aren

مسلسل ال”أصدقاء” … تحليل سوسيو – اقتصادي \\ بقلم : د. أشرف منصور
الخميس - 6 - سبتمبر - 2018

 

FRIENDS -- Season 4 -- Pictured: (back l-r) Matt LeBlanc as Joey Tribbiani, David Schwimmer as Ross Geller, Matthew Perry as Chandler Bing, (front l-r) Jennifer Aniston as Rachel Green, Courteney Cox as Monica Geller, Lisa Kudrow as Phoebe Buffay  (Photo by Gerald Weinman/NBC/NBCU Photo Bank via Getty Images)

كان للمسلسل الأمريكي “أصدقاء” Friends ، صدى واسعا في كل العالم، إذ حاز على شهرة وإقبال خلال الفترة الطويلة لعرضه (1994 – 2004)، وكان له تأثيره الواضح في مصر ، والعالم العربي.

هذا المسلسل ، يقوم بوظيفة أيديولوجية خطيرة لا تظهر مباشرة، من جراء عنصر الفكاهة ، وخفة الظل، وهي وظيفة مشروطة بحالة المجتمع الأمريكي أواخر القرن العشرين.

يدور المسلسل حول مجموعة من الأصدقاء، في أوائل الثلاثينيات من عمرهم، غير متزوجين، والذي تزوج فيهم انفصل.

ليست لديهم وظائف ثابتة ، ويتنقلون بين عدد من الوظائف ، مع فترات بطالة مؤقتة ، وهي فترات يقبلونها على أنها عادية ، تسبب لهم مشاكل ، لكنها لا تسبب أزمات ، يتكيفون معها وتصير عادية ، نظراً لتكرارها.

ليس في المجموعة مهني واحد ، بمعنى ، ليس فيها طبيب أو مهندس أو مدرس أو محامي ؛ وظائفهم هامشية ، إما أن يتركوها لغيرها ، أو يتركوها عن عدم اقتناع بها، أو يتم الاستغناء عنهم.

كلهم يعملون فيما يسمى بالوظائف المرنة (flexible jobs) ، التي لا تحتاج لفترات عمل طويلة ، أو الانتظام الطويل ، أو الاحتفاظ بالموظف لفترة طويلة . الوظائف المرنة ، هي جزء أساسي من اقتصاد الليبرالية الجديدة.

أفراد المجموعة لا ينجحون في إقامة علاقات عاطفية طويلة وثابتة ، دائمو التنقل من علاقة لأخرى . وفي غياب الانتماء لأسرة ، تكون مجموعة الأصدقاء ، هي الأسرة البديلة ، أو الجماعة المرجعية لذاتها          (reference group).

المجموعة ، كلها فاشلة على كل المستويات : وظيفياً وعائلياً ، وعلى مستوى العلاقات العاطفية . تتصف المجموعة بالتفاهة والسطحية الشديدة والطفولية وانعدام النضج، العاطفي والانفعالي ، والسلوكي ، لكنها على الرغم من ذلك ، ظريفة ،مرحة ، خفيفة الظل ، ومهرجة.

هذه المجموعة ، هي نتاج النظام الاقتصادي – الاجتماعي الأمريكي ، الذي يخلق أنماطاً هامشية من الحياة ، ويجعل مصير الفرد غير الناجح بمعايير ذلك المجتمع التفاهة والسطحية . هذه المجموعة ، هي نتاج الليبرالية الجديدة ، وانعكاس اجتماعي لها .

إنها الوجه القبيح للحياة المتوسطة في ظل هذا النظام ، أي التي لا هي ناجحة ، ولا هي فاشلة ومنهارة بالكامل.

الدور الذي يقوم به المسلسل ، هو أن يقدم للمجتمع الأمريكي مجموعة من ضحايا النظام القائم ، والمليئة بالسلبيات والإحباطات والفشل، في صورة كوميدية ظريفة خفيفة الظل، تجعل المجتمع يقبل هذه النماذج السلبية ويتعاطف معها ، ولا يشعر بفشلها ، بل يأخذ أحوالها السيئة على أنها عادية.

اذن ، المسلسل يمثل نموذجا للأعمال ، التي تقدم “البطل المضاد” Anti-hero ، أي البطل غير الناجح في حياته ، أو المليء بالسلبيات ، كوسيلة عزاء للمجتمع ، الذي يسود فيه هذا النموذج .

المسلسل يعمل على التخفيف من الآلام المصاحبة للأنواع الهامشية الفاشلة من الحياة ، التي هي نتاج عصر الليبرالية الجديدة .

تتوازى فترة عرض المسلسل ، مع فترة رئاسة بيل كلينتون (1993 – 2001) ، وهي الفترة التي بدأت فيها الآثار السلبية لليبرالية الجديدة في الظهور بالمجتمع الأمريكي ، لكن لم تكن هذه الآثار السلبية بالدرجة القادرة على إحداث تذمر ، أو تمرد واسع.

أما مع استفحال خطر الليبرالية الجديدة بعد رئاسة كلينتون، وتحول الفشل إلى بطالة طويلة ، وإفقار ، وديون عقارية ، حدث الانفجار بحركة (Occupy Wall Street ) ، ومن مجموعات شبيهة جدا بأبطال المسلسل.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها