aren

معضلة أكراد سوريا ومطامع أردوغان \\ كتابة : يوسف شيخو
الإثنين - 15 - يناير - 2018

 

لا تمر أى مناسبة يحضرها الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، أو غيره من المسؤولين الأتراك، دون أن يذكروا التهديد الذى تفرضه وحدات حماية الشعب الكردية على الأمن القومى التركى، فضلًا عن تأكيدهم أن مسألة شن حملة عسكرية لتدمير هذه الوحدات هى مسألة وقت فقط.

وتصاعدت تهديدات تركيا ضد وحدات حماية الشعب فى نوفمبر الماضى، عندما ظهرت بوادر لهجوم محتمل على منطقة عفرين فى حلب، وذلك بعد إرسال تعزيزات إلى الجيش التركى على الحدود السورية، وكذلك إلى الأراضى السورية التى تسيطر عليها فصائل درع الفرات، ومع ذلك يبدو أن أنقرة لاتزال تبحث عن شركاء لتشكيل تحالف ضد قوات سوريا الديمقراطية، التى يقودها الأكراد فى شمال البلاد، وربما يأمل أردوغان فى إيجاد وسيلة لاستهداف الأكراد السوريين من خلال محاولة تشكيل تحالفات مع روسيا وإيران.

وسيواصل الرئيس التركى جهوده لإقناع الروس الذين مازالوا حتى الآن يعارضون فكرة استهداف عفرين، وأظهرت تصريحات وزير الخارجية التركية، مولود جاويش أوغلو، بعد يوم واحد من زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين الأخيرة لأنقرة، أن تركيا لم تحصل بعد على موافقة روسيا على مهاجمة عفرين، حيث قال أوغلو: «سننسق مع موسكو للقيام بعملية عسكرية فى عفرين إذا لزم الأمر»، ولكن الرئيس التركى لن يتوقف عن المحاولة، وربما هذا يفسر الاجتماعات والمكالمات المتكررة بين أردوغان وبوتين.

ومن المرجح أن السبب الكامن وراء الصمت التركى اللافت على إعلان روسيا الأخير تقديم دعمها الجوي لقوات سوريا الديمقراطية، خلال المعركة ضد تنظيم «داعش»، فى دير الزور، هو أن أنقرة تفضل عدم التصعيد مع الرس، حيث ستكون تكلفة المواجهة بينهما مرتفعة للغاية، وعلى الرغم من إصرار موسكو على وحدة الأراضى السورية، فإنها لاتزال تفضل الحكم الذاتى الكردى، ومن المرجح أن يمنع الروس العمل التركى ضد عفرين.

ومرة أخرى، يمكن أن يؤثر ذلك على علاقات تركيا مع روسيا حول سوريا، وذلك على الرغم من أن مسألة حدوث تمزق كامل للعلاقات ، هو أمر غير مُرجح.

وحتى الآن ، فإنه يبدو أن الموقف الأمريكى ، هو الأقرب إلى الموقف الروسى من بين جميع القوى الفاعلة فى سوريا، سواء المتحالفة مع الرئيس السورى بشار الأسد، أو المعارضة له، حيث يدعم الطرفان الانتقال السياسى الجاد، ومنح الأكراد دورًا مستقبليًا، وتقليل النفوذ الإيرانى والتركى فى البلاد، وإبقاء تهديد الحرب بعيدًا عن حدود إسرائيل.

وقد نجحت موسكو وواشنطن بالفعل فى منع أنقرة من استهداف قوات سوريا الديمقراطية فى مدينة منبج، ويعتقد البعض أن واشنطن وموسكو لديهما مصلحة فى منع تدخل تركيا فى سوريا بأى طريقة أخرى غير محاربة «داعش»، وربما تخشى أنقرة السيناريو الأسوأ فى سوريا، الذى يتمثل فى حدوث اتفاق أمريكى- روسى لإعطاء دمشق الأكراد حكمًا ذاتيًا معترفًا به على المستوى الدولى، ومع ذلك يبدو أن الولايات المتحدة تفضل ، أن كل هذا يجرى على أساس بعض التفاهم مع تركيا، وقد تحاول واشنطن دفع أنقرة مرة أخرى إلى استئناف عملية السلام الداخلية مع الأكراد، الأمر الذى سيعزز العلاقات بين تركيا وأكراد سوريا.

وقد تنضم بعض القوى الإقليمية إلى روسيا والولايات المتحدة فى دعم القوات التى تسيطر على شمال سوريا، فهناك مبادرة سعودية- إماراتية مشتركة لدعم قوات سوريا الديمقراطية، وهى التى قد تضمن وقف التوسع الإيرانى- التركى، ومنع جماعة الإخوان المسلمين من لعب أى دور رئيسى فى سوريا، ويرى البعض فى إسرائيل أهمية وجود تحالف مع الأكراد كطرف موثوق به فى سوريا فى المستقبل، وإذا كانت إسرائيل تأمل مع واشنطن فى منع طهران من إقامة ممر برى، فإنها ستحتاج إلى تعزيز نفوذها فى المنطقة الكردية فى سوريا لإحباط الطموحات الإيرانية.

ولكن تركيا، التى تعمل على ضمان أمنها القومى وإعادة بناء جيشها وتعزيز اقتصادها، تسعى إلى توسيع نفوذها فى المنطقة.. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة، قام أردوغان بتطهير وإعادة هيكلة الجيش لخدمة احتياجاته السياسية، فقد هرع لتطهير مؤيدى رجل الدين القوى فتح الله جولن، فضلًا عن خنق السياسة، خاصة المعارضة الكردية، مما ساعده على كسب ودّ القوميين الذين سعى إلى تقسيمهم.

ويعتقد السياسيون فى أنقرة أن الفوضى تقع الآن حول تركيا وليس داخلها، وأنه على البلاد أن تستفيد من هذه الفوضى وأن تترك المتحاربين المجاورين يضعفون بعضهم البعض، وعلى الرغم من اعتقاد أردوغان أن أسوأ ما فى محاولة الانقلاب قد مر، وذلك مع عودة الاستقرار إلى تركيا فى ظل تراجع عمليات «داعش» والعودة التدريجية للسياحة، فإنه لايزال يواجه العديد من التحديات، وهى الانتخابات الرئاسية المقبلة فى 2019.

وتقف تركيا جنبًا إلى جنب مع روسيا وإيران فى وضع جيد للتأثير على مستقبل سوريا، ولكن التسوية حول مستقبل البلاد ، هى حاليًا نقطة اختلاف بين أنقرة وطهران من جهة، وموسكو من جهة أخرى، حيث لا تدعم إيران وتركيا جهود روسيا لإقامة سوريا الاتحادية ، التى من شأنها أن تسمح بظهور تهديد جديد للقوتين الإقليميتين ، اللتين ترفضان تمامًا إنشاء أى كيان كردى فى سوريا، وعلى الرغم من التقارب المنطقى بين تركيا وإيران حول القضية الكردية، فإن كلاً من روسيا وإيران تدركان جيدًا دوافع أنقرة لجمعهما معًا فى سوريا، وبالإضافة إلى تعاون واشنطن المتواصل مع الأكراد السوريين، فقد تحول الواقع العسكرى لصالح نظام الأسد، وذلك فى ظل تراجع نفوذ حلفاء تركيا العرب السُنة فى المنطقة.

ومنذ هزيمته فى حلب، بدأ أردوغان تركيز كل اهتمامه على فرض خطه الأحمر: لا دولة كردية فى سوريا، ومن المتوقع أن تستفيد أنقرة من محادثات آستانة وتفوز بتنازلات روسية وإيرانية حول الأكراد السوريين، فقد حاولت أطراف آستانة الثلاثة اللجوء إلى أساليب تكتيكية لتحقيق بعض المكاسب، ولكن هذه ليست تحالفات طويلة الأجل، وعلى الرغم من وجهة النظر القائلة بأن تقارب تركيا مع منافسيها التاريخيين، إيران وروسيا، يمثل تحولًا كبيرًا فى السياسة الخارجية للبلاد، وعلامة على أن أنقرة قد تخلت عن واشنطن، فإن تركيا تراهن على تقاربها مع طهران وموسكو لتكون واحدة من أسباب قيام واشنطن بسحب دعمها للأكراد.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد عملت على إرضاء تركيا برفضها استفتاء انفصال إقليم كردستان العراق، فإن أنقرة ستواصل النظر إلى دعم واشنطن لأكراد سوريا على أنه تهديد لأمنها القومى، وستستمر فى حثها على تغيير سياستها، والتلويح باعتماد سياسات ضد المصالح الأمريكية.

ولايزال أردوغان يعول على فكرة أنه عندما يحين وقت الحسم فلن تختار القوى الغربية الأكراد، وهى قوة سياسية واقتصادية وعسكرية محدودة فى المنطقة، على حساب تركيا حليفتها القوية فى حلف شمال الأطلسى «ناتو»، فهو يرى أن احتياجات تركيا تتطابق بشكل أفضل مع الرؤية الأمريكية للمنطقة، وقد وصف المسؤولون الأمريكيون فى السابق العلاقات مع وحدات حماية الشعب بأنها «مؤقتة وانتقالية وتكتيكية»، فى حين أن العلاقات مع تركيا «استراتيجية ومتينة».

وعلى الرغم من غياب الثقة بين أنقرة، من ناحية، وواشنطن والدول الأوروبية النشطة، من جهة أخرى، إلا أن الجانبين لا يستطيعان الابتعاد عن بعضهما البعض، وذلك لأنهما يتمتعان بعلاقات دبلوماسية وأمنية واقتصادية رئيسية، وسيحاول الغرب قدر المستطاع تجنب زيادة التوترات مع تركيا، وصحيح أن التعاطف الغربى مع الأكراد فى المنطقة ليس سرًا، ولكن من غير المرجح أن يكون كافيًا للأكراد فى مواجهتهم ضد تركيا.

“المصري اليوم”