aren

منظومتان : معارضة وطنية داخلية … معارضة خارجية – من دروس الأزمة السورية في انقسام المعارضة \\ بقلم : أ. فاتح جاموس
السبت - 5 - مايو - 2018

 

تنويه ، لابد منه بداية :

ادارة “موقع التجدد”– وفي اطار التوجه لشخصيات وطنية ونخب المجتمع السياسي السوري، نحو توسيع دائرة  “النقاش و الحوار” حول مقال الدكتور (هيثم مناع) ، المنشور في الموقع بتاريخ  \الأحد 22 نيسان-ابريل 2018\ تحت عنوان : ” التفاوض والتدخل : كيف ، من ؟ ولماذا ! “. ننشر هنا ، (مقال – مشاركة) ، “فاتح جاموس”

منظومتان : معارضة وطنية داخلية … معارضة خارجية

من دروس الأزمة السورية في انقسام المعارضة

بقلم : أ. فاتح جاموس

أولا- مدخل في الوعي الشخصي والذاكرة :

-1-للمرة الأولى حيث عرف المجتمع السوري أزمة وطنية كبرى، وانقساما وطنيا عميقا خطرا، وعنفا مديدا، كان مع الرصاصة التي أطلقتها الأصولية الفاشية ( الطليعة الأخوانية المقاتلة، بدعم شامل من التنظيم الأم- الأخوان المسلمون) على النظام والسلطة القائمة بطابعهما الديكتاتوري الاحتكاري والقمعي \ نهاية السبعينات وبداية الثمانينات \ متابعة عنفها لإسقاط النظام وقيام آخر إسلامي، بنهج طائفي عميق، يعززه جسد مذهبي أحادي ، وكتلة اجتماعية أحادية المذهب أيضا .

من حينه وبعد انتهاء الأزمة بانتصار النظام وإعادة إنتاج نفسه ، كان هناك تركيز دائم ولافت على الخطاب المتعلق بأهم المخاطر، أو التحديات الوطنية السورية الكبرى ، لمواجهتها وحلها ، وهي : ( الديكتاتورية ، الأصولية الدينية المتطرفة ، الاحتلالات الخارجية) أي دخول خطر وتحدي الأصولية الإسلامية المتطرفة، ومن تلك القضايا والتحديات وتجادلها مع بعضها كانت القوى والفعاليات السياسية السورية قاطبة ، في السلطة ، والموالاة والمعارضة ، تشتق مهمتها المركزية ، وشعاراتها، وأهدافها، وأهم القضايا في برامجها، تشتق استراتيجياتها وخطط عملها، تشتق وسائط عملها، وتنسج تحالفاتها، ولم تكن بقية التحديات الوطنية الأخرى إلا من الدرجة الثانية، أي وضعية الإلتحاق والارتباط بالأولى، مثل: الخوف من الطائفية، التنمية المستدامة، والبطالة ، وخدمات الدولة المتطورة ، والطاقة ، والمياه…الخ .

وكانت الوقائع وتطوراتها، وتجادل تلك التحديات، تجعل في شروط خاصة واحدة منها هي الأكثر أهمية وخطورة، مع الخلاف والانقسام العميق على ذلك في غالبية الأحيان، في المجتمع السوري، وخاصة بين أوساط النخب، نخب المعارضة تحديدا.

-2- ثم جاءت الأزمة الثانية \ آذار 2011 \ والانقسام الوطني السوري ، وكانا أكثر شمولا وخطورة وتهديدا لوجود الوطن السوري والدولة السورية والمجتمع السوري، وها هو المدى الزمني والعنف والخسائر البشرية وسوية التدخلات الخارجية والاحتلالات ، تتجاوز كل حد متوقع .

وفي هذا الإطار الكارثي المفتوح على أكثر الاحتمالات خطورة وسوءا، حصلت انقسامات لافتة في صفوف المعارضة، ومن البداية كانت “معارضات” رأى البعض بكل ذلك شيئا خاطئا، وغير عقلاني وغير منطقي، وطرحت أسباب كثيرة في تفسيره ، وكل اتجاه أو إطار أو كادر فاعل بين نخب المعارضة ، يؤكد أنه المحق والصائب ، وأنه العقلاني ، وأن المشكلة عند الآخرين ، ويحملهم مسؤولية غياب وحدة صفوف المعارضة ، أو غياب سوية التنسيق المطلوبة..الخ؟! .

ثم تعددت المصطلحات : معارضة وطنية ديموقراطية ، معارضة مسلحة ، معتدلة ومتطرفة إرهابية، معارضة وطنية داخلية، معارضة خارجية..الخ .

وخارج الحيرة والعجز والتفسيرات الخاطئة والقاصرة، أعتقد أن هناك منطقا عاما في الانقسام الوطني، ومنطقا عاما بالتالي في انقسام المعارضات خلال الأزمات الوطنية الكبرى، وهذا مرتبط بطابع كل أزمة، فالأزمات ليست بطابع واحد دائما، مما يؤثر أيضا على حالة المعارضة وانقساماتها.

-3-كنت مترددا حقا في الاستجابة لدعوة الصديق السيد مرعي – رئيس تحرير “موقع التجدد” – التحفيزية للتفاعل مع مقالة الدكتور هيثم العودات \مناع ، والكتابة فيها بعد قرائتها ، وبسبب ترددي والدوافع ، تأخرت في الموعد الذي أعطيته مع اعتذاري على التأخر، وترددت أكثر عندما قرأت مادة الدكتور منذر خدام في نفس الإطار وكانت أسبابي نفسها.

لقد كمن ترددي في الخوف من أن أجبر على متابعة نفس النهج السردي في كل مقالة ، وتبني نهج صوابية السرد الذاتي ، فعند كل منا، كما غيرنا، سردية يعتقد صاحبها عميقا بصوابيتها، إنه موقف ال( أنا) و(نحن) بعيدا عن أي مراجعة نقدية ” فالصواب” يلف موقفنا (أو موقفي) دائما ، ويبدو الواقع كأنه يتغير فقط ليؤكد صوابية تحليلنا ومقاربتنا ، لنبدو جميعنا مع عمق انقساماتنا على صواب؟!! يا للمأساة كيف ذلك؟!

-4- وهكذا وجدت وفضلت خيار أّلّا أقوم برد حواري مباشر على أحد ، مع غياب أي تجربة حوارية مكتوبة بيننا، بل أن أحاول تقديم مساهمة خاصة في مقاربة قضية الأزمات الوطنية الكبرى، والأزمات السورية وانقسام نخب المعارضة في إطار منهجي فكري وتاريخي، بين العام والخاص فيها، والأسباب الفعلية.

ثم محاولة في طرح تصور برنامجي، ومنظومة تفكيرلعمل معارض جاد بعد هذا الزمن الطويل في الأزمة والانقسام الوطني السوري، والمعايير والأطرالموضوعية والذاتية في كل ذلك، بصورة مكثفة قدر الإمكان ، مهتما بشكل خاص، بطابع الأزمة الوطنية السورية، ودور وتأثيرهذا الطابع والقوانين الأساسية الحاكمة فيه ، على قضية المعارضة ومنظومات انقساماتها.

-5- وباختياري لهذه الطريقة في المشاركة والتفاعل، أريد التأكيد أنني لست أبدا بصدد تعليم أي أحد، خاصة وأننا محسوبون على الخط المادي التاريخي ومنهجيته نفسها، وندعي معرفته، لماذا خلافاتنا إذن؟

والسؤال تاليا : هل يتعلق الأمر بمعرفة مختلفة في عمقها ووعيها للمنهج والدروس التاريخية ؟ مختلفة بمعرفة وقراءة الوقائع الأساسية ولا تزال ؟ أم في قراءتها ومقاربة احتمالات تطورها ؟ أم في الالتباسات العميقة لقضية ثورة وثورة مضادة والوقائع المتعلقة بها ؟ أم في استمرار العطالة التاريخية لانقسامات المعارضة السورية ومواقفها تجاه الأزمة الوطنية الأولى للصراع بين الديكتاتورية والفاشية (السلطة والأخوان المسلمون) واستمرار ذلك بصورة أو بأخرى ؟ أم في الدوافع الواعية وغير الواعية خاصة للموقف من السلطة التي مارست تجاه كثر منا ومشابهينا قمعا شديدا ؟ أم في الطموحات الشخصية لكل منا ومن يشبهنا ؟ أم في وجود مصالح خاصة، مصالح من أطرزة مختلفة ؟ مباشرة وصريحة، أم جاءت لاحقا كانعكاس لتكريس بعض المواقف والاصطفافات ؟ أم في العديد من هذه الأسباب معا ؟

-6- ومع احترامي لحق الآخرين بأي ادعاء، فأنا هنا أريد الادعاء والتأكيد أنني بكامل موقفي في الأزمة الوطنية السورية الأخيرة، أتبع المدرسة والتجربة العقلانية والكفاحية لحزبنا( حزب العمل الشيوعي)، المنهج المادي التاريخي في المقاربة وتحليل الأزمات والموقف منها، مع لحظ أي خصوصية محلية لوطننا سوريا بعلاقته بالعام وقوانينه، خاصة خبرات موقفنا في أزمة الصراع الأولى بين السلطة والأخوان المسلمين، وكذلك في الأزمات المشابهة، أو المختلفة التي اندلعت في البلدان المجاورة وما أطلق عليه خطأ أوقصدا ( بثورات الربيع العربي).

ولا شك بأن السجن كان مكانا للمراجعة، وكذلك ما بعد السجن، وأن قسما مهما من كوادر حزبنا قد راجعت نفسها “نقديا” واعتبرت أن الحزب كان مخطئا في موقفه أثناء الصراع مع الأخوان المسلمين، وعلى هذا الأساس وغيره مضت بموقفها في الأزمة الوطنية السورية الثانية والمستمرة حتى الآن إلى موقف آخر كليا كغيرها من نخب قوى معارضة، واعتبرت أن الشرط القائم شرط ثوري، وأن ثورة قد اندلعت في سوريا ضد الديكتاتورية، وأن هذا الشرط والقراءة حاسمين في أي موقف .

إلا أنني ومع مراجعتي في السجن وبعده، لا أزال أعتقد أن موقف الحزب في الأزمة الأولى كان صائبا وكفاحيا بدرجة عالية، وكان المطلوب تعزيزه أكثر فأكثر بموقف عملي مستقل ضد الفاشية، وآخر عملي مستقل ضد الاحتلال الصهيوني في حينه، لكن الاعتقال والقمع وكامل تجربة السجن، ومجمل التطورات الكبرى في الاتحاد السوفييتي والخليج والعالم، وشدة وفظاعة الأزمة القائمة، وثبات النظام على طابعه وبنيته ونهجه، كان أقوى من أي رغبات، ودفع بنا وبغيرنا تحت ضغط قوانين الأزمة ودروس الماضي القريب إلى الخلافات العميقة، كما إلى انكشاف بؤس الادعاء الديموقراطي، برفض التعايش مع الخلاف، ووصول البعض إلى الدرك الأسفل في وعي أولوية الأعداء والخصوم، وفي انحطاط الخطاب والاتهام فقط لوجود خلاف؟!

 ثانيا : بعض استنتاجات الوعي والممارسة والتاريخ الموضوعي الأساسية ، التي حددت موقفي :

أريد التأكيد المسبق خارج الترتيب المنطقي لعناوين مادتي المكتوبة ، أن مجمل التراكم الفكري والنظري والثقافي الشخصي ، ومجمل دروس الممارسة السياسية الكفاحية ، الشخصية والعامة والتنظيمية ، قد ملأتني بعدد من الاستنتاجات ، أهمها :

– 1- حيث هناك أي حالة نظام ، أو سلطة ذات طابع ديكتاتوري وقمعي ، أو أي حالة نظام استثناء (أي شكل من الديكتاتورية، أو الفاشية، أو البونابرتية) فالتفكير الثوري والثورة عليه قضية واجبة ، لكن بين هذا الوعي والرغبة والإرادة ، بين الدعاوة والتحريض والتنظيم والاستعداد وتحمل المسؤولية ، وتحمل القمع ، وبين الوقائع الموضوعية والذاتية ، التي تسمح بحتمية التأكيد أن شروطا ثورية ، أو أن ثورة قائمة بالفعل، والمعايير التي نتبعها في كل ذلك ، بين هذا وذاك مسافة وفاصلا، وللتوافق أو عدمه في المقاربة والقراءة والواقع ، ندخل إطار ومفهوم الأزمة، الأزمة الثورية ، أو أحد أشكال الأزمات غير الثورية.

-2- في حالة الشروط الثورية، والأزمة الثورية، لا مجال للتردد أبدا.

-3- لكن وعندما يقوم صراع عنيف وشامل بين مشروعي استثناء، يكون الوطن في وضعية أزمة غير ثورية

 ثالثا : مدخل فكري منهجي وتاريخي ، كأساس لخياراتي الذاتية :

-1- القانون الأساسي في تاريخ المعارضات مع الأزمات الوطنية، هو تاريخ الانقسام ، وليس قانون التوحد أبدا، إنما تكون أكثر قدرة واستعدادا على التوحد والتنسيق كلما كان طابع الأزمة ثوريا ، من منظورات ديموقراطية، أو اجتماعية عدالية .

فالأزمات الثورية عموما تقسم الأوطان إلى صفين أساسيين، صف الثورة، من كتلة شعبية غالبية حاضنة، والقوى والفعاليات الثورية المختلفة في جهة، وصف النظم والسلطات الاستثنائية، مهما كان تصنيفها في الاستثناء( أشكال من البونابرتية أو الديكتاتورية أو الفاشية) مع كتلتها الأقلية الاجتماعية الحاضنة وحلفائها من الفعاليات السياسية في الجهة المقابلة.

-2- أما في حالة قيام أزمات غير ثورية، والمصطلح الأكثر دقة، أزمة (ثورة مضادة)، ويتجسد ذلك بقيام صراع عنيف بين مشروعي استثناء، وغياب ، أو وجود دور ضعيف ، غير فاعل للقوى الثورية.

في هذا الطابع من الأزمات يتجسد الانقسام أساسا بوجود ثلاثة أطراف أو جهات أو صفوف، صفان إذن لمشاريع وقوى الاستثناء، صف لكل جهة، مع حاضن اجتماعي وقوى سياسية وعسكرية وغيرها، وصف للقوى الثورية الفعلية وحاضنها الاجتماعي؟

في هذا النوع والطابع من الأزمات تبدو قوى الاستثناء والاستقطابات التي تخلقها داخليا وخارجياهي الأكثر فعالية وحسمية في الصراع، بينما يبدو صف الثورة ضعيفا، غير فاعل، يبدو متفرجا وانتظاريا، لا حيلة له، وكلما أبدت الأزمة الوطنية أسبابا في بدايتها، ذات طابع التباسي ، قابل للمقاربات والتأويلات المختلفة ، فإن ذلك يساهم بصورة إضافية في تمزيق قوى الثورة، والدفع ببعض منها للإلتحاق بصفوف قوى الثورة المضادة بأشكال عديدة ، ويمر زمن طويل ، وتضيع جهود كثيرة قبل حصول صحوة وعي ومراجعة نقدية شاملة وتصويب الموقف.

-3- وهناك ضرورة لأن نلحظ أن الأزمات غير الثورية (أو أزمات قيام ثورة مضادة) بسبب صراع مشروعين استثنائيين في التصنيف، خاصة عبر استخدام وسائط العنف، هي الحالة الأضعف احتمالية، والأقل حصولا في التاريخ الاجتماعي للبشرية، وكما أنها الأكثر تعقيدا والتباسا، فإنها الأكثر تدميرا وكارثية على المجتمعات التي تقوم بها، ونلحظ هذا بشكل خاص في بعض وجوه تطورات البلدان المتخلفة، بحكم الطابع المتخلف للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وطابع التناقضات الداخلية، والخارجية مع المراكز الرأسمالية الأساسية، ما نسميه عموما بعض جوانب خصوصية التطورات وتأثيراتها.

مع التنبه أن القانون العام والتجريد بهذا الخصوص أيضا جاء عبر تطور التشكيلة الرأسمالية في العالم المتقدم، دروس إيطاليا\1919\ ودروس ألمانيا\1933\ وانتصار الفاشيات المؤقت، والتباسات المواقف والتعقيدات، وأخطاء القوى الوسطية والاشتراكية الديموقراطية بشكل خاص، والنتائج الكارثية في كل ذلك.

-4- ومن البداهة بمكان الاعتراف بأن الأزمة الثورية وشروطها وفهمها وكل ما يتعلق بها هو أكثر وضوحا وسهولة، في المقاربة والموقف والبرنامج والتحالفات والوسائط المستخدمة ..الخ .

بينما وعلى العكس من ذلك فإن الأزمات غير الثورية هي الأكثر تعقيدا وصعوبة في المقاربة وتحديد مواقف صائبة تجاهها، وتدفع قوانينها الحاكمة الكثير من النخب السياسية والثقافية والفكرية إلى أخطاء جسيمة، وإلى صراعات فيما بينها.

-5- ولاستكمال الأمر والحوارات المختلفة بين النخب السورية بخصوص الأزمة وطابعها وتحولاته، من الضرورة أن نتساءل:

هل كانت هناك احتمالية في تغير وانتقال وضع وشروط ثورية إلى حالة نقيضة، أي إلى حالة ثورة مضادة؟ أو حالة العكس، أي من شروط ووضعية ثورة مضادة، إلى وضعية ثورية ؟

المعروف لنا في التجربة التاريخية، أن العديد من الثورات والشروط الثورية، ولأسباب مختلفة، قد استنقعت وتحولت إلى وضعية ثورة مضادة، حصل هذا في أوروبا حتى سقطت آخر ثلاث نظم استثنائية في اليونان، واسبانيا والبرتغال عام \1975\ وحصل هذا في لبنان مثلا، وتحول الوضع الثوري إلى حالة ثورة مضادة، أما في حالة العكس فليس لدينا أمثلة متعددة بحيث يمكن التجريد والاستنتاج منها، تحولات نادرة في صفوف بعض القوى المضادة والمرتزقة في افريقيا، أو المهمشة في أمريكا اللاتينية.

-6- كذلك لتغطية مجمل تساؤلات النخب السورية حول الأزمة ، تقول التجربة التاريخية ، أنه مع التطورات المعاصرة ، والديناميات السريعة والفعالة في التدخل والاستقطاب بين الداخل والخارج ، فإن نجاح أي ثورة مرتبط بالزخم الأولي، ودينامياتها الخاصة والزمن، وأي تأخر زمني سيعيقها غالبا عن الانتصار، ويدفع بها للإستنقاع والتحول لصالح القوى المضادة.

كما أن هناك استنتاج آخر هام يتعلق بطابع نظام، أو مشروع الاستثناء الفاشي، إذ على الأرجح هناك استحالة بأن تسمح البشرية بمجموعها وتناقضاتها بالسماح لأي فاشية بانتصارعميق وطويل، بينما هناك إمكانية من قبل الرأسمالية ومراكزها الأساسية للعب والاستثمار بقضية القوى والمشاريع الفاشية لفترة ما.

-7- هناك توافق بشري، توافق فكري وسياسي وثقافي ووجداني وأخلاقي إنساني، بعد التحولات الفاشية في إيطاليا، وألمانيا بشكل خاص، بأن الفاشية، المشاريع الفاشية الفاعلة وغير النتصرة بعد، أو المنتصرة على شكل نظم وسلطات، هي الأكثر خطورة وتدميرا وكارثية على المجتمعات والأوطان، ويدق أكثر الأجراس تأثيرا للتنبيه على تلك الخطورة، ويتركز العمل والجهد المركزي من أجل هزيمتها.

وإن أي استهتار، أو عملية  تكتيك وفرجة وانتظار، أو مراقبة ليتآكل الطرفان ثم الحلم بعملية واحدة لهزيمة الطرفين، إن أي عملية نأي بالنفس من أي طراز، بدون فعل جاد، لا تفعل سوى الدفع باحتمال انتصار الفاشية، أو انتصار الاستثناء الآخر، وإعادة إنتاج ذاته والآخرون يتفرجون.

-8- يمكن للمشاريع الفاشية أن تتلون وتقوم على أنواع مختلفة من الإيديولوجيا والعقائد، القومية ،والدينية، والدينية المذهبية، أعتقد أن أكثرها خطورة هي الدينية، أو الدينية المذهبية، عندما يحتوي مجتمع أو بلد ما تنوعا وتعددا مذهبيا، مما قد يفتح في الغالب الأعم على الطائفية السياسية الأكثر تدميرا.

رابعا : في بعض جوانب الخصوصية السورية :

من قال؟ أو يقول أن سوريا، أو الوطن السوري خارج التاريخ المادي، الاجتماعي والسياسي؟ أو خارج التصنيف والتجريد والاستنتاجات الأساسية في قضية الأزمات الوطنية؟ من يقول ذلك هو مخطئ جدا، وهنا لا مجال للتجريب، والخطأ فيه مكلف جدا.

ذلك تصنيف عام ، ذلك تجريد واستنتاجات عامة في قضية الأزمات الوطنية والانقسامات عليها، أعتقد أنه أساسي وهام جدا في قضايا التحليل والمقاربة والموقف المنهجي والعملي، ومع ذلك فإن تلك النمطية والتجريد تتلون دائما بخصوصيات محلية ، تكتسب أهمية معينة في السياق ، وفي كل الأحوال هي خصوصيات بسبب طابع التطورات في العالم المتخلف ، ودور الرأسمالية ومراكزها القيادية في ذلك ، ومن أهم الخصوصيات السورية التي لعبت دورا مهما في قيام الأزمة وتطوراتها، نذكر :

آ- في العالم الرأسمالي المتطور، يعتبر النظام السياسي الديموقراطي، وتبادل السلطة عبر صناديق الاقتراع في إطار العلاقات الرأسمالية للنظام، يعتبر النمط العام، والقانون العام، ويحصل الاستثناء، أو يقوم في حالة تطور الشروط وقيام حالة ثورية مهددة للنظام بمجمله، فتساعد الرأسمالية بنفسها في قطع الطريق الديموقراطي النمطي، إلى قيام نمط أو سلطة استثنائية، وتدفع بها للصراع ضد الوضع الثوري والقوى الثورية حتى إسقاطها، وقطع الطريق على خطرها، وذلك لفترة ريثما تسمح الشروط بعودة النمط الأساسي، وكل هذه الحالة غير قائمة في العالم المتخلف ومنه سوريا.

ما يحصل هو لعب خارجي من قبل المراكز الرأسمالية، وتدخلات خارجية، ومساندة أطراف لقطع الطريق على أي تطورات محلية تصنف في خانة الطابع الثوري، حتى النسبي والجزئي منه، وصل ويصل الأمر حدود اللعب والتدخل والسماح بقيام أي حالة استثناء،حتى الحالة الفاشية منها واستثمارها بصورة مؤقتة.

ب- كذلك يجب التنبه على خصوصية التطور وقيام نظام وسلطة ذات طابع سياسي ديكتاتوري وقمعي في سوريا، لقد جاء ذلك كنتيجة حتمية للتطورات السياسية والاجتماعية، ودورالطابع الواسع من بحر الفئات البينية، أو البورجوازية الصغيرة، ودور حزبها السياسي المركزي ( حزب البعث العربي الاشتراكي) وبرنامجه، ثم التحولات التي طرأت والانتقال إلى نمط بورجوازية الدولة البيروقراطية، وتضخم الدولة ودورها والأسباب، وخصوصية التطور الوطني وتجادله مع الوضع القومي والتناقضات والصراع مع المشروع الصهيوني وحلفائه.

مما شكل حالة تطورية متقدمة في سلم التطور السوري الاجتماعي والوطني على الرغم من طابعه الديكتاتوري والقمعي، لكنه وفي كل الأحوال لم يكن نمطيا وتدخلا وتدبرا رأسماليا لقطع الطريق على تحولات ثورية مهددة للنظام الرأسمالي، من قبل الطبقات والفئات والقوى النقيضة للنظام الرأسمالي.

ج- كذلك هناك خصوصية التدخلات الخارجية في الوطن السوري، والاحتلالات المختلفة من الصهيوني والتركي وصولا للأمريكي، واصطفافات هذه الاحتلالات تاريخيا وحتى الآن إلى جانب القوى الأكثر يمينية وظلامية، من أجل تدمير الوضع الجيوسياسي السوري إلى الأبد، أو وقوفها إلى جانب المشروع والكيان الصهيوني بحكم التبني والتحالف العميق، حصل ذلك على الرغم من الطابع الديكتاتوري والقمعي للنظام والسلطة السياسية القائمة.

د- وآخر الخصوصيات الهامة جدا، أن الطرف الرئيسي الفاعل في تمكنه من تشكيل قوة اجتماعية وسياسية وعسكرية لمواجهة النظام والصراع معه، كانت الأصولية الفاشية الإسلامية في المرتين اللتين عرف فيهما الوطن حالة أزمة وانقسام وطني عميق.

في المرة الأولى الأصولية الفاشية الأخوانية ، وفي الثانية الأصولية الفاشية الوهابية إلى جانب الأخوانية، وفي الحالتين، خاصة الأزمة الثانية تبدت العديد من المظاهر الشعبية التي سمحت بالتباسات المقاربة أن الوضع ثوري، وفي الحالتين لم يغير النظام من طابعه وبنيته ونهجه ووسائله في معالجة الأزمة والخروج منها، فبدا الوضع بالنسبة لبعض النخب السورية وكأنه أبدي في بقاء النظام والسلطة ، فمضت بموقفها وتمنياتها إلى أقصى حدود اللاعقلانية في اجتراح الاستراتيجيات والتكتيكات والتحالفات الداخلية والخارجية ضد النظام- السلطة.

-هاء- وفي إطار آخر الخصوصيات، فإن الأصولية الإسلامية الفاشية، لم تكن مجرد مشروع سياسي فاشي، في مجتمع صافي من مذهب ديني واحد، وهنا إسلامي، أو مجرد وجود تزيين وتوشيح غير فاعل في ذلك، كما حصل مثلا في ليبيا.

بل انطلق في سوريا من اللحظة البدئية (ما قبل) ليكون مشروعا سياسيا وطائفيا، متوحدا مع ذاته، ومع حاضنته الاجتماعية المذهبية، كل ذلك في خصوصية وفاعلية التنوع المذهبي والديني السوري، بينما وعلى العكس من ذلك انطلق وجاء مشروع السلطة القائمة، وحزبها وفكرها وثقافتها، ولتكون قاعدته وحاضنته الاجتماعية، غير أحادية الدين والمذهب.

بالتالي متنوعة ومتوازنة في الإطار الديموغرافي الوطني، على الرغم من حقيقة إمكانية إبداء العديد من الملاحظات على السلطة القائمة فيما يتعلق بتركيز احتكار السلطة والتهميش السياسي الحاصل بالمقابل أحيانا، كما استثمار القضايا الدينية والمذهبية في أكثر من مجال، بشكل خاص مع الإسلام الرسمي وثقافته.

خامسا : بعض دروس الأزمات السورية الكبرى ومواقف نخب المعارضات :

-1- من الخطأ الشديد الاعتقاد أن مواقف المعارضات السورية، والتنوع والانقسامات فيها قد جاءت خارج التطورات التاريخية السورية، وخارج الاستقطابات الرئيسية تحت ضغط وتأثير أهم الوقائع ، وخلافات وتباين مواقف المعارضات السورية، وموضوعاتها لها سياق تاريخي، أساسا في أزمة الصراع الأولى بين الديكتاتورية والأصولية الفاشية الأخوانية، ثم في الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعياته، خاصة في أحداث\ آذار2004\ والحراك الكردي، ثم مقتل الحريري والخروج السوري من لبنان \2005\ ، وحصلت تطورات كثيرة على أطر المعارضة بين الأزمتين (نهاية شباط وأحداث حماه \1982\ و أواسط آذار \2011\ ) .

-2- وفي سياق ما أسمي بثورات الربيع العربي، والترقب والحوار والتوقعات بخصوص سوريا، انطلق حراك بطابع شعبي واسع، ومجموعة من الوقائع التي تسمح بداية بالالتباس وإمكانية المقاربة الخاطئة والموقف الخاطئ من قبل المعارضة، وكانت قوة الحدث وشموله وزخمه كفيلة بخلط كل الأوراق، وكفيلة بهدم الكثير من الخطوات الإيجابية في حياة المعارضة السورية، والتمييز فيها بين منظومتين ومعارضتين، التي حصلت في المرحلة الفاصلة بين الأزمتين( ثلاثة عقود) .

فذهبت النخب إلى القياس التشابهي السريع مع الأقطار العربية الأخرى، وإلى رغباتها، واعتقد القسم الكاسح من نخب المعارضة أن شروطا ثورية قد انطلقت وأن ثورة ضد النظام هي قبض اليد، وأن الانقسام الوطني ثنائي القطبية، كتلة الأغلبية الاجتماعية والقوى والفعاليات الثورية في جهة، والديكتاتورية في جهة، بالتالي لم يكن هناك أي مكان للرأي القائل أن الشروط غير ثورية، بل هي شروط وثورة مضادة بكل معنى الكلمة، وكان مثل هذا الرأي موضع التهكم والاتهام.

-3-كانت الالتباسات الأولى صعبة على الاكتشاف، لكن مع تقدم الأحداث، والوضوح الشديد في طابع الحراك الشعبي، وأنه لن يكون، ولا يمثل إطلاقا إلا حاضنة إجتماعية للأصولية الإسلامية الفاشية ، ثم نهارات جمع الحراك وشعاراتها، وانفلات قضية السلاح والعنف ودور الخارج (الصف الأمريكي تحديدا) في الحدث واصطفافه إلى جانب الحراك وقواه، وظهور القوى بمسمياتها الإسلامية، يفترض أن كل ذلك وغيره سيكون كفيلا بالخروج من الالتباس والتنبه أن الوضع القائم هو وضعية أزمة غير ثورية ، على الرغم من إمكانية الإتيان على بعض الوقائع البسيطة، وغير الفاعلة بأي مستوى هنا وهناك.

-4-  أدى ذلك الاندفاع والتسرع والقراءة الخاطئة ، إلى تضييع تام لجدل علاقات الارتباط بين قضايا التحديات الوطنية الأساسية، والأولويات في المهمات الكفاحية، وإلى تحالفات خاطئة، وشكل بدوره عطالة في التحليل والمقاربة والبرنامج يصعب الخروج النقدي المراجع منه بسهولة.

-5- قوة الأزمة ، وقوة دينامياتها ، دفعت إلى انقسام وطني ثلاثي ، النظام وكتلته الاجتماعية الحاضنة والاعتقاد أن الأمر أمر مؤامرة خارجية أساسا، والأصولية الإسلامية الفاشية وكتلتها الاجتماعية الحاضنة وأن الوضع القائم هو وضع ثورة .

وهنا تركزت نخب المعارضة في خيار الثورة والشرط الثوري، وخيار الوجود في صف الفاشية بصورة موضوعية وذاتية أحيانا كثيرة لتكون بمثابة لسان حال الفاشية، والصف الثالث كتلة اجتماعية غالبية ومجموعة نخب معارضة تعتقد ان الوضع القائم هو وضع أزمة وانقسام وطني غير ثوري إطلاقا، هذا الطرف ضعيف وغير فعال، طاقته كامنة، وغير مسموح له أن يتحول لطاقة حركية فاعلة من قبل طرفي الصراع الأساسيين.

-6- وليس مستغربا بالتالي، بل كان طبيعيا أن تمضي نخب المعارضة المتشابهة إلى مشاريع  وبرامج ومهمات وأولويات وشعارات متشابهة، بدءا من إطلاق هيئة التنسيق، والعودة السريعة للتحالف مع” خلطة الليبراليين الجدد، والأخوان المسلمين، وتشكيلة الجيش الحر، ومحاولات التنسيق مع الائتلاف والمجلس الوطني، والهيئة العليا للتفاوض إلى مؤتمر سوتشي” ، لتشكل بذلك منظومة المعارضة الخارجية، من أكثرها تطرفا، إلى العقلاني فيها والذي بدأ يراجع نفسه وموقفه نقديا.

-7- بينما تصبح منظومة المعارضة الوطنية الداخلية أكثر وضوحا وتأثيرا وفعالية مع كتلة الغالبية الاجتماعية، فالدور الموضوعي الضامن لهذه الكتلة ونخبها في الخروج من الأزمات المشابهة حتمي، وبدأ التنافس عليه جديا في سوريا.

-8- إذن هناك الآن منظومتان للمعارضة في سوريا، داخلية وخارجية، وهذا المصطلح ليس بدلالاته الجغرافية، بل بدلالاته في الاستقطاب السوري القائم في الأزمة، وفي الوعي السياسي والبرنامجي لدور الخارج والأمم المتحدة، والدور الكفاحي الداخلي المطلوب، والمهمات والأولويات والتحالفات، للتحول إلى قوة فاعلة في الحوار الوطني السوري الداخلي، التوافقي والتشاركي ديموقراطيا بدون شروط مسبقة.

وفي كل الأحوال ليس تحت رعاية أممية غير قائمة توافقيا، وإن كان لا بد من رعاية، فيجب ألا تكون من قبل الصف الأمريكي، أو باشتراكه، وفي هذا الإطار سارسل لموقع التجدد مادة في مفهوم المنظومتين وتحديدا منظومة المعارضة الوطنية الداخلية.

-9- هل سيبقى وضع بعض فعاليات المعارضة هذا شيئا أبديا؟ بالطبع لا، فالقوى الأكثر عقلانية هي المرشحة لأن تراجع نفسها وموقفها، وأن تمضي إلى منظومة معارضة وطنية داخلية كفاحية حقا، وإلى قطب ثالث فاعل في أي طاولة حوار بين أطراف الانقسام الوطني.

-10- بالمناسبة، أجرينا ( تيار طريق التغيير السلمي) حوارا مشتركا مع مجموعة الكادر بعد أن غادرت هيئة التنسيق، وحضره الدكتور منذر خدام، ولا نتفق معه إطلاقا أننا توافقنا ثم رفضنا العمل المشترك لأسباب شخصية عند الكادر القيادي، بالتغاضي أي كادر عند أي طرف هو المعني، بل لم نتفق على العديد من المسائل :

مثل الموقف في القضية الكردية والعلاقة مع قسد وتحالفاته، أو منهجية وإمكانية التقاطع والتنسيق الجاد بين منظومات وقوى معارضة مختلفة، بينما نراه في إطار المنظومة الواضحة والمحددة الواحدة، ولم نتفق في أولوية المهام وجدل العلاقة بين التحديات الأساسية ( الفاشية، الاحتلالات، الديكتاتورية)، والتيار الذي غادر هيئة التنسيق لا يزال يرى أساس التحالف في التركيز على أولوية مهمة الموقف من النظام والتغيير الديموقراطي، بينما نراها في خطر الفاشية الأصولية، وخطر الاحتلالات واستمرار عملية الكفاح من أجل التغيير الديموقراطي، وكل هذا موثق، ولم يستأنف الحوار؟!

-11- وبالمناسبة أيضا، لم  يحصل أي حوار بين تيارنا وتيار قمح، بينما استطاع تيار قمح والدكتور هيثم، الحوار والتقاطع مع فعاليات كانت في الهيئة العليا للتفاوض، وصولا إلى سوتشي.

أخيرا :

تعالوا إلى مشروع لقاء حواري والتنسيق لتشكيل قطب معارضة جاد، بمنظومة محددة تقطع مع منظومة المعارضة الخارجية بكل عنعناتها، لتمثل طرفا وقطبا ثالثا في حوار وطني سوري- سوري إلى جانب أطراف الانقسام الوطني الأخرى، السلطة من جهة، والمعارضة الخارجية وما تمثله.

(تيار طريق التغيير السلمي)

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها