aren

مناطق الحظر فى سوريا : السوابق والمحاذير … د.عبدالله الأشعل
الخميس - 9 - فبراير - 2017

 

مناطق الحظر ، مصطلح تم تداوله خلال بعض الازمات الحادة ، ويقصد به منع طرف من الوصول إلى منطقة معينة فى اقليم الدولة وبسط الحماية عليها.

كانت الصورة الأولية لهذه الفكرة أثناء الحروب فى القرن التاسع عشر بصدد تأمين الأسرى واللاجئين من العمليات الحربية ، ولكن الصورة الحديثة الأولى ظهرت بعد غزو العراق للكويت عندما أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا تقسيم العراق إلى ثلاثة مناطق على خطوط العرض بشكل متساوى تقريبا.

المنطقة الأولى فى الشمال لحماية الاكراد ، والمنطقة الثانية فى الجنوب لحماية الشيعة ، والمنطقة الثالثة ، هى منطقة بغداد (السنة).

ومنطقة الشمال والجنوب ، سميت مناطق آمنه لسكانها تم فيها حظر الطيران العراقى ، وحظر امتداد السيادة العراقية على السكان ، وقد تم هذا الإعلان موازيا لصدور قرار مجلس الأمن رقم 688 فى أول إبريل 1991 ، الذى فسرته بعض الدول العربية مع بريطانيا وأمريكا على أنه الاساس القانوني للمناطق الآمنة ، رغم أن القرار يتعلق بعمليات الاغاثة الانسانية بموافقة الحكومة العراقية مع التأكيد على سيادة العراق ووحدة أراضيه.

وكان مفهوماً أن الولايات المتحدة ، قد قررت نهائيا تقسيم العراق ولم يتبقى سوى غزو العراق لتنفيذ هذا التقسيم وقد ظل هذا الكابوس يطارد العراق ، حتى تم غزوه وتقسيمه..

السابقة الثانية ، هى قيام الأمم المتحدة بإنشاء مناطق آمنه للمسلمين للحماية من القوات الصربية فى البوسنة والهرسك وبالذات إقليم سربينيتشا ، وخصصت الأمم المتحدة 25 ألف جندى لتأمين المسلمين فى هذه المناطق ، ولكن النتيجة كانت عارا على الانسانية وأوربا والأمم المتحدة وذلك فى عهد الأمين العام المصرى الدكتور بطرس غالى ، حيث تمكنت القوات الصربية من ابادة المسلمين بالتواطؤ مع قوات الأمم المتحدة.

محاولات اقامة مناطق أمنه فى سوريا:

منذ بدأت الأزمة السورية بتسليح المتمردين والفيالق الأجنبية ، التى تدفقت على سوريا فى اطار المؤامرة ، كان واضحا أن الهدف النهائى هو القضاء على سوريا وتفتيتها واخراجها من معادلة الصراع مع إسرائيل .

وبالتالى ضرب المقاومة ضد إسرائيل ، مادامت سوريا متمسكة بالتحالف مع إيران ومساندة حزب الله ، ومادامت المحاولات السابقة لضرب أطراف هذا المعسكر قد فشلت ، لذلك تم تصميم المسرح السورى لضرب كل أعداء إسرائيل مرة واحدة بمساعدة خليجية وتخطيط إسرائيلى ، فيتم ارهاق الدولة السورية وجيشها وتهجير أبنائها وتفتيت مناطقها وتقسيمها وتحقيق الاطماع الاقليمية القديمة لتركيا فى شمالها ، واستنزاف إيران وحزب الله على ترابها ، ودعم الجماعات المسلحة المتنافرة وانشاء داعش ودعم الاكراد للانفصال لتحقيق هذا الهدف.

من الواضح أن كل هذه الأهداف تخدم المشروع الصهيونى ، وأن الضحية الأولى هى الشعب والوطن فى سوريا ، ولم يكن هدفها مطلقا كما زعمت دول الخليج نشر الديمقراطية فى سوريا أو حماية الشعب السورى  .

بدأت فكرة المناطق الآمنة من تركيا ، حيث أرادت تركيا أن تنشئ حزاماً على الأراضى السورية لنتشر قواتها لمحاربة الأكراد ، ولكن واشنطن ومعها إسرائيل ، رفضت الفكرة ، تركيا التي أسقطت الطائرة الروسية الحربية فوق المنطقة المزعومة ، أدعت أن الطائرة اقتحمت مجالها الجوي، ولأن هذه لعبة خطرة فقد سارع أردوغان بالاعتذار والتوبة لدى موسكو ، وهكذا فشلت المحاولة الأولى لانشاء المنطقة الآمنة.

أما المحاولة الثانية ، فقد تم الاتفاق عليها بين الرئيس الأمريكى ترامب والعاهل السعودى سلمان لاقامة منطقة آمنة للمسلحين المناهضين للحكومة السورية على الأراضى السورية.

وهذا الاتفاق يعتبر جريمة في القانون الدولي ، ومن الواضح أن واشنطن والسعودية يتفقان على التصرف فى أرض أجنبية للاستمرار فى المؤامرة على الشعب السورى .

ولما كان هذا التصرف الشاذ يتناقض ويتصادم مع الوضع السورى ، فقد ردت الحكومة السورية بهدوء ، وتمسكت بأن أى منطقة آمنة لابد من التشاور بشأنها مع الحكومة السورية لمعرفة مساحتها ومكانها والمجموعة المطلوب حمايتها ووسائل تأمينها،وهو فى كل الأحوال مقدمة للتدخل الأمريكى الذى تراجع عنه الرئيس أوباما من قبل ، فى اللحظة الأخيرة.

ثم كان الرد الروسى على هذا التلويح الأمريكى حاسماً ، وهو ما وضع واشنطن أمام أحد خيارين إما المضى فى تنفيذ المنطقة الآمنة ، وبدء تقسيم سوريا ، وإما تصدى روسيا وسوريا وإيران لهذه البلطجة الأمريكية .

فالمقطوع به هو أن التدخل الأمريكى ، هدفه أن يكون لها على الأرض وجود عسكرى يسمح لها بالمشاركة فى تقرير مصير سوريا ، وفقاً للاجندة الإسرائيلية والخليجية، ونتمنى أن تفشل المساعى الأمريكية لأن هذه المساعى تنذر مع إدارة ترامب بالكثير من المخاطر الاضافية على أمن المنطقة.

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها