aren

من الممانعة إلى الممالحة: 17 أيار بحري؟\\ كتابة : جهاد الزين
الثلاثاء - 6 - أكتوبر - 2020

قبلت إيران عبر ذراعها اللبناني، التفاوضَ المباشر بين لبنان وإسرائيل على ترسيم الحدود بين الدولتين وخصوصا الحدود البحرية التي أصبحت حدودا لِحَقِّ استثمار الغاز بينهما.

أيا تكن الأسباب الخاصة بموقع إيران في الصراع مع الولايات المتحدة، لاشك أن صانع القرار الإيراني يأخذ على الأرجح أن من فوائد هذه السياسة التفاوضية الجديدة “إراحة” لبنان الذي تحمّل، كما يُفترض للإيراني أن يقول لنفسه، تحمّل كثيرا بما يتجاوز طاقته أثمان الاستراتيجية الإيرانية.

هل كانت هذه الجوهرة، لبنان، في التاج الإيراني ستنفجر لولا هذا التحول؟ التنازل يقدّمه الأقوياء. هكذا قيل في واشنطن عندما فاز الليكود بالانتخابات الإسرائيلية عام 1977 وحصلت مبادرة الرئيس أنور السادات من أن مناحم بيغن القوي واليميني هو الذي يستطيع اتخاذ قرار الانسحاب من سيناء وتفكيك المستوطنات فيها. وهذا ما حصل فعلا.

وهكذا قيل في لندن عام 1998 بعد “اتفاق الجمعة العظيمة” بين الحكومة البريطانية والجيش الجمهوري الإيرلندي المسلّح والذي كان يخوض حرب عصابات ضد الجيش البريطاني من أن الجيش الجمهوري هو الذي يستطيع أن يقيم السلام في إيرلندا الشمالية بين الكاثوليك وبين البروتستانت.وهكذا بدأ يُقال في لبنان. تقوم إيران إذن بتغطية القرار التفاوضي. عدا ذلك كلام للاستهلاك حتى لو “ذُعِر” القوي (لبنانيا)من الكلام عنه.

كم تَنازلَ أو لم يتنازل المفاوضُ في حقل 9 الغازي الجنوبي اللبناني أكثر أو أقل من نسبة التنازل المحكى عنها قبل أن يبدأ التفاوض؟. هل نحن أمام 17 أيار بحري في لبنان؟ لا نعرف حتى الآن ما هو مفترَض أن يكون متروكاً للتفاوض. لأن الماكينة الإعلامية للطرف اللبناني المفاوض عبر الدولة اللبنانية، ستقدِّم الأمور مهما حدث على أنها إنجاز وطني لن نعرف معه الحقيقة حتى أمد طويل مثلما سبق للذراع اللبنانية القوية لإيران وعلى مدى عقود إلى اليوم أن غضّت النظر عن تدفق الثروة المائية اللبنانية إلى داخل إسرائيل عبر مجرى نهر الحاصباني وامتداده نهر الوزاني أو ما يعرف عربيا بـ”روافد نهر الأردن”.

هذا التبديد للثروة المائية المسكوت عنه تحت ضجيج قرقعات الصراخ في مسائل مغايرة، هل سيكون له مكان على الطاولة الغازيّة، المعلنة أو غير المعلنة؟ لا يسأل أحدٌ عن ثروتنا المائية التي لا تزال تتدفّق “حرّةً” إلى داخل إسرائيل ولكن عندما سيتعلّق الأمر بثروتِنا الغازية في البحر، في الحقل 9 ستكون الأمور أصعب على الماكينة الإعلامية اللبنانية المعنية تبرير أي تنازل حيالها إذا كان الطرف الإيراني ذاهبا فعلا إلى تنازلات فضائحية لإرضاء الأميركيين.

لن نستبق التفاوض المباشر الذي سيبدأ في الرابع عشر من هذا الشهر برعاية وإشراف أميركي مباشرَيْن. لكن المؤشرات تدل أن هناك اتفاقات سرية أميركية إيرانية تضمن الوصول إلى تسوية تستطيع الماكينة اللبنانية المعنية أو تظن أنها تستطيع تبريرها.

الإيرانيون هم أرباب المفاوضات السرية. دهاؤهم التفاوضي معروف ولكنهم هنا في الناقورة، في هذه الزاوية الأخطر من شرق البحر الأبيض المتوسط محشورون في ارتباط العملية التي يقومون بها عن بُعد بمصالح إسرئيلية اقتصادية مباشرة من جهة، وفي كونها تأتي في لحظة انسداد الأفق الاقتصادي الخطيرة أمام الدولة اللبنانية التي باضت لهم ذهبا جيواستراتيجيا حتى الآن، قبل أن يصبح هذا البيض معرّضا للتكسُّر تحت ضغط الانهيار السياسي والمالي والأخلاقي للطبقة السياسية اللبنانية بكاملها، وذراعهم اللبنانية الناجحة جزء منها.

هناك انتقال إيراني قد يصبح عميق الأثر يبدأ في لبنان من سياسة استثمار اللااستقرار في المنطقة وصناعته، إلى سياسة جديدة تدعم الاستقرار لأن ما هو مطروح عمليا، وقد قالها الإسرائيليون علناً، ودايفيد شنكر بالفم الملآن السعيد، هو اتفاق يدعم الاستقرار الذي ينتظره اللبنانيون.لا زلنا عشية الاختبار اللبناني. اختبار استراتيجي ولو جزئي، منظوراً إليه من مدى الصراع الأميركي الإيراني الأوسع.لعبة شيّقة وخطرة وواضحة. سيبدي الإيرانيون “حسن نواياهم” أيا تكن إخراجات الماكينة المحلية اللبنانية وقد فعلوها شكلاً حتى الآن.

نقلة الشطرنج هذه في البيدق المتحرك من الجزء الضيّق اللبناني على الرقعة الأوسع قد تنطوي على بداية جديدة ما خارج لبنان.ومن يدري داخل لبنان.هذا هو بلدنا الصغير لبنان في لحظة مدهشة. الساحرة تلجأ إليه بتعويذة مختلفة، لترفع اللعنة، لا عنه بل عنها أساسا وبذلك ربما اعتقدت أنها تتوسل سلاماً في جحيم مترامٍ بَنَتْ كل كفاءتها على الاستثمار فيه. والثنائي الشيعي بعد العديد من محطات الظهور خارج النسيج اللبناني، يأخذ فرصته ولو عنوةً، في إدارة عملية استقرارية غير مضمونة مع من بنى كل شرعيته على خطاب العداء لها.

هل “سينسحب” لبنان من لبنان ( الجزء العائد لنا في المربع 9) إلا جزئيا؟ ولن تدخل إسرائيل علينا إلا جزئيا.من سينال جائزة السلام جزئياً أيضا؟أخيرا على مستوى الحدود البرية ليست مزارع شبعا وحدها محتلةً وهي ملتبسة الملكية بين لبنان وسوريا، هناك مياه محتلة هي مياه الحاصباني الوزاني التي تتدفق بلا عوائق إلى الأراضي والمشاريع الزراعية الإسرائيلية في الجليل. وهي كاملة الملكية، كينابيع، للبنان.

“النهار”اللبنانية