aren

ناتو عربى أمريكى ولد ميتًا \\ كتابة : محمد المنشاوي
الإثنين - 25 - فبراير - 2019

 

تضغط الولايات المتحدة على أصدقائها العرب السنة من أجل تأسيس تحالف إقليمى عسكرى يعرف باسم «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجى» أو اختصارا بكلمة «ميسا» (MESA)، ويطلق عليه رمزيا «الناتو العربى». وترغب إدارة الرئيس دونالد ترامب فى تأسيس التحالف الذى يضم إضافة إليها ثمانى دول عربية، هى دول مجلس التعاون الخليجى الست ومصر والأردن. من هنا جاء اجتماع وارسو الوزارى الذى عقد يومى 13 و14 فبراير عاكسا لرؤية أمريكية لخريطة شرق أوسط جديد، يلعب العرب فيه دورا هامشيا خادما لمصالح واشنطن وإسرائيل دون اكتراث بأى مصالح حقيقية للشعوب العربية.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو نجم المؤتمر بلا منازع. واختار الوزراء العرب الاصطفاف «فى صورة جماعية للمشاركين» توسطها نتنياهو. ودفعت مشاركة مايك بينس نائب الرئيس الأمريكى إضافة لفريق إدارة ترامب المشرف على عملية سلام الشرق الأوسط وما يُطلق علية «صفقة القرن» من أهمية المؤتمر الشكلية على الرغم مما بدا من ارتباك حول تنظيمه ومستوى المشاركة وجدول أعماله. وتربط بعض التقارير كذلك بين فكرة التحالف الاستراتيجى وملف التطبيع الخليجى مع إسرائيل، إذ تعتقد إدارة ترامب أن من شأن آلية التحالف أن تقرب بين إسرائيل والدول الخليجية لما يجمعها من هدف رئيسى يتمثل فى مواجهة إيران.

وأشار وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو فى كلمته بالجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى أن العرب وإسرائيل يواجهون نفس العدو فى إشارة لإيران، ولم يتحدث عن الاحتلال لأراضى الفلسطينيين ولا عن حقوقهم. وللأسف لا يزال الكثير من الحكام العرب يؤمنون أن بوابة رضاء واشنطن تتمثل فى علاقات حميمة تجمعهم بإسرائيل.

وسيذكر التاريخ أن ممثلى حكام دول عربية احتشدوا فى عاصمة أوروبية جنبا إلى جنب مع رئيس الوزراء الإسرائيلى الأكثر تطرفا فى تاريخها (يتوسط الصورة) تلبية لدعوة إدارة أمريكية (فرضت حظرا على دخول مواطنى عدد من الدول الإسلامية واعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقلت السفارة إليها) من أجل إعادة تشكيل خريطة تحالفات الشرق الأوسط بحيث يتم تجاهل قضية فلسطين ومصير القدس مقابل الإيمان بوجود خطر وجودى من إيران التى احتفلت قبل أيام بالذكرى الأربعين لانتصار ثورتها.

ويمكن تفهم الموقف السعودى بشأن الرغبة فى التقرب من إدارة الرئيس ترامب وحماسها لمشروع التحالف الاستراتيجى من خلال ثلاث نقاط: الأولى، اختارت الرياض أن تتجاهل تجاوزات ترامب المسيئة للسعودية وشجعها خطاب ترامب المعادى للاتفاق النووى مع إيران وإقدامه على الانسحاب من الاتفاق النووى وإعادة فرض عقوبات قاسية على إيران.

الثانية، مواجهة قانون جاستا Justice Against Sponsors of Terrorism Act ومعناه العدالة فى مواجهة رعاة النشاط الإرهابى، والذى أقره الكونجرس بما يشبه الإجماع قبل نهاية عام 2016، وفُصل هذا القانون كى يتم من خلاله توجيه الاتهام للمملكة السعودية وأعضاء أسرتها الحاكمة بالضلوع بصور مباشرة وغير مباشرة فى هجمات 11 سبتمبر 2001. ويرى البعض أن مواقف الرياض مرتبطة بما تراه وتأمله من أن هذه الترتيبات قد تجنبها أى مساءلة مستقبلية طبقا لقانون جاستا.

ثالثا، يتقاطع حماس الرياض مع رغبة الرئيس ترامب فى إظهار أهمية ومكانة السعودية الجيوستراتيجية، وهو ما دفعه لعدم اتخاذ موقف متشدد من مقتل الكاتب الصحفى جمال خاشقجى، على العكس من الكونجرس الذى يتخذ موقفا أكثر تشددا ضد الرياض وضد ولى العهد محمد بن سلمان. وقد أشارت تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية لمسئولية بن سلمان عن عملية القتل، وهو الطرح الذى اختار ترامب أن يتجاهله، على الأقل حتى الآن.

تدفع الخلافات التى تجمع الأعضاء العرب المعنيين بالتحالف الاستراتيجى للاعتقاد أن تأسيس التحالف الاستراتيجى يعد فكرة صعبة التنفيذ. ومنبع هذه الخلافات بالأساس يتمحور حول عدم اتفاق دول التحالف على تحديد مصادر التهديد التى تواجهها. ترى السعودية والإمارات والبحرين إيران كخطر كبير يجب مواجهته بكل السبل. وعلى النقيض لا تؤمن بقية دول التحالف بأن إيران تمثل الخطر الأول عليهم. كما يمثل انخفاض مستوى الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء تحديا آخرا أمام تشكيل أى تحالف. وتعمقت أزمة الثقة بين أطراف التحالف العربية على خلفية أزمة مقاطعة قطر بريا وجويا، من أربعة أعضاء من بين دول الحلف الاستراتيجى.

وتعد الأزمة الخليجية من بين أهم التحديات التى تواجه بناء التحالف الاستراتيجى خاصة مع جمود جهود الوساطة بين أطراف الأزمة التى تقوم بها الكويت أو حتى تلك التى حاولت من خلالها واشنطن. ومن الصعوبة بمكان تصور تأسيس التحالف الاستراتيجى ما لم يتم حل الأزمة الخليجية خاصة بعد استقالة المبعوث الأمريكى لحل الأزمة الجنرال أنتونى زينى ليأسه من تحقيق أى نجاح.

من ناحية أخرى، تؤثر تبعات أزمة مقتل الكاتب الصحفى جمال خاشقجى وتداعياتها غير المسبوقة على العلاقات الأمريكية السعودية على أى أفكار تتعلق بالتحالف الاستراتيجى. ويمثل الموقف المتشدد الذى اتخذه الكونجرس تجاه المملكة السعودية، إضافة لما يتوقع من تشريعات جديدة، قد تعقد أى ترتيبات أمنية مستقبلية. وينظر الكونجرس فى عدة تشريعات تحد من مبيعات السلاح للسعودية، وتحد من التعاون والدعم العسكرى المقدم للتحالف العربى فى اليمن.

حددت الإدارات الأمريكية منذ الثورة الإيرانية ثلاثة عوامل اعتبرت الإخلال بأحدهم سببا كافيا للقيام بعمل عسكرى ضد إيران. أولها الهجوم أو الاستعداد للهجوم على حلفاء واشنطن فى المنطقة كإسرائيل أو الحلفاء الخليجيين، ثانيها محاولة إعاقة تصدير النفط من الخليج، وآخرها الحصول على أسلحة نووية. وتمسكت الإدارات الأمريكية بضرورة التواجد فى المنطقة عسكريا والتنسيق والتعاون مع الدول الخليجية. وتتضمن رؤية واشنطن لردع إيران تواجد ما يقرب من 35 ألف جندى أمريكى فى دول مجلس التعاون الخليجى. يتوزع التواجد العسكرى الأمريكى فى عدة قواعد عسكرية منها قاعدة العديد الجوية فى قطر، وقاعدة الدعم البحرى فى البحرين، وقاعدة الظفرة الجوية فى الإمارات ومعسكر العريفجان فى الكويت.

واستطاعت واشنطن بناء منظومة عسكرية للأمن الخليجى عمادها تواجد عسكرى كثيف ومباشر فى دول مجلس التعاون بدون استثناء، إضافة لتسليح دول هذه المنطقة وتدريب جيوشها فى مناورات مشتركة تجمعها بدول المجلس مجتمعة وبصورة فردية أيضا. ولا تحتاج واشنطن لتأسيس تحالف جديد، ولا يحتاج العرب لتأسيس تحالف جديد، إلا ربما حفنة منهم تؤمن بضرورة التودد لنتنياهو من أجل إرضاء واشنطن.. ولا يدل ذلك فقط على جهل كبير بواشنطن، بل جهل بتوازنات الشرق الأوسط ذاتها.

“الشروق”