aren

مرثية لبطلين لم تنشد لهما الأناشيد \\ بقلم : جريتشين ماكولوغ
السبت - 19 - يناير - 2019

 

(خاص) – ترجمة التجدد الاخباري

66b3acfe145d8ab9ffc9c360ebabff35

من إحدى المتع فى قراءة مقالات يحيى حقي أن يجد المرء نفسه مندهشاً من سعة معرفة الكاتب، وعمق تجربته، وسرعة بديهته، إضافةً إلى فصاحته، ففى مجموعته «دمعة فابتسامة» ثمة مراث عدة، إحداهما لعمه (محمود) طاهر حقي، الذي سطر أول رواية مصرية «من وجهة نظره» ، وهي «عذراء دنشواي» في سنة ١٩٠٧، وقد أشار يحيى إلى أن تلك الرواية كانت الأولى التي اهتمت بشؤون الفلاحين ومشكلاتهم ومهدت الطريق لمحمد حسين هيكل ،كي يكتب رواية «زينب» فيما بعد في عام ١٩١٣.

wp-back.php

يحيى حقي

 

كتب يحيى حقي عن رواية عمه : «لا أذكر في أي عام قرأتها- ربما في سنة ١٩١٤- ولكن لا أنسى إلى اليوم كم ارتج لها قلبي رجة عنيفة»، وهو ما يتوجب على القص المحكم أن يحدثه من أثر. إن يحيى حقي الناقد، وكاتب المقال، والقاص المبدع ليستحق منا مرثية، كتلك التي أُصبِغ العديد منها على الآخرين، تخص مكانته في الإرث الأدبي المصري الحديث.

_315x420_a2e26fb42e9ca87b43503bdfe7d9014175e421afb795c5601bf1ddc7e158033c

بوستر فيلم “البوسطجي”

وربما يبدو هذا لائقاً في إطار الاحتفاء المؤخر بفيلم «البوسطجي» إخراج حسين كمال ١٩٦٨، وبطولة شكري سرحان، المستوحى من روايته القصيرة، ولكن لا يسع المرء أن يكتب شيئاً عن هذا الفيلم الدال دون ذكر دور السيناريست الموهوب، والروائي الفذ صبري (موسى)، الذي ترجم روح الرواية إلى سيناريو سينمائي مفعم بالتشويق، (كان سابقاً قد كتب سيناريو «قنديل أم هاشم» كذلك ليحيى حقي).

إن صبري (موسى)، الذي وافته المنية، في يناير ٢٠١٨، ليستحق منا كذلك مرثية معتبرة لسيناريوهاته، وقصصه ورواياته الثلاث التي تقطر شعراً: حادث النصف متر، فساد الأمكنة، والسيد من حقل السبانخ.

فالمونولوج الداخلي، الذي يمثل دعامة رئيسية لرسم بورتريه نفسي للشخصية في العمل الروائي، يتوجب التعامل معه بأسلوب مغاير في الكتابة للسينما، وفي رواية «البوسطجي» القصيرة ليحيى حقي تحوز المناجاة «المونولوج الداخلي» وأفكار «جميلة»، الفتاة الشابة التي تقع في غرام الفتى «خليل» الذي يعدها بالزواج، على نصيب الأسد من رواية حقي.

فتتجلى عزلة البوسطجي في المشاهد التي يجلس فيها وحيداً بالمنزل المترب المتهالك الذي يستأجره وهو يستخدم النجار لفتح الرسائل بعناية فيما يجترع خمراً رخيصاً ويتسلى بغراميات جميلة وخليل، أو حتى في المشاهد التي يقود فيها حمادة لتوصيل الخطابات إلى بيوت أصحابها، فهو كمثقف قاهري، مقارنة بأهل القرية البسطاء، لا يستطيع التواصل بالفعل مع الناس هناك، ويظن أنه ربما قد تم نفيه إلى كوكب المريخ.

19_2018-636518802774199964-419

صبري موسى

يضيف صبرى موسى بضعة مشاهد، لم تكن موجودة بالنص الأصلى، لإذكاء التوتر الدرامى المرتبط بالجنس فى قرية بصعيد مصر فى الأربعينيات، على سبيل المثال، المشهد الذى تُساق فيه الخادمة عنوةً إلى منزل أقاربها، بعد أن تم اغتصابها، تمهيداً لقتلها، كذا حين يستدرج عباس الراقصة الغجرية إلى بيته وتكاد تلقى حتفها على يد جمهرة من الغوغاء. وكلا المشهدين يلقيان بالظلال على مقتل جميلة «في الفيلم» لاحقاً، حين يكتشف أبوها أنها (حبلى).

فى نهاية الرواية يسمع عباس أجراس الكنيسة تُقرع إيذاناً بوفاة أحدهم، لكن المؤلف، يحيى حقى، لا يصرح علناً أن ذلك كان إيذاناً بموت جميلة، بل يترك الأمر مفتوحاً للتأويل، بيد أن صبرى موسى يضيف فى سيناريو الفيلم مشهداً للأب وهو يحمل جثة ابنته طائفاً بها في القرية، وهو ما يعيد إلى الذاكرة مشهد الملك لير، في التراجيديا الشكسبيرية الشهيرة، وهو يحمل جثة ابنته «كورديليا» قائلاً: «كيف لكلب أو حصان أو جرذ أن ينعم بالحياة، وأنتِ لا يتردد في صدرك أي نفس»، غير أن مشهد «البوسطجي» يعد نقيضاً درامياً للمشهد الشهير في «الملك لير»، بما أن النية كانت مبيتة لدى والد جميلة لقتلها من أجل مسألة الشرف – والخسارة واحدة.

_315x420_1fc4f8b0b4d610a5ff42a92bdeebb3aa24e1223e8c5953311beb86dd9c59b907

بوستر فيلم “النافذة الخلفية”

إن «البوسطجى» كإحدى كلاسيكيات السينما المصرية، ليستحضر إلى ذهني فيلم التشويق الكلاسيكى «النافذة الخلفية» من إخراج «ألفريد هيتشكوك» وبطولة «جيمس ستيوارت» و«جريس كيلي» .

يقوم «ستيورات» بدور المصور الذي، بعد أن تكسر ساقه ويعجز عن الحراك، يعكف على الجلوس أمام نافذة شقته في مدينة نيويورك ليراقب جيرانه، في بادئ الأمر ، يبدو ذلك مسلياً، لكن الأمور تزداد تعقيداً حين يدرك القاتل «الجار» أنه تتم مراقبته ليبدأ في ملاحقة المصور وصديقته الجذابة.

إن البوسطجي الشاب الذي يقطن في قرية بصعيد مصر يسعى إلى قتل الملل عن طريق التلصص على رسائل القرويين، حتى يتعثر برسائل عاشقين صغيرين تفوح بأسرارهما. كذا يتعثر المصور في «النافذة الخلفية» بسر مميت، فقد قتل الجار زوجته وقطّع جسدها إرباً وحشره في صندوق كبير، في الفيلم المصري يدرك عباس «البوسطجي» أن جميلة قد وهبت نفسها كلياً إلى عاشق أرعن ينقصه النضوج.

ورغم أنه يدرك أيضاً أنها كفتاة حبلى ستتعرض ربما للقتل من أجل الشرف، إلا أنه يقف عاجزاً عن مساعدتها، وكلا الرجلين أعزب وحيد يسلى نفسه بالتلصص على جيرانه.

ولو أن إحدى الروايتين تدور أحداثها في نيويورك بالولايات المتحدة في الخمسينيات، والأخرى تجري في قرية بصعيد مصر في الأربعينيات، فإن ما يجمعهما هو التركيز على قضايا «تيمات» كونية من قبيل العزلة، وشهوة التلصص، والتهميس، لكم نظن أحياناً أننا نعرف جيراننا جيداً، لكن عادةً ما تصدمنا الدهشة.

ولسوء الحظ، فإن روايات العديد من الكتاب الاستثنائيين لا تصل إلى الجمهور سوى بعد تحويلها إلى أفلام سينمائية، إلا أن الاحتفاء بفيلم «البوسطجي» في ذكراه المئوية مؤخراً بالقاهرة، والذي يتقمص روح رواية يحيى حقي القصيرة على أكمل وجه ممكن من خلال السيناريو المبدع لصبري موسى، بإمكانه إلهام المشاهدين إلى العودة إلى الكلمة المكتوبة، وهو خير مثال على الانسجام والتطابق الفني بين الصورة والكلمة.

جريتشين ماكولوغ \ Gretchen McCullough

أستاذة “الكتابة الإبداعية” بالجامعة الأمريكية في القاهرة