتاجية حقيقية ؛ ويصبح المال بذلك مولداً للمزيد من المال كما لو أن به قوة سحرية على النمو الذاتي، وكما لو أنه يخلق القيمة الجديدة من ذاته دون الاعتماد على أي وسائط أخرى من الاقتصاد الحقيقي غير وسائطه الذاتية، التي هي المؤسسات المالية.

ويصير هذا الرأسمالي المالي، أو المستثمر بالمصطلح الشائع، هو الصورة الحديثة للمرابي القديم، اليهودي شيلوك تاجر البندقية في مسرحية شيكسبير الشهيرة. لقد أصبح الاقتصاد المعاصر في يد شيلوك اليهودي هذا.

ويجب علينا الانتباه إلى أن الانفصال بين الملكية والإدارة في الرأسمالية المعاصرة يشير إلى انفصال رأس المال عن مالكيه السابقين وظهور ممثلين جدد له. ففي العصر المركانتيلي كان الرأسمالي هو التاجر، وفي عصر الثورة الصناعية أصبح الرأسمالي هو مالك عناصر الإنتاج، وفي عصر الإنتاج الصناعي الموسع أصبح ممثل رأس المال هو الشركة الكبيرة، وفي عصر الرأسمالية المالية الحالية أصبح ممثل رأس المال هو المستثمر، والذي يطلق عليه أحياناً مقاول الأعمال أو رائد الأعمال Entrepreneur. وهذا دليل على أن رأس المال لا يتجسد في أشخاص معينين بل هو يغير ممثليه دائماً، لأنه في الأساس ليس أشخاصاً بل هو العلاقة الاقتصادية – الاجتماعية بين من يملكونعناصر الإنتاج، أياً كانت صفتهم وأياً كانت نوعية هذه العناصر، ومن لا يملكون سوى قوة عملهم ولا يستطيعون إلا أن يبيعوها كي يتمكنوا من العيش، سواء كانت هذه القوة عملاً يدوياً أو صناعياً أو حتى ذهنياً ؛ وهم مضطرون لبيعها لمن يملك عناصر الإنتاج.

لقد كان الرأسمالي هو ممثل رأس المال بفضل سيطرته على عناصر الإنتاج، ونقل هذه السيطرة من الرأسمالي إلى مجالس إدارات الشركات الاحتكارية لا يلغي الطبيعة الرأسمالية لهذه السيطرة، بما تتضمنه من هيمنة طبقية. فمجالس الإدارة يمكن ألا تكون مالكة للشركات ملكية خاصة، ويمكن أن تكون أسهم هذه الشركات موزعة على عدد ضخم من المساهمين، بل ويمكن أن تكون بعض هذه الأسهم ملكاً لموظفيها وعمالها، لكن التاريخ المعاصر أثبت كيف أن الرأسمالية يمكنها أن تستغني عن الملكية الخاصة ذاتها باعتبارها مصدر حق السيطرة على وسائل الإنتاج، وتنقل الحق في هذه السيطرة إلى المدراء، الذين هم في النهاية ليسوا سوى ممثلي الطبقة الرأسمالية كلها.

 رابعاً – ماركس والعولمة :

لعل أبرز نقاط القوة في فكر ماركس هي تعامله مع النظام الرأسمالي على أنه نظام عالمي، لا يتقيد بالحدود السياسية أو القومية، ويتوسع دائماً بتخطيه المستمر لهذه الحدود، ولا يتوقف حتى يستوعب العالم كله. والنظر إلى الرأسمالية على أنها نظام عالمي كان جزءاً أساسياً وأصيلاً في نظريته ويتغلغل عبر كل تحليلاته التي قدمها. ومن هنا نستطيع القول إن ماركس هو من أوائل المنظرين لما صار يسمى الآن بالعولمة Globalization.

تعامل ماركس مع الطابع العالمي للرأسمالية، ومعه إنجلز، في عمل هام يعد الوثيقة الأساسية لكل الأفكار والحركات الاشتراكية الحديثة، وهو”البيان الشيوعي”. والبيان موجه لا للحركة الشيوعية وحسب بل لكل عمال العالم، ولذلك ختمه ماركس وإنجلز بالعبارة الشهيرة “يا عمال العالم اتحدوا”. ولم يكن ماركس وإنجلز يستطيعان التوجه بهذا النداء لكل عمال العالم  إلا على أساس أن العالم قد اتحد بالفعل تحت راية رأس المال، بحيث إن العولمة الرأسمالية تتطلب لمواجهتها عولمة أخرى مضادة، عولمة عمالية.

وقد أدرك ماركس أن اتحاد العالم في ظل الرأسمالية يشكل الشرط القبلي، التاريخي والاقتصادي، للحركة العمالية. فالرأسمالية في نظره هي التي تمهد السبيل لتجاوزها، وذلك بأن تخلق الوسائل اللازمة لتجاوزها العالمي. فلأنها نظام عالمي فلا يمكن مواجهتها إلا عالمياً. وقد كان الاتحاد العمالي الذي ساهم ماركس في تأسيسه متجاوزاً للدول والقوميات، وهذا ما اتضح في اسمه “الاتحاد الاشتراكي الدولي للعمال” International Workingmen Association.

صحيح أن الاشتراكية كما طبقت بالفعل كانت أنظمة لدول قومية وكانت في حقيقتها أنظمة في الاقتصاد المركزي المخطط من قبل الدولة وأنظمتها البيروقراطية، كما في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والصين وكوبا وبعض دول الشرق الأوسط، إلا أن الهدف الأساسي لماركس لم يكن أبداً تطبيقاً للاشتراكية من قبل الدولة، بل كان ينظر إلى الاشتراكية دائماً على أنها تنظيم فوق الدول extra-state، وعابراً للقوميات ومتجاوزاً للحدود السياسية.

والحقيقة أننا عندما نطلع على “البيان الشيوعي” ندهش من بصائره الثاقبة وتحليلاته العميقة للرأسمالية، إذ أن هذه التحليلات لا تزال صالحة لوصف رأسمالية العولمة،على الرغم من صدور “البيان” سنة 1848، وهو تاريخ مبكر بالنسبة لعمر الرأسمالية، وبالنسبة للشكل المعولم الذي اتخذته في القرن العشرين.

يقول ماركس (20): “لقد لعبت البورجوازية (21 ) دوراً في غاية الثورية. فحيثما كانت لها اليد العليا، وضعت نهاية لكل العلاقات الإقطاعية والأبوية. وقطعت بحزم كل الروابط التي تقيد الإنسان بأسياده الطبيعيين، ولم تترك أي صلة بين الإنسان وأخيه الإنسان سوى المصلحة الشخصية والنقود السائلة.

واختزلت قيمة الشخصية الإنسانية إلى القيمة التبادلية، ووضعت في مكان الحريات الأساسية المتعددة حرية واحدة – حرية التجارة… لقد أوضحت ما الذي يمكن أن يفعله النشاط الإنساني. فقد حققت عجائب تفوق بمراحل الأهرامات المصرية والجسور الرومانية والكنائس القوطية؛ وقامت بكشوف وحملات تضع في الظل كل مثيلاتها لدى الأمم الأخرى.

“لا تستطيع البورجوازية أن تعيش دون تثوير مستمر لوسائل الإنتاج، ومعها علاقات الإنتاج وكل العلاقات الاجتماعية… إن ما يميز الحقبة البورجوازية عن كل ما سبقها هو التثوير المستمر للإنتاج، والاضطراب الذي لا يهدأ لكل الشروط الاجتماعية، واللايقين الأبدي والإثارة الدائمة. كل العلاقات الثابتة والمتجمدة بتحاملاتها القديمة يُعصف بها، وكل العلاقات الجديدة تتقادم حتى قبل أن تكتمل. وكل ما هو صلب يتبخر في الهواء، وكل ما هو مقدس يُدنس…

“إن حاجتها (البورجوازية) إلى أسواق دائمة التوسع لمنتجاتها جعلتها تمتد إلى كل أنحاء الكوكب. إنها يجب أن تعشش في كل مكان، وتسكن في كل مكان. والبورجوازية من خلال استغلالها للسوق العالمي قد أعطت طابعاً كوزموبوليتانياً للإنتاج والاستهلاك في كل بلد… وسحبت من تحت أقدام الصناعة الأرضية الوطنية التي كانت تقف عليها.

فكل الصناعات الوطنية القديمة دُمرت أو تُدمر. وتحل محلها صناعات جديدة يمثل إدخالها مسألة حياة أو موت لكل الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستخدم مواد محلية بل مواد مجلوبة من أبعد المناطق؛ صناعات لا تُستهلك منتجاتها محلياً وحسب، بل في كل أرجاء الكوكب.

وفي مكان الاحتياجات القديمة التي كانت تلبيها منتجات كل بلد، نجد احتياجات جديدة تتطلب لإشباعها منتجات أراض ومناخات بعيدة. وفي مكان العزلة المحلية والاكتفاء الذاتي الوطني القديمان، نجد… اعتماداً متبادلاً عالمياً لكل الأمم…

“وعن طريق التحسين المستمر لكل وسائل الإنتاج ووسائل الاتصال السهلة، أخرجت البورجوازية كل الأمم، بما فيها الأكثر بدائية ، من الهمجية إلى الحضارة.والأسعار الرخيصة لسلعها هي المدفعية الثقيلة التي تقذف بها كل سور صين عظيم ( 22)… إنها تدفع كل الأمم  (لأن تكون على شاكلتها) وإلا تعرضت للفناء… تدفعها لأن تكون بورجوازية مثلها. وبكلمة واحدة، فهي تخلق عالماً على صورتها.

“لقد أخضعت البورجوازية الريف لحكم المدن. وخلقت مدناً عملاقة، وعملت على زيادة سكان الحضر بالمقارنة بسكان الريف… ومثلما جعلت الريف معتمداً على المدن، فقد جعلت البلدان البربرية معتمدة على البلدان المتحضرة، وأمم الفلاحين على أمم البورجوازية، والشرق على الغرب…

“(وفي مكان القيود الإقطاعية القديمة) أحلت المنافسة الحرة، مصحوبة بالنظم الاجتماعية والسياسية المناسبة (لهذه المنافسة الحرة)، وبالسيادة الاقتصادية والسياسية للطبقة البورجوازية… لقد خلقت البورجوازية في القرن الذي تسيدت فيه قوى إنتاجية تفوق كل ما أنتجته البشرية سابقاً”. (23)

ليسامحنى القارئ على هذا الاقتباس الطويل، ذلك لأنني، وكما أعلنت في بداية الدراسة، أعتقد أن ماركس هو أفضل من يعبر عن فكره وآراءه ، وما على الباحث سوى أن يستنطق نصوصه.

فقد أوردت أعلاه كل ما يتعلق بالطابع العالمي للرأسمالية من البيان الشيوعي نظراً لدلالاته المعاصرة ؛ فالتعرف على ما قاله ماركس حرفياً ضروري جداً للكشف عن مدى معاصرته لنا.

لقد وضع ماركس يده في النص السابق على كل ما يميز العولمة الرأسمالية : سيادة المصلحة الشخصية المتمثلة في الربح النقدي، واختزال الحريات إلى حرية السوق، والدور التاريخي والحضاري للبورجوازية في توحيد العالم تحت أسلوب واحد في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ذلك الذي يسمي “الكوزموبوليتانية” أي العولمة بالتعبير المعاصر؛ والاعتماد المتبادل بين كل الأمم في الإنتاج والاستهلاك ؛ والتطور غير المسبوق لقوى الإنتاج؛ وانطواء كل ما هو محلي وقومي تحت عالمية رأس المال؛ واختفاء كل القيود والحدود السياسية والقومية لإفساح الطريق للمنافسة الحرة.

يتضمن “البيان الشيوعي” الخصائص الأساسية لظاهرة العولمة ما عدا خاصية واحدة، هي الأهم والأخطر؛ وهي جانبها المالي والسوقي. فالعولمة الحادثة الآن هي في الأساس عولمة مالية، وتسعى لتأسيس سوق عالمي حر.

صحيح أننا لا نجد عولمة المال في “البيان الشيوعي”، إلا أننا نجدها في أعمال ماركس الأخرى التالية على البيان، وأهمها كتابيه “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” (1859) و”رأس المال” (1867). ففي الكتاب الأول يرصد ماركس ظاهرة العولمة المالية وتأسيس السوق العالمي، ويقول في ذلك : “عندما يتحول النقد إلى نقد دولي، يتحول مالك السلع إلى كوزموبوليتاني”؛ وهذا هو الحادث الآن، فالدولار واليورو ، هي تلك العملات الدولية التي يقاس عليها كل العملات الأخرى والتي تحدد أسعارها أسعار كل السلع ؛ “لا تتضمن العلاقات الكوزموبوليتانية بين الناس إلا علاقاتهم باعتبارهم مالكي سلع.

فالسلع لا تعرف حدوداً سياسية أو دينية أو قومية أو لغوية. ولغتها العالمية هي السعر ورابطها العام هو المال. ومع تطور النقد الدولي في مقابل العملات المحلية يتطور أيضاً الطابع الكوزموبوليتاني لمالك السلع، وذلك في مقابل التعصبات الدينية والقومية التقليدية التي تعوق عملية توحيد البشرية.

يكتشف مالك السلع أن القومية ما هي إلا طابع بريد”، أي يقتصر دورها على كونها صورة خارجية تطبع السلع ذات الجوهر الواحد والمقاييس الموحدة وسط تعدد القوميات وطوابع البريد، “فالغاية السامية التي يتوحد من أجلها العالم في نظر الرأسمالي هي فكرة السوق العالمي”.(24)

إن زيادة الاعتماد المتبادل بين كل أقطار العالم يجعل الإنتاج نشاطاً واحداً تقوم به البشرية كلها، كما  لو أن العالم أصبح مصنعاً كبيراً. وقد أدرك ماركس الآثار المترتبة على هذا الطابع العالمي للرأسمالية، ذلك الطابع الذي يفرض تقسيماً دولياً للعمل.

ومن أهم الآثار التي رصدها ماركس تأثير التطور التكنولوجي الحادث في ركن من العالم على عمالة ركن آخر، ويقول في ذلك: “إذا تم اختراع آلة (جديدة) في إنجلترا فإنها تحرم العديد من العمال من الخبز في الهند والصين، وتقلب الشكل الوجودي لهاتين الإمبراطوريتين، ويصير هذا الاختراع واقعة عالمية تاريخية World-Historical Fact”(25 ).

بمعنى أن ظيادة الإنتاجية التي يحدثها الاختراع الجديد مع قلة أسعار المنتج الجديد يجعل العمالة التي كانت منشغلة في إنتاج نفس المنتج في الهند والصين لا لزوم لها، لأنها لا تزال تنتج بتكاليف إنتاج أعلى، ومن ثم يحتوي منتجها على عمل أكثر من الذي أنتج نفس المنتج بالاختراع الأحدث. وهذه الحقيقة هي ما نراه أمام أعيننا يومياً.

وقد أدرك ماركس مدى الارتباط بين صعود السوق العالمي والثورة الاشتراكية المرتقبة، وأنها لا يمكن أن تكون إلا ثورة عالمية، يتيحها نفس هذا السوق العالمي الذي يمثل بالنسبة لها الشرط التاريخي.

يتحدث ماركس عن هذا الموضوع في خطاب لإنجلز ويقول: “إن المهمة التاريخية للمجتمع البورجوازي هي تأسيس السوق العالمي، على الأقل في خطوطه الأساسية، وتأسيس أسلوب في الإنتاج يستند على هذا الأساس. وبما أن العالم كروي، فيبدو أن هذا قد تحقق باستعمار كاليفورنيا وأستراليا وضم الصين واليابان.

والسؤال الصعب بالنسبة لنا هو الآتي: الثورة في القارة الأوروبية ضرورية وسوف يكون طابعها اشتراكي، لكن هل ستقوم الثورة بالضرورة في هذا الركن الصغير من العالم، بما أن تطور المجتمع البورجوازي لا يزال في مهده؟”( 26).

لقد كان ماركس على وعي بأن العولمة الكاملة لأسلوب الإنتاج الرأسمالي لا تزال ناقصة في عصره وفي بداياتهاالأولى، وأنها لن تكتمل إلا بأن يصبح العالم كله منقسماً إلى بورجوازية وبروليتاريا. وفحوى تساؤله هو أن شروط تجاوز الرأسمالية بالثورة الاشتراكية متوافرة في أوروبا لأنها هي التي تشهد أعلى تطور للرأسمالية في العالم، لكن بقية العالم لا تزال في طريقها نحو التطور الرأسمالي، وبالتالي فشروط تجاوز الرأسمالية لم تظهر بعد خارج أوروبا ؛ فكيف تحدث الثورة الاشتراكية في هذا الركن الصغير من العالم وبقية العالم لا تزال قبل- رأسمالية ؟ لقد كان ماركس على بصيرة ثاقبة بخصوصية اللحظة التاريخية التي كان يعيشها وأنها لا تمثل التطور الكامل للنظام الرأسمالي الذي كان في طريقه إلى التطور.

يتضمن حديث ماركس السابق تنبؤاً بأن ثورة اشتراكية في أوروبا لن يُكتب لها النجاح لأن العالم لم يتوحد بعد في ظل الرأسمالية، أي لم يصبح السوق الرأسمالي العالمي حقيقة قائمة تضم العالم كله. فقد كان ماركس مقتنعاً بأن ثورة اشتراكية لن تكون ناجحة إلا باعتبارها ثورة عالمية، في حين أن العالم في عصره لم يكن قد توحد بعد في سوق عالمي واحد وإن كان في طريقه إلى ذلك ، وهكذا فهم ماركس السوق العالمي ، فهو عنده يمثل الشرط القبلي التاريخي لنجاح ثورة اشتراكية عالمية.

والحقيقة أن الثورات الاشتراكية التي حدثت في القرن العشرين لم تكن على النموذج العالمي الذي توقعه ماركس، بل كانت ثورات من داخل دول قومية، عملت على فك ارتباط اقتصادياتها بالسوق العالمي من أجل تحقيق التنمية المستقلة ومواجهة الإمبريالية التجارية للدول الرأسمالية، في حين أن السوق العالمي في نظر ماركس كان الأساس لنجاح الثورة الاشتراكية.

لكن طالما استطاعت الرأسمالية التوسع إلى مناطق بكر لم تعرف علاقات الإنتاج الرأسمالية، طالما أطالت في عمرها. فالتوسع المتزايد للسوق العالمي ينقل تناقضات الرأسمالية خارج المراكز الرأسمالية ويعمل على التأجيل المستمر لانهيارها النهائي.

وهذا ما توصل إليه ماركس لقانون ميل معدل الربح نحو الهبوط، والذي صاغه في المجلد الثالث من “رأس المال”. صحيح أن هناك توجهاً ثابتاً في انخفاض معدل الربح، إلا أن ماركس لم يضع أمله في هذا القانون باعتباره المؤدي حتماً لانهيار الرأسمالية، لأنه مثلما رصد العوامل التي تجعل الربح ينخفض، فهو كذلك رصد العوامل التي تعمل على الإقلال من الآثار المدمرة لذلك القانون على الرأسمالية؛ وأهم هذه العوامل التوسع في السوق العالمي.

فعندما تواجَه الرأسمالية بمعدلات ربح في انخفاض متزايد، فإنها تنقل أنشطتها إلى خارج العالم الرأسمالي المتطور، حيث انخفاض أجور الأيدي العاملة وأسعار الموارد الطبيعية والطاقة.

فالعولمة والسوق الرأسمالي العالمي في نظر ماركس هو الحل الذي يلجأ إليه رأس المال لتجاوز المليل الطبيعي لانخفاض معدل الربح.

ينص هذا القانون على أنه كلما زاد رأس المال المستثمر كلما قلت ربحيته؛ ذلك لأن هذه الزيادة تأتي معها بضرورة ويادة الأرباح، لكن الأخيرة تقل ولا تزيد. ويحدث هذا من جراء أن زيادة رأس المال ليست زيادة كمية وحسب بل زيادة كيفية أيضاً؛ إذ تتمثل في زيادة التركيب العضوي لرأس المال الثابت نتيجة لتطبيق التكنولوجيا المتطورة.

وكلما زاد التطور التكنولوجي كلما ارتفعت الإنتاجية، مما يؤدي إلى هبوط في الأسعار وبالتالي إلى الإقلال من الأرباح ؛ كما أن زيادة الإنتاجية تحتاج لمزيد من التوسع في الأسواق، وعندما تتشبع أسواق البلدان الرأسمالية يتجه رأس المال نحو التوسع في الأسواق العالمية.

ولا يزداد تعقد تركيب رأس المال الثابت وحسب، بل يحدث المثل لرأس المال المتغير، أي كل تلك الرؤوس من الأموال العاملة في العمليات الوسيطة التي تقع بين الإنتاج ووصول المُنتَجإلى المستهلك الأخير، مثل عمليات إدارة المشروع الرأسمالي وتضخم هيكله الإداري، وزيادة حجم وتركيب عملية تحقيق القيمة في السوق مثل العمليات التجارية والإعلانية.

بالإضافة إلى ظهور رأس المال المالي واستقلاله عن رأس المال الصناعي، وظهور التناقض بينهما؛ إذ أن رأس المال المالي يستحق فوائد تكون عبئاً مضافاً على المشروع الصناعي ؛ ويكون على رأس المال الصناعي أن يحقق ربحاً لنفسه ويدفع فائدة لرأس المال النقدي، إذ عليه تحقيق قيمة زائدة حقيقية تستطيع الوفاء بكل الالتزامات المالية لدورات رأس المال، الصناعي والتجاري والنقدي، والإنفاق على الهياكل الإدارية المختلفة لكل نوع منها. وتَوزُع القيمة الزائدة على كل هذه العمليات الوسيطة يؤدي في النهاية إلى هبوط في معدل الربح.

فهم معظم الاقتصاديين الماركسيين( 27) قانون ميل معدل الربح نحو الهبوط على أنه يكشف عن الانهيار الحتمي للرأسمالية، إلا أن القراءة المدققة للمجلد الثالث من “رأس المال” توضح أنه لا يكشف عن انهيار حتمي بل عن أزمة دورية ، يستطيع النظام الرأسمالي تجاوزها باستمرار، ذلك لأن الجزء الذي يضع فيه ماركس هذا القانون ينقسم إلى قسمين : الأول يوضح فيه هذ القانون نفسه وأسبابه التي لخصناها في الفقرة السابقة، أما القسم الثاني فيوضح فيه الاتجاهات المعاكسة لهذا القانون والتي تعمل على تحييده مؤقتاً إلى حين ظهوره من جديد.

وقد وصف ماركس مجموعة من العوامل التي تقلل من تسارع ميل معدل الربح نحو الهبوط والتي تعد توجهات مضادة له، تحيده وتؤجل فاعليته التدميرية، وهي على التوالي : الاحتكارات، وتكوين الجيش الصناعي الاحتياطي، وأخيراً، وهذا هو ما يهمنا في موضوع العولمة ، الاستعمار والتوسع في السوق العالمي.

فالاستعمار يمكن الرأسمالية من الانتقال إلى مناطق لم تعرف بعد علاقات الإنتاج الرأسمالية، وبالتالي الاستفادة من التوسع الجغرافي ونقل السلع إلى خارج المراكز الرأسمالية المتقدمة، ومعها رؤوس الأموال أيضاً، والتي تجد في الأراضي البكر فرصاً جديدة للربح، ومعدلات ربحية أعلى.

وهكذا تتمكن الرأسمالية من الاستمرار في تحقيق القيمة الزائدة نظراً لرخص أسعار المواد الخام والطاقة والأيدي العاملة، بالإضافة إلى أن التجارة الرأسمالية الخارجية مع بلدان أقل تطوراً تعمل على زيادة الربح وتحقيق قيمة أعلى، نظراً لأن السلع المنتجة من قبل رأسمالية متطورة تحتوي على عمل بشري أقل، ويتم تبادلها مع سلع البلدان الأقل تطوراً والتي تحتوي على عمل بشري أكبر، وبالتالي تتم مبادلة كمية أقل من العمل مع كمية أكبر، مما يزيد الربح الرأسمالي.

يقول ماركس: “إن رأس المال المستثمر في التجارة الخارجية يمكنه أن ينتج معدل ربح أعلى… لأنه ينافس سلعاً منتجة من قبل بلاد أخرى تملك أدوات إنتاج أقل تطوراً… لقد رأينا بذلك كيف أن نفس الأسباب التي تؤدي إلى هبوط في معدل الربح تتيح تأثيرات عكسية تمنع هذا الهبوط، وتؤخره جزئياً وتشوش عليه. (هذه الأسباب) لا تنفي القانون، بل تضعف تأثيره…”( 28).

ومعنى هذا أنه حتى في حالة تعولم رأس المال واتجاهه إلى التوسع في السوق العالمي، فإن هذا التعولم لا يقضي على قانون ميل معدل الربح نحو الهبوط، بل هو “يؤخره جزئياً” و”يشوش عليه”. وهذا هو السبب في أن أزمات الرأسمالية تظهر الآن على أنها أزمات عالمية، تغير من أماكن ظهورها باستمرار، لكنها أزمات دورية تطوف العالم كله.

وهكذا نرى كيف أن العولمة الرأسمالية كانت داخلة في صميم تحليلات ماركس لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، إذ أن التوسع العالمي للرأسمالية جزء أصيل من هذا الأسلوب، وهو الذي يمكن قوانينه من العمل، ويمكنه هو ذاته من البقاء؛ وهو أيضاً السبب في اكتساب أزمات الرأسمالية الطابع العالمي.

…………………………………………………………………………………………………………………………….

مراجع و مصادر  :

1) ومنهم فرنسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ” وصامويل هانتنجتون في كتابه “صدام الحضارات”.

2) Ralph Dahrendorf

3) Daniel Bell, Remond Aron.

4 ) John Plamenatz

5) لم يكتشف هذا المخطوط إلا في الثلاثينيات، ولم يترجم إلى الإنجليزية إلا في 1973، ولذلك لم يكن معروفاً لهؤلاء النقاد، ولم يبدأ اهتمام الباحثين بالتحليلات التي قدمها فيه للإنتاج التكنولوجي إلا في السبعينيات والثمانينيات.  انظر في ذلك، سلسلة الدراسات المخصصة عن هذا المخطوط في الكتاب التالي:

Marcello Musto, Karl Marx’s Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy after 150 years Later. (Routledge: London & New York, 2008), pp. xx-xxi.

6 ) Marx, Grundrisse, P.694.

 7 ) Ibid, pp.699-700.

8) Ibid, P.706.

9) Ibid, P.705.

10 ) See article of historical materialism

11) التقطت مدرسة فرانكفورت هذه الفكرة من ماركس وطورتها وجعلتها أساساً لدراسة رأسمالية القرن العشرين. انظر في ذلك أعمال ماركيوز وهوركهايمر وأدورنو.، وأبرزها دراسة ماركيوز “الإنسان ذو البعد الواحد”:

Herbert Marcuse, One Dimensional Man: The Ideology of Industrial Society. (Sphere Books: London, 1968), pp. 120 ff.

12) Marx, Grundrisse, pp. 692-695.

13) أبرز من وجهوا هذا النقد.

14) Marx, Capital

 15) Marx, Capital I, P. 332.

16) Marx, Capital I, pp. 330-331.

17 ) Marx, Capital I, P. 332.

18) هناك العديد من الأدبيات التي رصدت استمرار الاستغلال الرأسمالي في ظل الثورة الإدارية الحديثة، أبرزها:

  1. Wright Mills, White Collar: The American Middle Classes (Oxford University Press: New York, 1951; Harry Braverman, Labor and Monopoly Capital: The Degradation of Work in the Twentieth Century (Monthly Review Press: New York & London, 1974), pp.59ff. Adolf A. Berle& Gardener Means, The Modern Corporation and Private Property (Harcort, Brace: New Brunswick, 1932); Michael Perelman, Manufacturing Discontent: The Trap of Individualism in Corporate Society (Pluto Press: London/Ann Arbor, 2005).

19) Marx, Capital III, P. 436.

20) يعد “البيان الشيوعي” من صياغة ماركس وحده على الرغم مما عرف عنه أنه تأليف مشترك بينه وبين إنجلز. إلا أن الحقيقة أن “البيان” مكتوب بكلمات ماركس وأسلوبه، أما إنجلز فمشاركته فيه اقتصرت على إرساله لماركس بعض الصفحات التي فيها أفكاراً متنوعة ومتفرقة، ضمها ماركس إلى أوراقه وأدخلها في الإطار الفكري الذي وضعه للبيان، ثم صاغ الكل بعباراته. وبالتالي فعندما نقول “قال ماركس” ونقتبس من البيان الشيوعي فنحن نقصد الإشارة إلى إسهامه الأكبر في البيان وإلى مسؤوليته الكاملة عن نص البيان.

 21) يجب الانتباه إلى أن “البورجوازية” التي يقصدها ماركس هي الممثلة لرأس المال والمالكة له في عصره، وأن الرأسمالية تغير من ممثليها ومن حواملها الطبقية دائماً.

22) يقصد الإشارة إلى قدرة السلع الرخيصة على غزو مناطق كانت في السابق منيعة من أي تدخل خارجي ومحمية بأسوار مثل سور الصين العظيم. لكن، ومن مفارقات الزمان أن الصين الآن هي التي تغزو كل أسواق العالم بمدفعية ثقيلة وهي سلعها الرخيصة. فالصين تنتج أرخص السلع في العالم والتي غزت بها العالم كله بما فيه الدول الصناعية العريقة، وكأنها قد ردت الضربة التي وُجهت لسور الصين العظيم، أي لسياستها في الانغلاق والحماية التي كانت تسير عليها لقرن ونصف.

23) Karl Marx and Frederick Engels: “Manifesto of the Communist Party”, in Selected Works, Vol. I (Foreign Languages Publishing House: Moscow 1955), pp. 36-39.

24) Marx, A Contribution to the Critique of Political Economy. Translated by N.I. Stone (Charles H. Kerr and co.: Chicago, 1904), pp. 207-208.

 ) Ibid.

25) Marx: “Letter to Engels, 8 October 1858”, in Marx-Engels Collected Works, vol. 29, P. 369.

26) أبرز مثال على هؤلاء: روزا لوكسمبرج وبوخارين ولينين. وبالطبع فهناك استثناءات، فالعديد من الماركسيين اللاحقين قد فهموا حقيقة هذا القانون وأنه لا يؤدي بذاته إلى انهيار الرأسمالية، وأبرزهم إرنست ماندل وديفيد هارفي.

27) Marx, Capital III. Translated by David Fernbach (Penguin: London, 1981), pp. 345-346.

توقيع “ماركس” كما ظهر على النسخة الاساسية والأصلية من كتابه الأشهر ” رأس المال”