aren

مع رياض نجيب الريّس \\ بقلم : سامي مروان مبيّض
الأحد - 27 - سبتمبر - 2020

الكاتب (سامي مبيض ) مع الراحل رياض الريس

منذ أسبُوعين ، اتّصل بي الأُستاذ رياض الريّس ، ليقول: “كلّ أوراق وصُوَر أبي (المرحوم نَجيب الريّس) ونصوح بابيل في حَوزتي، وأُريد أن أؤمّن عَليها وأجد لها مَكان يَليقُ بها بعد غِيابي. عِندنا هُنا في بَيروت هي لا تَعنيهم. أُريدُها عِندك…في دِمَشق.” يبدو أنّه كان يَشعُر بأنّ النّهاية قدّ اقتَرَبت ، وفضّل أن تَعود أوراق أبيه إلى حيث ما جَاءت قبل أكثر من نِصف قرن.

تَعرّفتُ على “رياض بك” خلال سَنَوات الحَرب الأخيرة، ولكنّ معرِفتي به تعود إلى مرحلة الدّراسة الجامعيّة، عِندما كُنتَ أقتني الكُتُب العَربيّة من مكتبته الشّهيرة في منطقة نايتسبريدج بلندن، “الكشكول.” وكان طمُوحي يومها أن أنشر كِتاباً في دار رياض نجيب الريّس، حيث نُشرت مُذكرات شَخصيات سورية كبيرة مثل لطفي الحفّار وبشير العظمة، وطُبعت دواوين الفلسطيني الكبير محمود درويش. تَحقّق الحُلم يوم نُشِر كِتابي الأول مع دار الريّس سنة 2015 وكرّت السبحة من يومها، حيث كنّا على موعد مع كتابنا الخامس في مطلع هذا الصيف لولا إنتشار وباء الكورونا وإغلاق الحدود السورية اللبنانية. وهو مخصص للنشر مع نهاية هذا العام.

أفتخر كثيراً بأنّ رياض الريّس ، وضَع بنفسه عناوين إثنين من كتنبي، “شَرق الجامع الأمويُّ” و”غَرب كنيس دِمَشق.” أحبّ ما كنتُ أُقدّمه عن عَاصِمة الأموييّن، التي ظلّت حاضرة في ذِهنه وقَلبه المُتعب حتى النهاية، بالرغم أنه لم يعش بها إلّا قليلاً في مرحلة الشباب المبكر.

وفي مكتبه بدار الريّس ببيروت ، شاخِصة زرقاء، نُسخة طِبق الأصل عن تلك التي تَصدر عن مُحافظة دِمَشق، وعليها اسم الشارع الذي يحمل اِسمَ أبيه بحيّ أبو رمانة العريق ، وسط العاصمة السُّوريّة.

كان في كلّ لقاء بيننا يبدأ حديثه بسؤال: “طمني…كيف الشّام وأهل الشّام؟”

ففي دِمَشق بُنى مجد الأُسرة قبل 92 سنة، عِند صدور العدد الأول من “جريدة القَبَس” يوم 1كانون الثاني 1928. ومن دِمَشق ، حاول رياض الريّس إستعادة بريق “القَبَس” قبل عشرون سنة، ولكنه لم ينجح ولم يُكمل بذلك المشوار. قَبل الأُستاذ رياض مَشكوراً أن يكون عضو فخري في مجلس حُكماء مؤسسة تاريخ دِمَشق ، ولكنه كان يُحذرني دوماً من قلّة الموارد في مُعظم المشاريع الثقافية، قائلاً: “هذا الطريق أنا سَلكته قبلك بخمسين سنة. أفكار في قد ما بدك، بس مافي مصاري!”

غاب رياض الريّس عن عالمنا ، عَصر يوم امس، عن عمر ناهز 82 عاماً. وغابت مَعهُ قصص وحكايا، عن الثقاقة والصّحافة في عالمنا العربيّ وعن دِمَشق في زمن نجيب الريّس. تَعلّم الصّحافة بداية في مكاتب (القَبَس) بدِمَشق، ومن ثمّ على يد شُيُوخها الكِبار، مثل كامل مروة (صاحب جريدة الحياة) وغسان تويني (صاحب جريدة النهار) وسعيد فريحة (صاحب مجلّة الصيّاد) وصولاً إلى الصّحفي الفلسطيني الشهير نبيل خوري، صاحب مجلّة المُستقبل التي كانت تصدر من باريس في الثمانينيات. وقد خَرج رياض الريّس من كل تلك التجارب الصحفيّة بخِبرة فريدة، تجمع ما بين تجربة هؤلاء الكِبار وتجرِبته الحياتية الصاخبة، طالباً ثائراً في برمانا، صحفيّاً لامعاً في بيروت، مُراسلاً حربيّاً في فيتنام وأخيراً ناشراً ماهراً في لندن.

ولكنه ظلّ وبالرغم من كلّ ذلك رجل بمُنتهى التواضعِ واللّطف. منذُ مُدة، قدّم لي نسخة من كتابه الأخير “صحافي المسافات الطويلة،” وهو عِبارة عن حوارات أجرته معه الصديقة (سُعاد جرّوس). طَلبتُ منه أن يُوقع الكِتاب فنظر إليّ باستفراب وضَحك قائلاً: “كبر عقلك يا رجل…أي شو أنا هيكل؟”

رحِم الله رياض نَجيب الريّس، الصديق الأديب وأخر الفُرسان الكِبار.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها