aren

من “سيفر” الى ” لوزان” \\ كتابة : محمد نورالدين
السبت - 25 - يوليو - 2020

الحدود التي يطالب بها أردوغان وحزبه اليوم هي كل أرض وطئتها أقدام الجنود العثمانيين في العالم.

أراد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من إقامة أول صلاة في آيا صوفيا، بعد تحويلها إلى مسجد، أولاً كسب أكبر عدد ممكن من أصوات القوميين الأتراك والفئات الدينية بتصوير القضية على أنها قضية وطنية تركية، لعلها تفيده في انتخابات الرئاسة المقبلة. وأراد ثانياً أن يظهر كزعيم عالمي يتحدى «بلاد الكفار» من خلال أحد رموزهم الدينية الأساسية.

أما السبب الثالث فيتعلق بتاريخ افتتاح الجامع أمس (الجمعة) الذي يصادف يوم 24 يوليو/تموز. ولو أن هذا التاريخ لم يصادف نهار جمعة لكان أردوغان افتتح الجامع بصلاة ظهر مع الحشد الكامل لها في التاريخ نفسه. أي أن التاريخ، وليس اليوم، هو الأهم في هذه المناسبة.

في 24 تموز 1923 كانت تركيا بقيادة وزير الخارجية عصمت إينونو توقّع في مدينة لوزان السويسرية معاهدة هي الأهم في تاريخ تركيا الحديث. وشاركت في المحادثات التي استمرت عدة أشهر على دفعتين القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. وقياساً إلى المعاهدات القاسية للدول المنتصرة مع المهزومين، فإن معاهدة لوزان كانت أقل قساوة.

وبمعزل عن التفاصيل الطويلة جداً في المعاهدة، فإن هذه حررت تركيا أو ثبّتت اتفاقيات منفردة سبقتها، ورسمت بالتالي القسم الأعظم من حدود تركيا الجغرافية. كما أن المعاهدة رسمت طبيعة الدولة والمجتمع من خلال تحديد وضع الفئات الدينية والعرقية الأخرى. فأعطت الكثير للمسيحيين واليهود، فيما أنكرت وجود الأقلية العرقية الأكبر، أي الأكراد الذين ذهبوا ضحية توافق القوى الكبرى.

وقد وصف زعيم تركيا حينها مصطفى كمال (أتاتورك) الاتفاقية بأنها نصر تاريخي لم تشهد تركيا مثيلاً له.

حققت معاهدة لوزان لتركيا مكسبين مهمين: الأول تحرير ما تبقى من أراضٍ في الأناضول بالديبلوماسية بعدما كان تحرر قسم منها بالقوة العسكرية، وبالتالي انسحاب القوات المحتلة من بريطانية وفرنسية وإيطالية ويونانية وغيرها من تركيا بحدودها المعروفة حالياً. والمكسب الثاني هو اعتراف هذه القوى وعصبة الأمم بتركيا الموحدة والحديثة. بل باتت تركيا تحتفل كل عام بتاريخ توقيع المعاهدة على أنه «عيد»، إلى أن ألغي الاحتفال به في العام 1955 في عهد حكومة عدنان مندريس «الإسلامي».

منذ صيف 2016 بدأت تتكرر رسمياً على لسان أردوغان عبارات تنتقد معاهدة لوزان وترى فيها هزيمة، وأنها ليست انتصاراً كما يروج من فرّطوا بأراضي تركيا. وكان يسدد السهام بذلك على أتاتورك. وبدأت تظهر مواقف تشير إلى رفض تركيا أن «تُحبس» داخل حدودها الحالية. وبات خطاب العودة إلى حدود الميثاق الملّي في يناير 1920 لازماً لمسؤولي ومنظّري حزب العدالة والتنمية. مع فارق أن الحدود التي يطالب بها أردوغان وحزبه اليوم هي كل أرض وطئتها أقدام الجنود العثمانيين في العالم.

طوت لوزان اتفاقية «سيفر» التي كانت وقّعت بالأحرف الأولى في 10 آب 1920. وكانت سيفر بحضور الدول المنتصرة في الحرب قد فرضت تقسيم تركيا إلى مناطق نفوذ فرنسية وبريطانية وإيطالية ويونانية مع إنشاء حكم ذاتي للأكراد في جنوب شرق الأناضول وتأسيس دولة أرمينيا الغربية المستقلة في المناطق الشرقية. مع إبقاء وسط الأناضول ومن ضمنها مدينة أنقرة للدولة التركية التي ستنشأ على أنقاض الدولة العثمانية. كانت اتفاقية سيفر كارثة على القوميين الأتراك. لذا كانت معاهدة لوزان اللاحقة انتصاراً لهم بكل معنى الكلمة وطيّاً لاتفاقية سيفر.

مع ذلك، فإن التيار الديني في تركيا من مندريس إلى أردوغان لم يتخل في خطابه عن هدف إلغاء لوزان. والمعزوفة الجديدة التي يرددها أردوغان وحزبه هي أن حدود تركيا أكبر بكثير من حدودها الحالية، وحيث كان يوجد كل عثماني. وبعد بدعة الميثاق الملّي واحتلال الجيش التركي شمال سوريا والتمركز في مناطق متعددة في شمال العراق، ظهرت بدعة «الوطن الأزرق» التي تعني توسعاً بحرياً تركياً سواء في البحر المتوسط وشمال إفريقيا أو في البحر الأسود وهو ما فعله في ليبيا (وعملياً في تونس، في ظل هيمنة حركة النهضة على الحياة السياسية).

أمس كان أردوغان يعلن بدء الحرب على لوزان، التي تصادف بعد ثلاث سنوات الذكرى المئوية لتوقيعها. لكن رئيس وزراء اليونان السابق ألكسيس تسيبراس، كان ردّ على أردوغان عام 2016 بالقول إن التخلي عن معاهدة لوزان يعني تلقائياً العودة إلى اتفاقية سيفر. فهل النهج التوسعي لحزب العدالة والتنمية اليوم سينتهي، إلى انهيار تركيا الحالية، كما انتهت سياسات الاتحاد والترقي إلى انهيار الدولة العثمانية؟ وتكون تركيا بالتالي أمام «سيفر جديدة» التي تصادف الذكرى المئوية لتوقيعها بعد أسبوعين؟

“الخليج”الاماراتية