aren

من سيوجه طالبان هذه المرة : “باكستان أم قطر” ؟ \\ كتابة : بوبي جوش و حسين إيبش
السبت - 4 - سبتمبر - 2021

بينما تستقر حركة طالبان في مهمتها الجديدة، المتمثلة في حكم أفغانستان للمرة الثانية، فإن أي أمل في تجنب تكرار شكل حكمها للبلاد في المرة الأولى قد يعتمد على التنافس على النفوذ في كابول بين باكستان وقطر، إذ ستحدد النتيجة الدور الذي يمكن أن يلعبه العالم الأوسع، وخاصة الغرب، في البلاد بعد انسحاب القوات الأمريكية.

ويبدو أن معظم الأفغان، وكذلك الحكومات الأجنبية ووكالات المساعدات والمانحين والمستثمرين، ينجذبون للدوحة أكثر من إسلام أباد، إذ إن أداء حكومة طالبان السابقة تحت الوصاية الباكستانية لا يبعث على التفاؤل بشأن الكيفية التي ستسير بها الأمور هذه المرة، ولكن لا يمكن أن يدفع القطريون الوضع لما هو أسوأ.

وسيتحدد الفائز فى هذه المنافسة إلى حد كبير من خلال منافسة أخرى داخل طالبان نفسها، فعلى الرغم من أن الحركة يتزعمها هبة الله أخوند زادة، فهي ليست كتلة واحدة، إذ إن قطر متحالفة مع الفصيل السياسي بقيادة الملا عبدالغنى باردار، بينما تدعم باكستان الجناح العسكري الذي يتزعمه أمثال محمد يعقوب، نجل زعيم الحركة السابق الملا عمر، وسراج الدين حقاني، رئيس شبكة حقاني، التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها جماعة إرهابية.

وقد تبدو الأمور جيدة على المستوى الظاهرى بالنسبة للقطريين، حيث وصل بارادار، الذي يعيش فى الدوحة منذ ثلاث سنوات، إلى كابول، ومن المتوقع أن يرأس الحكومة الجديدة، كما يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قد قررت أنها يمكن أن تتعامل معه، حيث أجرى مدير وكالة المخابرات المركزية (سى آى إيه) وليام بيرنز محادثات سرية معه، يوم الاثنين.

وسيؤدي ذلك إلى إثارة قلق الباكستانيين، الذين يُعتقد أن علاقتهم ليست جيدة مع بارادار، إذ قاموا بإيوائه بعد هزيمة طالبان بقيادة الولايات المتحدة، ثم اعتقلوه في عام 2010، وبحسب ما ورد فقد تعرض للتعذيب في الأسر، وفي المقابل فقد كان القطريون يعاملونه باعتباره القائد المنتظر لأفغانستان، كما أقاموا علاقات قوية مع الآخرين في فصيله.

إيبش
بوبي

ولكن حتى لو كان بارادار يرأس الحكومة، فإن القوة الحقيقية في طالبان تكمن في مجلس شورى أخوند زادة، والذي يتمتع يعقوب وحقاني بنفوذ كبير فيه، فمن عام 1996 إلى عام 2001، عندما كانت طالبان تحكم البلاد، كان المجلس الأعلى في قندهار يلغي القرارات التي كانت تتخذ فى كابول بشكل روتيني.

وفي حال بات أنصار باكستان هم الفصيل المهيمن، فإنه من المرجح أن تكون إسلام أباد الوسيط الرئيسي بينهم وبين العالم، وهو الوضع الذي يبدو أننا قد رأيناه من قبل، ولكنه انتهى بشكل سيئ، ففي المرة الأخيرة التي حدث فيها ذلك، فإنه بدلاً من تشجيع طالبان على تطوير دولة حديثة وشاملة، انغمست باكستان في أيديولوجية الحركة الظلامية، ودافعت عن نظرتها المتشددة للعالم وقبلت بأجندتها الداخلية الرجعية.

ولقد دفعت الحكومات الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، مبالغ كبيرة مقابل الخدمات الباكستانية لتوجيه البلاد لطالبان، لكن هذا لم يؤد إلا إلى إثراء وتمكين المؤسسة العسكرية والاستخباراتية فى إسلام أباد، ولم يفعل شيئًا للتخفيف من معاناة الشعب الأفغاني أو التهديد الإرهابي الصادر من بلدهم.

وبعد سقوط طالبان في عام 2001، وفرت باكستان الملاذ الآمن لأعضاء الحركة لإعادة تجميع صفوفهم وإعادة تسليحهم والعودة إلى المعركة، وعلى مدى السنوات العشرين الماضية، لم تبذل الحكومات في إسلام أباد سوى القليل من الجهد لتحسين موقف ضيوفها، والآن بعد أن عادوا إلى السلطة، فإنه من الصعب أن نتخيل أن باكستان ستخفف من ميولهم المتطرفة.

ولكن هل يمكن لقطر أن تفعل ما هو أفضل؟ فعلى مدى العقد الماضي، برزت الإمارة الصغيرة كوسيط فعّال بين الغرب وطالبان، ومن خلال التوسط في مفاوضات السلام في الدوحة، مهد القطريون الطريق للانسحاب الأمريكي وعودة المتمردين إلى السلطة، وستعتمد محاولتهم للتأثير في كابول على مدى امتنان بارادار للخدمات التى تم تقديمها إليه، ورغبته في المزيد من الخدمات، ففي حال كانت طالبان تريد اعترافًا دوليًا بحكومتها، فإن الرعاية القطرية ستكون أكثر فاعلية من رعاية باكستان، التي ينظر إليها الغرب بعين الشك.

وإذا كانت الحركة تريد المال، المتمثل في المساعدات أو الاستثمارات، فإن الدوحة لديها أموال أكثر بكثير من إسلام أباد، وسيكون هذا مهمًا بشكل خاص في الأشهر الأولى من الإدارة الجديدة للبلاد، عندما تحجم الحكومات الغربية والمانحون عن التمويل، حتى تعترف بالحكومة الجديدة، وحتى لو ظلوا مرتابين من طالبان، فإن أولئك الذين يميلون إلى الاستمرار في مساعدة السكان الأفغان سيشعرون براحة أكبر في استخدام قطر كقناة لإيصال هذه المساعدات بدلاً من الاعتماد على باكستان.

ولكن لا يمكن استبعاد أنصار طالبان القدامى من المعادلة بشكل كامل، وذلك لأن الباكستانيين يتمتعون بميزة كبيرة في القرب من كابول، إذ تشترك الدولتان في حدود برية طولها 1650 ميلاً، بينما تفصل بين قطر وأفغانستان مساحة إيران والخليج العربي كله، كما يتشارك الباكستانيون والأفغان أيضًا على المستويين العرقي والثقافي بشكل لا يستطيع القطريون مضاهاته.

والأهم من ذلك أن للدولة الباكستانية تاريخا قديما مع حكام كابول والذي يعود إلى بداية ظهور طالبان نفسها، والتي تمت ولادتها إلى أيدى أجهزة استخبارات إسلام أباد، في أوائل التسعينيات، ولكن توترت بعض هذه العلاقات عندما مكنت حكومة الجنرال برويز مشرف الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان عام 2001، ولكن لم تكن الحركة لتنجو دون استمرار الدعم الباكستانى السرى لها، فقد يكون بارادار قد عانى على أيدي سجانيه، لكن كثيرين في الجناح العسكري، من القادة والمقاتلين على حد سواء، سيشعرون أنهم مدينون لإسلام آباد بالكثير.

وأخيرًا، فإن باكستان لديها أيضًا الكثير من الأمور على المحك، فبالنسبة للدوحة، فإن وجود حكومة فى كابول لديها علاقات ودية معها سيكون بمثابة نتيجة جيدة للغاية، أما بالنسبة لإسلام أباد، فإن هذا يعتبر بمثابة ضرورة وجودية لأنه لطالما رأت العقيدة العسكرية الباكستانية أن أفغانستان توفر للبلاد «عمقًا استراتيجيًا» في تنافسها مع الهند، ولذا، فإنه من المتوقع أن تقاتل باكستان بقوة أكبر بكثير من قطر من أجل الحصول على النفوذ في أفغانستان.

“المصري اليوم”