aren

من البائس إلى الأكثر بؤساً \\ كتابة : جهاد الزين
السبت - 2 - أكتوبر - 2021

زارت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل خلال فترة حكمها التي امتدّت 16 عاماً، وانتهت مؤخراً، زارت الصين 12 مرة.. بعض هذه الزيارات كانت السيدة ميركل تُشكِّل فيها وفداً من ثلاثمائة شخص من رسميين ومساعدين وخبراء ورؤساء شركات كبرى، حتى بلغ حجم التداول التجاري مع الصين 200 مليار دولار عام 2018. كانت الطائرة التي تنقل الوفد بل الوفود الألمانية ممتلئة المقاعد . كان بين المسافرين رؤساء مجالس إدارة BASF و BMW ودوتشبنك وسيمنز، تلك المؤسسات الألمانية العملاقة.

حسب تقديرات صحيفة “اللوموند” الفرنسية والمبنية على أرقام تقرير أميركي فإن الصين أنفقت 843 مليار دولار في العشرين عاما المنصرمة في 163 بلداً “ذات عائدات ضعيفة أو متوسطة” أي ما يعادل ست مرات مجموع الموازنات التي خصصها مشروع مارشال الأميركي لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. وبما أنني لبناني وأكتب من بيروت عليّ أن أذكِّر أيضا أن حجم الودائع التي خسرها المودعون اللبنانيون والعرب في المصارف اللبنانية في ظل الانهيار المالي والاقتصادي اللبناني المستمر تُعادل مجموع إنفاق مشروع مارشال حسب ما جاء في البيان الذي وضعته مجموعة من 150 لبناني في الدياسبورا والداخل في نيسان المنصرم ونتمنى على العديدين أن يقرأوه لكي يدقِّقوا أو يضبطوا استخدامهم  لتعبير “توزيع عادل للخسائر” في معرض حديث البعض عن إعادة هيكلة القطاع المصرفي “الميّت سريريا” والفاقد بشكل كامل لثقة اللبنانيين والخارج. ولا شك أن تحديد رئيس الوزراء نجيب ميقاتي لتعريف “المودع الصغير” وهو أنه مالك الوديعة التي تتراوح بالحد الأقصى بين خمسين وسبعين ألف دولار، هذا التعريف يمكن أن يشكّل قفزة إلى الأمام عن الجمود الحالي الذي يساهم فيه إصرارُ أصحاب المصارف على التهرب من أي استعادة جدية للأموال المهرّبة أو المحوّلة للخارج. لكن من يضمن في ظل تلكؤ المنظومة السياسية وأصحاب المصارف أنه سيكون بالإمكان تنفيذ وعد استعادة “صغار المودعين” لأموالهم  ضمن هذه المعايير لتعريف “المودع الصغير”. فكيف ب “المودع الكبير .. ف”المودع الأكبر”!

.. عودة إلى الأرقام الصينية التي تكشف حجم القوة الصاعدة الصينية وحجم التحدي الذي تمثله للقوى الاقتصادية العظمى وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية على صعيد القدرة على الدعم الاقتصادي للدول الصغيرة بمعزل عن طبيعة الشروط في حالة الاستدانة. لكن لا يختلف كثيرون من الخبراء الغربيين حول “كَرَم” القروض الصينية.

ها هي “طالبان”، أو تيّار فيها، تراهن على ما يبدو على تولّي الصين بعض المشاريع الاستثمارية والظاهر أن باكستان تلعب دورا في هذا الاتجاه بحكم تأثير  المخابرات العسكرية الباكستانية على “طالبان” ورعايتها التاريخية للحركة. حسب التقديرات فإن أفغانستان تُنتج 80 بالماية من مجموع إنتاج الأفيون في العالم والذي يستخدم في صناعة مخدرات شديدة التأثير بينها الهيرووين والمورفين . صار من المعروف والمسلّم به أن “طالبان” تجني أموالاً طائلة من الضرائب التي تفرضها على مزارعي الأفيون في المناطق التي كانت تسيطر عليها قبل الانسحاب الأميركي وهي رغم ادعائها بعدم تشجيع زراعة الأفيون ترعى شبكة من المداخيل التي تبلغ ملياري دولار. وهناك من يتهم “طالبان” في الغرب بإدارة مصانع إنتاج الهيرووين على نطاق واسع والمساهمة في ترويجها عالميا. (صورة الخارطة ل UNODC وهي مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة وننقلها هنا عن ال BBC).

هذه أرقام “الإمارة الإسلامية” التي يعاني شعبُها أوضاعاً مزرية وهي جزء من أرقام اقتصادية لبعض الدول المأزومة (وصف مهذب ومعتدل لهذه الدول) مثلما قدّرت ال “فورين أفيرز” حجم الفساد في العراق الحالي بين 3 و5 مليار دولار سنويا. (هناك رقم شهير لوزير الخارجية الأميركي الأسبق  جايمس بايكر يقدّر فيه في تقرير كلّفه بوضعه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش على أساس زيارة للعراق عام 2006 بأن حجم النفط العراقي المهرّب سنويا يبلغ ستة مليرات دولار.).

مالذي يجمع بين كل هذه الأرقام؟ لا مجال للمقارنة بين هذه الأرقام الواردة في النص أعلاه سوى أنها صنفان لا ثالث لهما: بائس ومتقدّم. ذكرتُ لبنان ولن أتردد في ذكره لأن أرقام انهيارنا هي جزء لا يتجزأ من هذا العالم المتداعي الذي صرنا ننتمي إليه. وفي حالة أفغانستان إنه مسار الانتقال من البائس إلى الأكثر بؤساً. لا أكثر ولا أقل.

الأفيون الأخطر موجود في الأصولية الطالبانية وكل أصولية مماثلة. صوت التخلف العميق جداً وصوت السعداء بتخلفهم.

“النهار”اللبنانية