aren

مصطلحات ومفاهيم في المشهد السوري \\ بقلم : ماجد حبو
الجمعة - 14 - يوليو - 2017

كثيرة ، هي المفاهيم والمصطلحات السياسية ، الاجتماعية  ، الثقافية في المشهد السوري اليوم ، والتي تصل الى مستوى البديهة المطلقة .

حيث يتم تداولها بوصفها مسلمات ، يؤسس عليها المواقف والتحليلات السياسية لما بعدها , والامثلة في ذلك كثيرة ومتنوعة : بدءا من التوصيف العام للحدث السوري وصولاً الى تفاصيله الصغيرة ، مروراً بضبط السياق العام لمجريات الأحداث ، مع التداخل مابين الذاتي والموضوعي في السردية السياسية.

” الثورة السورية , المعارضة السياسية , المعارضة المسلحة , التفاوض السياسي , النظام السياسي , الدولة السورية , العملية الانتقالية , الشرعية السياسية والوطنية , الشرعية الدولية , التحالف الدولي للارهاب , منظمات إغاثية , وحدة الأراضي السورية , الشعب السوري , جنيف , آستانة , التدخل الخارجي , السيادة الوطنية ……. ” ومئات التعابير والمصطلحات ، والتي يحتاج كلاً منها الى كتب مجلدات لتحديدها العلمي الموضوعي السياسي ، والذاتي ، وسأكتفي في القادم من الحديث ، بالاقتصار على مفهومين ، طغيا على المشهد العام منذ البداية ، وهما : “الثورة السورية ” ,و ” التفاوض السياسي”.

( الثورة السورية ) :

حضر تعبير ” الثورة ” التونسية – الليبية – المصرية – اليمنية – البحرينية ، وصولاً الى الثورة السورية مبكراً ، مع تعبير ” الربيع العربي ” ، وهو تعبير ” إعلامي ” ، تبنته وروجت له ، مواقع إعلامية بعينها ، قبل أن يشكل واقعاً سياسياً ناجزاً – يستكمل بناءه أو يتراجع أو يرتد عنها – بل شكل الحضور الاعلامي   ” واقعاً ” يسبق ، أو يصنع الحدث !!

وللحديث عن الربيع العربي ، يجب العودة قليلاً الى النظام العربي الرسمي ، الذي يعاني من مأزقين مزدوجين :

1- سيطرة النظام على المجتمع من خلال الايديولوجيا ، وصولاً الى القبضة الأمنية المباشرة .

 2- قدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه .

وفي هذا السياق ، نجحت بعض الأنظمة العربية : ك(التوريث ) السياسي في سورية ، أو الادامة السياسية في الجزائر , وغيرها من المحاولات عديدة .

جاءت ظاهرة الربيع العربي ، ك(رد) على الاستعصائين السابقين في الانظمة العربية الرسمية ، ومحاولة ” شعبية عفوية ” على العجز البنيوي في هذه الانظمة ، اما بتجاوزها أو بتحطيمها ، كمقدمه لتجاوزها !! .

في سورية نجح النظام – السلطة ، في عملية التوريث بعد رحيل مؤسس النظام حافظ الاسد ، في محاولة لدرء إمكانية إنفجاره الداخلي ، أو الضربات السياسية من الخصوم السياسين ، وفي ذلك حقق توسعاً أفقياً وعامودياً في مجالات وانحسر في مجالات أخرى .

لكن الثابت – وفقاً لكل التيارات السياسية السورية كما ورد في (إعلان دمشق ) بصيغته الأولى – بأن الأحتياج الأساسي للسلطة والمعارضة والمجتمع ، تتكثف في مسائل عدة ، تم تحديدها :

1- الأنتقال الديمقراطي من خلال المشاركة السياسية الجدية والفاعلة .

 2- محاربة الفساد الاداري في المؤسسات التنفيذية للدولة السورية .

 3- وقف تغول الأجهزة الأمنية على الدولة والمجتمع .

ألقت الظلال الاقليمية والدولية بأثمانها على المجتمع السوري ورؤاه السياسية لكل من السلطة والمعارضة : إحتلال العراق , إغتيال (رفيق الحريري) رئيس الوزراء اللبناني , الخروج العسكري السوري من لبنان , العدوان الاسرائيلي على لبنان (حرب تموز عام 2006 ) وصولاً الى أولى تباشير (الربيع العربي) في تونس وليبيا ، ومصر.

إزداد تقوقع النظام – السلطة على نفسه ولنفسه ، في محاوله للتصدي للأخطار الاقليمية , وتم تجيير كل الحاجات والنزاعات الداخلية لصالح ” الخطر الخارجي ” ، دون الانتباه بأن الأخيرة تحتاج الى قوة ومناعة داخلية .

في المقابل ، رفعت بعض القوى السياسية من سقف طموحاتها ” أمانيها السياسية ” الى مستويات غير واقعية ، ومتفق عليها : التيار ” الليبرالي والاسلامي ” في مقابل التيار ” القومي والماركسي ” ، كما ظهر وحضر ذلك في النسخة الثانية من ” إعلان دمشق”.

مع بروز ظاهرة الربيع العربي ( تمرد شعبي \عفوي غير منظم ) ، وجد التيار الليبرالي والاسلامي ضالتهم المنشودة في ” طموحاتهم وأحلامهم السياسية ” في ” إسقاط النظام أو إعادة إنتاجه لصالحهم ، وصولاً الى تحطيمه ، إذا أقتضى الأمر “.

تقاطعت هذه الرغبة أولاً مع التمرد المجتمعي الداخلي , ومع الرغبات الدولية في تجاوز النظام العربي الرسمي ، المثقل بأزماته ، شكلت حالة الربيع العربي ، عدوى لدى الفئات الاجتماعية المهمشة (الريف وأطراف المدن ) ، للدفع الى القطع الكامل مع النظام – السلطة في سورية , وامتدت العدوى الى بعض المدن ، لتشكل ” تمردا مجتمعيا عاما ” ، ضد شكل وبنية النظام السوري ، بمستوييه : الدستوري والأمني .

لم يستطع ” الحراك الشعبي ” ، إفراز ممثليه السياسين لقيادته ، بسبب ممارسات عنفية مباشرة ك(الاغتيال السياسي – مثال “معن العودات” ، والاعتقال السياسي – مثال ” عبد العزيز الخير ” ، عدا عن التهجير السياسي للقيادات الشابة للحراك ، اضافة الى حالة التصحر السياسي ، التي كانت سائدة قبل انطلاق الحراك.

والأهم من ذلك كله ، هو ” العنف المقابل ” الذي مارسه و وقع فيه ، الحراك ( ذاته ) .

المآزق والسقطات ، التي رافقت الحراك منذ بدايته

: 1- غياب المشروع السياسي الواضح .

 2- سطوة المال السياسي الخارجي والداخلي .

 3- تغليب ” العنف – العسكرة ” على السياسة مثال (الجيش الحر ).

 4- البحث المبكر عن حلفاء خارجيين قبل الداخل المحلي .

 5- التنافس العالي بين أطراف المعارضة وحالات الاقصاء والتخوين .

 6- الافتتان بالخطاب الشعبوي – المناطقي والطائفي والمذهبي – في رفع سوية ومستوى الحراك كماً وليس نوعاً .

 7- التنافس مع السلطة – النظام في الشرعية السياسية وليس الوطنية

في ظل هذه اللوحة المعقدة ، حضرت الكثير من الشعارات السياسية مثل ” الثورة السورية” ، وهو شعار ” رغبوي ” يقوم على الأمنية السياسية ، وليس الواقع الموضوعي !!.

فإذا كان المقصود ” بالثورة السورية ” : هو التمرد على كل المسلمات والبديهيات ، التي كانت حاضرة في عمر الاستبداد المديد في المجتمع ، ورفض كل تمظهراتها الايديولوجية والثقافية والفكرية ، فالثورة السورية مكتملة العناصر في ذلك .

فلقد أنجز تحطيم كل المفاهيم والقيم والأيديولوجيات ، التي تدعو أو تؤسس الى أي شكل قديم ، أو جديد للاستبداد السياسي والثقافي والايديولوجي في المجتمع السوري. .

نعم , المجتمع السوري ، يحتاج اليوم الى ” عقد سياسي جديد ” ، يستند أقله الى مفاهيم : المواطنة ، والانتقال الديمقراطي العلماني الوطني الواضح والصريح , ووفق علاقة تشاركية من كل القوى السياسية والمجتمعية السورية , وليس بالصراع العسكري (الضربة القاضية )، كما ألتقت في ذلك الرغبة بين أطراف الصراع .

وفي هذا السياق ، تبرز الفكرة البديهية التالية : ” التفاوض السياسي “

(التفاوض السياسي)

إن ذات العقلية السياسية – الايديولوجية ، التي أفضت الى إعتبار ” الثورة السورية ” ، مطلبا سياسيا واجتماعيا ووطنيا في ” إسقاط النظام ” بالقوة والعنف .

هي ذاتها ، من أوصت بالرفض المطلق ” للتفاوض السياسي ” من الطرف المعارض , في مقابل ” تعنت ورفض مطلق لذات المبدأ ” من طرف النظام – السلطة ، بوصفها للحراك الشعبي : جزءاً من مؤامرة دولية , عناصر محلية مدسوسة , وارهابيين …

وصولاً الى الحرب العسكرية – الأمنية ، لكل الحراك ومتطلباته ، ضمن عنوان عريض : الحرب على الارهاب , أو تأجيل الحديث والنقاش في أصل الأزمة ، لحين إنتهاء الحرب على الارهاب ، المنتشر حقيقة وفعلاً في الحالة السورية.

إن التداخل العميق للأزمة السورية ، بأبعادها ( المحلية ، الوطنية ، الاقليمية ، والدولية ) جعل من الصعوبة بمكان التمييز بين مستوياتها المتعددة ، فالطموح السوري في الانتقال الديمقراطي ودولة المواطنة ، ليست حطباً للنزاعات المذهبية الاقليمية في المحيط السوري ، كما تعمل على ذلك بعض الأطراف المعارضة.

كما ان النزاعات والاصطفافات والتحالفات الدولية ، يجب أن لا تكون على حساب ذات الطموح السوري الذي يضحى به على مذبح تلك التحالفات ، التي لاتفيد سوى أصحابها .

إنه ، وباعتبار ” الحرب إمتداداً للسياسة” , وليس العكس , فالمخرج الآمن والضامن الوحيد للأزمة (المقتلة) السورية اليوم ، هو في (حسن التفاوض).

التفاوض السياسي ، لا يعني خسارة أو مكسب طرف على آخر , بل هو في الربح الشامل للجميع ، وفق تصور موضوعي عقلاني وواقعي , فالطرف المفاوض (أ ) لا ينتقل الى موقع الطرف الأخر( ب ) , بل ينتقل ( أ ) و ( ب ) الى الموقع ( ج ) , وفي ذلك تأتي صيغة : ” رابح – رابح ” .

التفاوض السياسي ، لا يعطي شرعية مفقودة للخصم , ولا يعني التنازل عن المبادئ الأساسية , بل هو في التعريف المعمق : ” عودة السياسة الى السياسة ” .

اليوم ، وفي ظل التنازع المحلي الوطني والاقليمي والدولي ، قدمت مشاريع ورؤى ” قرارات دولية – أممية ” ، تطرح تصورات أولية للحل السوري .

وقد أجمعت عليها كل الأطراف المتنازعة (سلطةً ومعارضة ) ، سواء بالاكراه أم بالارضاء , وحظيت بموافقة أقليمية متفاوتة – باستثناء بعض الأحلام والتوسعات الاقليمية لدى البعض – ونالت المباركة والقبول الدولي ، أقله في الجانب (الشكلي ) .

في هذا السياق، يأتي دور الطرف الوطني (السوريين جميعهم ) في البحث والابداع عن طريقة ، وشكل يحقق طموحاتهم في هذا الاطار , ومن الممكن الاستفادة من الاجماع الدولي ” بالحل السياسي ” من خلال الدفع الى مؤتمر وطني عام سوري يحصر :

 1- الطموح السوري في الانتقال الديمقراطي .

 2- فرز القوى الوطنية السورية لممارسه العملية التفاوضية .

 3- رسم ملامح الشراكة السياسية (عقد سياسي سوري ) دون المطامح الاقليمية والدولية .

 4- توحيد الجهود ورسم ملامح خطة محاربة الارهاب بأجندات وطنية بعيدة عن “الاستثمار في الارهاب” من جهه , أو ” إسقاط الأنظمة عبر الارهاب ” من جهة أخرى .

ومن المفارقة اليوم ، وفرة التوصيفات للحدث السوري في الاعلام الدولي : ” الحرب في سورية , الحرب على سورية , الحرب الأهلية , محاربة الارهاب , الثورة السورية …. ” لكن المعيب ، أن لا يدرك السوريون أنفسهم  ل” حدثهم السوري ” من تسمية ، ومن رؤية وطنية .

عضو الأمانة العامة للمؤتمر الوطني الديمقراطي السوري

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها