aren

نحن والتوازن النسبي في ( سوريا … حرب العالم ) بقلم : د.فؤاد شربجي
السبت - 30 - يونيو - 2018

 

Worlds206

عرض تلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي ) عربي ، في الاسبوع الاخير من شهر حزيران ، فيلما وثائقيا عن الحرب في سورية ، بعنوان (سوريا حرب العالم) ، ورغم الامانة النسبية لدى صناع الفيلم ، لمبدأ التوازن بين أطراف القضية، ومع ان الفليم يشكل مادة اعلامية متقدمة جدا على مايقدمه الغرب من أعمال اعلامية حول سورية.

رغم كل ذلك ، فان هذا الفيلم يثير الافكار التالية :

1- عنوان الفيلم – كماقدمنا – : (سوريا حرب العالم) ، ويفهم منه ان مايجري هو (حرب العالم) ، دون ايضاح ، هل هي حرب العالم على سورية ؟ أم حرب العالم مع بعضه في سورية ، كساحة لتصفية الصراعات ؟

2- ان حرب العالم ، سواء أكانت على سورية ، أم في سورية ، فهي أولا وأخيرا حرب العالم ، مع بعضه وضد بعضه ، وليست حربا بين السوريين ، سواء مع بعضهم او ضد بعضهم !!.

3- اذا تركنا العنوان ، وركزنا على مادة الفيلم ، فاننا نجد انه يركز على المرحلة الممتدة من 2011 ، عند بدء الاحتجاجات ، وينتهي عند رجوع اوباما عن قرار ضرب سورية في عام 2013 ، أي أن الفيلم ومادته الوثائقية لم تغط الحرب السورية كلها ، والممتدة حتى الآن ، بل اكتفى بالمقطع الذي ذكرناه ، والسؤال ، هو لماذا ؟

4- اعتمد الفيلم على سردية تقول ، أن ماجرى ويجري في سورية ، هو (احتجاجات شعبية خرجت تطالب بالحرية ، فقامت الحكومة بقمعها بالقوة والرصاص)، وهذا النسيج المفهومي للفيلم، يخرجه عن موضوع عنوانه (حرب العالم) ، ويجعله حرب السوريين ضد الحكومة السورية ، أي ( حرب السوريين ضد السوريين ) وهذا خروج عن العنوان .

الا ان كان المقصود ، ان حرب السوريين هذه ، كانت حرب العالم مع بعضه ، ولكن على أيدي السوريين وبدمائهم واستقرارهم وأمنهم ، وهذا لم يتطرق له الفيلم ، واكتفى الحفاظ على صراع المعارضة السورية مع الموالاة السورية ، مع ميل مبطن لتأييد المعارضة ، وايحاء مبطن أكثر لاتهام الحكومة باستخدام العنف والقمع والسجن والتعذيب ، وهذا الاستبطان ، هو مادفعني لأقول : (انها أمانة نسبية لمبدأ التوازن بين طرفي الصراع) .

5- بعض الحقائق التي جاءت في الفيلم ، لم تؤخذ من قبل صانعيه ، كمادة للنقاش ، ثبوتها يفتح أمام الفيلم طريق الحقيقة ، كما حدث عندما رد اللواء محمد خضور على فكرة (الاحتجاجات السلمية) ، بانه وهو يضبط هذه الاحتجاجات ، أصيب أربع مرات ، وسأل صانعة الفيلم ، هل أصبت بالاحتجاجات السلمية ، وهل الاحتجاجات السلمية ، تؤدي الى اصابات نارية ؟

ربما اعتماد التوازن ، جعل الفيلم يكتفي بايراد هذه الشهادة ضمن التوازن النسبي الذي تحدثنا عنه ، دون تجاوزه الى أمورأخرى في تقديم الحقيقة.

6- ماحصل مع شهادة اللواء خضور ، تكرار مع شهادة وزير الخارجية القطري ، الذي اعترف بدعم النصرة ، باعتبار انها في البداية ، كانت (فصيلا سوريا) ، وعندما أعلنت صلتها بالقاعدة ، يقول الوزير القطري  (أوقفنا دعمها) .

والفليم ، أغفل ان النصرة ، جاءت من تنظيم الدولة الاسلامية في العراق لنصرة  أهل الشام ، أي انها من مصدرها (قاعدة ) ، ثم ايديولوجيتها المعلنة ، كانت واضحة انها ايديولوجية (ارهابية) ، ولكن كل ذلك لم يتم التطرق اليه ، واكتفى الفليم بماقاله الوزير القطري .

7- عندما تناول الفيلم دور قطر والسعودية وتركيا ، اوحى انه كان (دعما للمعارضة ضد الحكومة التي تستخدم العنف ضدها ) ، ولم يوضح الفيلم ان هذا الدعم ، هو تسليح وتدريب وادارة مسلحين وتزويد بالمعلومات والخطط ، لشن الهجمات على المنشآت والمباني والجيش والموالين، انه (تزويد بآلة الحرب وتدريب عليها) ، فهل هذه جزء من حرب العالم على سورية ؟

ان كان الامر كذلك ، لماذا لم يتم توضيحه ؟ ولكن الفيلم استمر يعمق فكرة ان دعم هذه الدولة للمعارضة ، لانها مظلومة ومضطهدة ، وغيب الفيلم حقيقة انها (المعارضة ) ، باتت فصائل مسلحة تقتل وتدمر وتتهجم على الجيش ، وعلى المنشآت العامة .

8- في موضوع الهجوم الكيماوي على الغوطة ، اكتفى الفيلم برد الدكتور فيصل المقداد ، ووصفه الامر على انه تمثيلية ، ومقابل ذلك ظل التركيز على ان الحكومة ، هي من ارتكب هذه الجريمة ، وأن اوباما خذل المعارضة ، عندما لم يقم بضرب سورية ، واستبدل تدمير سورية ، بنزع سلاحها الكيماوي . ورسخ الفليم ان تفادي ضرب وتدمير سيورية من قبل اميركا ، ما هو الا خذلان اوباما للشعب السوري ، واوحى الفيلم بالخيبة للشعب ، بينما يقول المقداد ، أنه نام ليلتها نوما مريحا .

وفي كل هذه الصورة ، اشارة خبيثة ، تفيد ان تراجع اوباما عن ضرب سورية ، خذل الشعب وأراح الحكومة !!! ، وقلت انها اشارة خبيثة ، اعترافا بمهارة صناع الفليم ، وتسجيلا لخلل في توازن الايحاءات والمعاني .

ان الحرب على سورية ، تحتاج الى الكثير من الاعمال الوثائقية لتوثق معناها ، ولتحفظ حقيقتها ، ولترسخ دروسها ، ورغم كل ماقد يفهم من الافكار التي اوردنها على فيلم ال(بي بي سي ) ، والمعنون ب(سوريا حرب العالم) ، ومع التمسك بكل ماتوحي به هذه الافكار من ملاحظات على الفيلم ، الا انه من الامانة الاعتراف ، ان الفليم هو أحسن ما يمكن ان يقدمه الاعلام الغربي ، وتوازنه النسبي أتاح الفرصة للقاعدة الموالية لتدلي برأيها ، وكل هذا يجعله مادة جيدة نسبيا ، ولابد من شكر صناعه.

والتساؤل المشروع ، لماذا لانقوم – نحن السوريين – بانتاج اعمال وثائقية تؤرخ لحقيقة ماجرى ويجري؟! والى متى سنظل نكتفي بالاعمال الدعائية ، التي تموت مع فوات الحدث ؟!

اننا نحتاج لتوثيق حقيقي وفاعل ومؤثر وجدي ، لكل مجريات الحرب على سورية ، لانها جزء من التاريخ دفعنا فيه ، الكثير من الدماء الذكية والشهداء ، وخسرنا فيه بنيتنا التحتية ومنشآتنا الاقتصادية .

فهل يحفز فيلم ال(بي بي سي) ، لنقوم بواجبنا التاريخي والاعلامي الوطني ، بالشكل اللائق بتضحيات شعبنا !.

أليس هذا التوثيق ، أساس من أسس اعادة العمران ، وصون الانتصار؟!!!.