aren

مكافحة الفساد : النموذج الإسرائيلي الناجح \\ كتابة : جهاد الزين
السبت - 18 - نوفمبر - 2017

 

mogabi-620x330

لا أريد ولا يجب أن نتجاهل النقاش العالمي المهم حول إسرائيل كنظام تمييز عنصري ضد العرب الفلسطينيين داخلها وخارجها. ولكن الديموقراطية الإسرائيلية جادة في النطاق اليهودي للدولة. ولذلك لا بد من مراقبة نموذج الممارسة القضائية الإسرائيلية في ما يتعلق بمكافحة الفساد.

الأرجح أن نهاية بنيامين نتنياهو اقتربت جديا هذه المرة. لمرة خامسة تستجوب الشرطة الإسرائيلية رئيس وزراء إسرائيل في مقر إقامته في القدس الغربية ولمدة أربع ساعات متواصلة حول قضية الرشاوى الشهيرة.

هل تكفي هذه الممارسة الجوهرية لنظام الاستقلال القضائي في إسرائيل لكي يكون لهذه الدولة مستقبل، لكي تكون إسرائيل من بين الدول التي لها مستقبل؟ الإجابة في الحد الأدنى هي أن هذه الممارسة هي أحد المصادر الأكيدة لمستقبل الدولة، بل لقوة مستقبل الدولة.

طبعاً لا تستطيع شعوب ومعظم نخب المنطقة أن تقبل إسرائيل من دون حل نهائي يقبل به الفلسطينيون. حل الدولتين الذي يتضمّن الدولة الفلسطينية المستقلة.

لكنْ تأخُّر القبول العربي والمسلم باسرائيل بسبب السياسة العنصرية لمؤسّستها السياسية والأمنية لا يعني تجاهل ضرورة مقارنة التأثير الإسرائيلي في أنماط الحوكمة مع تلك المحيطة في دول معظمها إما دول مرتبكة وإما دول هشة وإما دول فاشلة.

الضعف المحيط بإسرائيل لا ينتج فقط عن السياسات التوسّعية الأمنية الإسرائيلية وانغلاق الحل العادل للفلسطينيين بل أيضا، وبعمق، يرتبط بفشل إدارة الحكم في هذه الدول (وغيرها في العالم).

النموذج الأقوى الذي تنتمي إليه إسرائيل هو النموذج الغربي الأوروبي والأميركي للحكم “الداخلي”: ديموقراطية سياسية (أي الحريات والتمثيل)، قضاء مستقل، تنمية اقتصادية حداثية. هذا نموذج باتت تنضمّ إليه وبقوة دولٌ في شرق آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة ودولٌ على منتصف الطريق ولكنْ إيجاباً مثل ماليزيا وإندونيسيا (تركيا مع الأسف خرجت من هذه اللائحة).

لكنْ هناك نموذج للتقدم تقدّم بقوة في العقود الأخيرة هو النموذج الصيني. التحديث دون ديموقراطية سياسية. نموذج هائل للتحديث الاقتصادي.

من المثير أنه في العالم العربي ليس هناك دولٌ تنتمي لا إلى الفئة الأولى ولا إلى الفئة الثانية. مع أن العديد من الدول العربية ذات الحكم غير الديموقراطي لم تنجح في تطبيق ولو نسبي للنموذج الصيني.

النموذج الذي بات ينفق ويستثمر مئات مليارات الدولارات خارج الصين. وباستثناء تركيا (الاستبدادية الآن) التي يمكن اعتبارها أصبحت مع “حزب العدالة والتنمية” ضمن النموذج الصيني حتى اليوم، ولا نعرف مدى قدرتها على الاستقرار في هذا النموذج بعد “مغادرتها” النموذج الغربي ليبقى منها حاليا طاقتها الاقتصادية “النمرية” الأقرب للموديل الصيني؟… باستثناء تركيا لا دولة في المنطقة يمكن تصنيفها، إذا شئنا الدقة، داخل أحد النموذجَيْن الغربي أو الصيني. عدا ذلك، دولٌ في المنطقة مهددة بعدوين: الإرهاب وفشل الحوكمة.

الدولة التي يدخل فيها رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو أي مسؤول كبير إلى السجن عبر حكم قضائي من قضاء مستقل هي دولة ذات مستقبل.

أنصح في هذا السياق بقراءة كتاب”لماذا تفشل الدول” لجايمس روبينسون ودارون أجيم أوغلو الذي صدرت طبعته الأولى عام 2012. وستكون لي عودة طويلة إليه بسبب كثافة ودقة وقوة المراجعات البحثية فيه، تاريخيا وراهنا. ولكني أكتفي بسرد واقعة مذهلة وطريفة ينقلها الكاتبان عن نسبة انحدار حكم ديكتاتوري يبدو في الساعات الأخيرة في طور السقوط (على يد الجيش) لمنع تولّي زوجة الرئيس لمقاليد السلطة من الرئيس موغابي.

عام 2000 لم يصدق المسؤول عن اليانصيب الوطني الزيمبابوي عينيه وهو يقرأ أن الورقة الفائزة بالجائزة الكبرى هي ورقة رئيس الدولة روبرت موغابي.

في الشكل لم يحصل شيء من هذا في عالمنا العربي والمسلم. لكنْ جوهريا يحصل بل حصل لاسيما في الدول الريعية حيث العوائد فائضة. لقد نال كثيرون في دول عديدة “الجوائز الكبرى” للثروة الوطنية ولذلك يرحب كل رأي عام في المنطقة بأي محاولة في أي دولة تحت شعار مكافحة الفساد. والآن يقف الرأي العام السعودي في هذا الاتجاه الأكيد.

“النهار” اللبنانية