aren

مناخات إيجابية بين عمّان ودمشق \\ كتابة: د. زيد نوايسة
الخميس - 23 - سبتمبر - 2021

ليس عادياً أن تكون عمان أول محطة عربية يزورها وزير الدفاع السوري، وأن يجري مباحثات عسكرية مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأردنية؛ وصفها البيان الرسمي بأنها تتعلق بأمن الحدود وتهدف لاستمرار التنسيق في القضايا المشتركة التي تنعكس على البلدين.

أهمية الزيارة تكمن في الإعلان عن وجود تنسيق مشترك؛ وهو بالتأكيد ينسجم مع رؤية عمان للأزمة السورية منذ بدايتها وقد اختارت لنفسها مساحة مختلفة للتعاطي معها على كافة الصعد منذ انطلاق شرارة الاحتجاجات في مدينة درعا في آذار من العام 2011، ودائما ينظر لمنطقة درعا أردنيا في سياق معادلة الأمن القومي.

حدودنا مع سورية تصل لحوالي 375 كم، وضبطها من مخاطر التهريب في كل المجالات سواء العسكرية أو المخدرات او حتى الأغنام والأخطر وسيطرة وتمدد الفصائل الإرهابية مسؤولية مشتركة تستدعي التنسيق مهما كانت الظروف وهو في هذا الجانب عسكري وأمني بالضرورة.

مقاربة عمان السياسية بالضرورة مختلفة عن أي من الدول المنخرطة في الأزمة السورية؛ نعرف جميعاً أن منها من انخرط لدوافع تتعلق بتصفية الحسابات مع دمشق أو دوافع البحث عن دور لا يستند لأي مقومات استراتيجية أو دوافع استثمار الربيع العربي انسجاماً مع المناخ الذي ساد في بواكير الحركات الاحتجاجية وشراء نظرية الوهم التي سادت بأن العالم العربي أصبح أسيراً لمشروع هيلاري كلينتون الذي مهد له خطاب أوباما الشهير في جامعة القاهرة.

ليس سراً القول؛ أن عمان تعرضت لضغوط منذ البداية لقطع العلاقات مع دمشق؛ مارستها أطراف عديدة؛ بل أن هناك من أراد أن تكون الحدود الأردنية شمالاً مسرحاً للمساهمة في تغيير موازين القوى العسكرية في الداخل السوري دون إدراك مخاطرة ذلك؛ الأردن كان دائماً يقرأ مصالحه الاستراتيجية ولكن بتوازن شديد اختار ممارسة دوره الإنساني باستقبال اللاجئين بالرغم من ظروفه الاقتصادية، بنفس الوقت حرص على ضمان أمن حدوده من الفصائل الإرهابية ومن أي فصائل غير سورية يعتبر وجودها تهديداً له.

التنسيق مع دمشق في جانبه الأمني والعسكري شابه بعض الفتور في مراحل معينة، ولكن عندما سقطت المعابر الحدودية وسيطرت فصائل إرهابية، واستهدفت نقطة عسكرية أردنية في منطقة الركبان في حزيران العام 2016 ، مما أدى لاستشهاد سبعة عسكريين، رسخت قناعة بأن الأردن ضمن مشروع هذه التنظيمات الإرهابية ولا بد من إغلاق الحدود.

استطاع الأردن وبالتعاون مع الطرف الروسي الفاعل في المشهد السوري المساهمة في إنجاز مناطق خفض التصعيد وكان الجنوب السوري نقطة الانطلاق وساهم نجاحها نتيجة التوافق الروسي الأردني باستنساخ تطبيقها في معظم المناطق.

الحل السياسي وبما يتوافق عليه السوريون وبما يضمن سورية دولة موحدة هو الذي فرضته الأحداث والتوافقات الدولية لاحقاً؛ نتائج الميدان والإقرار دولياً بأن الأمر الواقع في سورية لا يمكن القفز عليه، وارتفاع وتيرة الرغبة عربياً بأن ترك الساحة السورية للقوى الإقليمية التي تحاول فرض أجندتها ما كان ليحدث لولا غياب النظام الرسمي العربي الذي بدأ يعيد علاقاته مع دمشق الرسمية وهو ما يؤمن به الأردن وربما يعمل على إنجازه لاحقاً وبالتنسيق مع القاهرة وبغداد والجزائر البلد المستضيف للقمة القادمة.

نجح الأردن وخلال زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني لواشنطن في تموز الماضي في فتح خطوط تفاهم مع الجانب الأميركي حول الملف السوري، سواء فيما يتعلق بالاستثناء الجزئي من عقوبات قيصر أو إعطاء مساحة أكبر للدور الأردني في التسوية السياسية في سورية ولا يمكن فهم الزيارة الملكية لموسكو في آب الماضي خارج هذا الإطار والتحرك وبالتفاهم مع دمشق.

المناخات السائدة تشير لمرحلة جديدة في العلاقات الثنائية على صعيد التعاون العسكري أكدته الزيارة الأخيرة؛ والمؤكد أن الأسابيع والأشهر القادمة ستشهد تقاربا أردنيا سوريا على مستوى التنسيق السياسي وتطوير التنسيق الاقتصادي وهذا الأمر قد ينسحب على مصر والعراق ويخدم التعاون الثلاثي الجديد وقد يصبح رباعياً.

“الغد الأردنية