aren

مصر بين الحضور العائد والدور الغائب
الأحد - 20 - نوفمبر - 2016

جهاد الزين \ النهار اللبنانية

قرار العفو الذي اتخذه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالإفراج عن 82 سجيناً، بينهم بعض الرموز الشبابية الليبرالية وعدد كبير من الناشطين الشباب، هو قرار طال انتظاره. ويبدو أن الضغط “الودّي” في مؤتمر الشباب الذي حضره السيسي ساهم في تسريع صدوره. لكن الأهم ما يعنيه من بدء تخفيف شمولية النظرة الأمنية للدولة حيال الحياة العامة، النظرة التي لا تضع فارقاً بين حامل السلاح المعارض وحامل الأفكار المعارض.

الصحافة المصرية نشرت صباح أمس لائحة أسماء المُفرَج عنهم. لن أدخل في تفاصيل الإخراج القانوني للعفو الرئاسي لأن المهم أن يصدر القرار حيال هذه الفئة الشبابية التي شاركت في إسقاط “الإخوان” وراء الجيش وأمامه في الشارع ثم وجدت نفسها سريعاً في السجون حين حاولت أن تمارس حقها الديموقراطي في التظاهر حول قضايا يحفل بها الوضع المصري.

لكن أهم ما في دلالات القرار أن الدولة المصرية تبدأ عبر هذا الإفراج بإنهاء التباس مسيء للعهد الذي وُلِد في الموجة الثانية من الثورة المصرية التي انطلقت من ميدان التحرير وهي موجة “30 يونيو” الشعبية التي، للتذكير، أسقطت شرعية حكمِ “الإخوان المسلمين”.

لهذا من المفتَرض أن ننتظر المزيد من القرارت المشابهة التي تعيد الفرز بين العناصر المتورطة في الحرب المسلّحة الفعلية القائمة ضد الدولة وبين العناصر المدنية وأغلبها المدينية الشبابية التي تريد توسيع الهامش الديموقراطي في مصر.

مصر في لحظة، بل مرحلة، جديدة من التأزّم الاقتصادي التي يحب الديبلوماسيون المصريون أن يصفوها بـ”الحرجة” وهي ربما أكثر من ذلك قياساً بتطورات سعر العملة.

لذلك ورغم إغراء البحث الرسمي المصري على أعلى مستوى عن سياسة فاعلة في المنطقة والعالم وهي اليوم، أي الدولة، تأخذ مبادرات اختبار مبادرات لم تصل بعد إلى حد تكريس نهج خارجي ليست كل عناصره متوفرة حالياً أيا يكن نظام الحكم، رغم ذلك لا ينبغي التقليل من احتمال أن تكون مصر تدفع حالياً ثمن هذا النزوع ولو المحدود.

طبعاً دعونا لا نبالغ في تجاهل عناصر الضعف البنيوية التاريخية في الاقتصاد المصري وخصوصاً التضخم السكاني، فلا نرمي على “الخارج” وحده مسؤولية الضعف الداخلي وهذا ما لا يقبل به أي مراقب موضوعي.

عدد من الأسئلة بعضها “قديم” يُطرَح أو يتجدّد هنا:

1- هل يمكن بناء سياسة خارجية “مستقلة” التحركات والتحالفات والمواقف في ظل اقتصاد هش أو مرتبط بشكل كثيف بالمساعدات؟

2- الدولة المصرية دولة أمنية قوية منذ عام 1952 ولكن هل القوة الأمنية قادرة على تحصين كافٍ وكاملٍ لأي ردود فعل داخلية تنتج عن تفاقم خطر الأزمة الاقتصادية؟

3- بعد انهيار المنطقة، انهيار الدول بالشكل المريع في سوريا واليمن وليبيا، هل لا تزال معادلة منع انهيار كبير في مصر بالقوة الاستراتيجية نفسها التي كانت تملي ضخ الاقتصاد المصري بكثافة في المساعدات خصوصاً أن الدولة المصرية تتعرض إلى حرب إرهاب فعلي منذ سنوات، لاسيما منذ سقوط حكم “الإخوان”. الجيش واجه بنجاح ولكن ليس بشكل كامل هذه الحرب وحَمى تماسكَ المجتمع والدولة. ولكن هل لا تزال معادلة “حماية” مصر بالفعالية السابقة التي عاشتها في النظام الدولي منذ اتفاق كمب دايفيد؟

4- هل يستطيع وضع عربي مرتبك وضعيف أن يحتمل تجاوز الأزمة الاقتصادية في مصر لحدود معينة من الخطورة؟ فإذا كان الوضع الإقليمي، بما فيه تركيا وإيران، قادراً على منع دور مصري فاعل في المنطقة أو على الأقل إذا كان الإقليم قادراً على محاصرة دور مصري خارجي فعال تنزع مصر نحوه، فمن من القوى الإقليمية يستطيع تحمل تبعات انهيار مصري؟ الجواب طبعاً خصوصاً بين العرب: لا أحد.

هذا يعني عميقا أن الآخرين هم بحاجة لمصر وليست مصر وحدها بحاجة إليهم؟ بل كما كتب متابعون مصريون مراراً “هم” بحاجة إليها أكثر مما هي بحاجة “إليهم”. نقول ذلك دون أي تخفيف يمكن أن يُتّهَم بالسذاجة من تعقيدات العلاقات والمشاكل.

جاءنا قبل أيام إلى بيروت وزير الخارجية المصري سامح شكري مُرَحَّباً به من الجميع والتقى المراجع والقوى الأساسية. لكن المصارحة تتطلب القول أنه رغم الدعم المصري للمرحلة الإيجابية الجديدة ورغم المساهمة في جو توازني ووفاقي تدعمه الزيارة، فإن المسؤولين المصريين يخطئون إذا اعتقدوا أن هذه الزيارة البناءة هي عينة كافية عن “دور”؟ على الأقل بحجم الطموح؟

الدور شيء آخر؟