aren

مَنْ بَعدَ «البشير». سيهبِط في مطار دمشق؟ \\ كتابة : د.محمد خروب
الخميس - 20 - ديسمبر - 2018

07236364

ذهَب بعض المُعلّقين بعيداً في قراءاتهم لأبعاد الزيارة السريّة أو المفاجِئة او غير المُتوقَّعة (سمّها ماشِئت),التي قام بها الرئيس السوداني عمر البشير لدمشق,كأوَل «زعيم» عربي يهبط في مطار العاصمة السورية بعد أزيد من سبع سنوات,انخرَطت فيه معظم الدول العربية في الحرب على سوريا بشكل أو آخر,ولم يُوفِّر بعض العرب جُهدا او يضيع فرصة لإطباق الحصار على «النظام»السوري,سواء كان سياسياً أم دبلوماسياً وخصوصاً اقتصادِياً وتجارِياً,محمولاً ذلك كُله على مقاطعة شامِلة وانخراط بحماسة مُفرطة في تزويد المنظمات والجماعات الإرهابية(أيّاً كان خطابها ومرجعياتها),بكل ما يلزم من عتاد وعديد وأموال وملاذات آمنة ومنصّات إعلامية,حتى بدا للحظة,ان هؤلاء (مُشغِّلو الجماعات الارهابية) قد باتوا على قناعة,بان سقوط «النظام» السوري لم يعد سوى مسألة وقت.

بل هم أسهموا في»توفير»قادة سوريا الجديدة,واقتسَمَت بعض العواصم العربية بدعم غربي وخصوصاً أميركي وتركي,المناصب والمواقع والحصص التي سيتولاها مُرتزَقتها, ممن وُصِفوا بالمعارَضة السورية،ما «استولدوه» من هياكِل مُصطَنعة,كالمجلس الوطني السوري اولاً,ثم أطاحوه لصالح هيكل كرتوني جديد اطلقوا عليه وصف»إئتلاف الثورة والمعارَضة»أشرَفَت على ولادته ورعايته هيلاري كلينتون,الى ان انتهى الامر بما تبقّى من مُعارَضات «تذرّرت»..بـ»هيئة تفاوُض»أُجلِسَ على رأسها نصر الحريري الذي لا يجد الآن مَن يجتمع به او يُهاتفه،ناهيك عن «الحكومات السورية المؤقتة»التي استولدوها هي الأخرى ونفخوا فيها عبثاً,لكنها خيّبَت الآمال ولم يجد فيها المُشغّل التركي خصوصاً,اي فائدة سوى التلطّي خلفها واستخدامها قناعا لغزو الاراضي السورية واحتلالها والبدء بتتريك اريافها ومدنها.

ما علينا..

أغلَقَت حقائق الميادين العسكرية الباب على مُخطط إسقاط الدولة السورية,ولم يعد ثمة امام جبهَة او تحالفِ او معسكر داعمي ومشغّلي الجماعات الارهابية,سوى الانكفاء او الاعتراف بالهزيمة او استدراك ما يمكن استدراكه,بعد ان تغيّرت المعادلات الاقليمية وبات مشروع»الهيمنة على سوريا واستتباعِها»الذي حَلُم به بعض العرب بدعم من عواصم الغرب الاستعماري,في حكم المُنتهي، الامر الذي استوجب التفكير بخيارات سياسية او دبلوماسية اخرى,على شكل استدارات او تحرّكات وإشارات تأخذ طابَع المفاجأة, وتُحضّر لأجواء ومناخات جديدة، لا تعترف بفشل مشروعها بقدر ما تحاول الالتفاف عليه, والايحاء بانها في صدد العودة الى»ثوابت» عربية قديمة طالما ادارت لها معظم الانظمة العربية ظهورها,ورأت فيها وبخاصة ميثاق الجامعة العربية,»تراثا» قديما آن الأوان لتجديده او إطاحته لصالح نظام عربي جديد بقيادات وخطاب سياسي مُختلِف,يلحظ تعريفا مُغايرا «للعدو» ويؤسس لمعادلات وتحالفات اقليمية,لا تتمسّك بخطاب «عروبي» يصِفونه بـ»الخشَبِي»لم يَعُد مَن يدافَعون عنه,يمتلكون القدرة ولا الامكانات لتسويقه حتى داخل المجتمعات العربية.

التي أسهمت بعض الانظمة العربية الداعِمة الى استيلاد خطاب عربي جديد(وعصري كما يصفونه),في تفخيخها وإفقارها وتجويعها,ودفع شبابها الى التزمّت والتطرّف والغُلو,المترافِق بل المحمول على عُنف وتكفير وفتاوى تبيح القتل والسبي والإغتصاب.

هل ابتعدنا عن اسباب وتداعيات ومفاجآت زيارة «البشير» لدمشق؟

ليس تماما بل ان زيارة الجنرال السوداني «السرية» التي لم يتم الكشف عنها الا بعد انتهائها،ما كان لها ان تتم لولا ارتباطها الوثيق بما انتهت اليه سنوات الحرب السبع على سوريا،وما ترتّب على المشهد الجديد الذي فرض نفسه على المنطقة بعد هزيمة مشروع اسقاط الدولة السورية، وتقسيم المنطقة ونشر الفوضى فيها.

لهذا وبصرف النظر عن الأبعاد «السودانية»وخصائص وسياسات النظام نظام الجنرال البشير وتقلّبات وتنقّلاته المفاجِئة بين المعسكرات والأحلاف القديمة او المستجدة في المنطقة وعلى تخومها وربما عبرها،فان الزيارة في حد ذاتها أحدثت «خرقاً»أيّاً كان حجمه,في جدار الحصار الذي اراد بعض العرب وبتحريض ودعم غربي فَرْضَه على دمشق,فضلاً عمّا يمكن لهذه الزيارة ان تُؤشر عليه من فشل وبؤس في الدور الذي نهضت به جامعة الدول العربية,التي استخدمها البعض العربي والغربي خصوصاً في بداية الحرب على سورية,كمنصّة لعزلها وحصارها,وترويج وتسويق لمعارضات سورية مُصطنعة,تم خلالها توظيف أسوأ انواع معارك تصفية الحسابات والاحقاد الشخصية وغيرها من المقارَبات الرديئة,التي حفِل بها الخطاب السياسي العربي منذ صعود أنور السادات الى الحكم,وبروز أدوار جديدة/قديمة لأنظمة عربية مُعيّنة,ظَنّت ان فرصتها قد حانت للانتقام من «التاريخ»الذي كتبته خمسينات وستينات القرن الماضي.

في السطر الأخير،أيّاً كانت القراءات لأبعاد وتداعيات واصداء زيارة الرئيس السوداني لدمشق,فان ما يلفت الانتباه في المشهد الجديد هي «الهستيريا» التي استبدّت بما تبقّى من رموز بالية وباهتة للمعارَضات السورية على تلك الزيارة,وحَمْلَة الاساءة والشيّطنة للجنرال البشير،الذي راهنت بعض المعارَضات على بعض مواقفه وتحالفاته طوال الفترة الماضية،لكنها وجدت نفسها وقد ازدادت عُزلتها وتعمّق إفلاسها وبخاصة إدراكها ان زيارة البشير لن تكون الاخيرة لدمشق,وستتبعها زيارات ورسائل و»وساطات» مُفاجِئة «جداً»‘من أطراف ودُوَلٍ,لم يكن هؤلاء المُفلسون البائسون,يتوقّعون حدوثها حتى في أسوأ كوابيسِهم.

” الرأي ” الأردنية