aren

مراجعة “ظالمة” لمذكرات إيلي الفرزلي \\ كتابة : جهاد الزين
الأحد - 12 - يناير - 2020

 

elieferzli

ايلي الفرزلي

إيلي الفرزلي مظلومٌ سلفاً في هذا المقال. بل أي كاتب أو سياسي ذي معنى أو موقع جدي يكتب كتاباً من 799 صفحة (ما عدا الفهارس) سيكون مظلوما في مقال محدود الكلمات عن كتابه. لا بل سأرد على نفسي بالقول أن كل مذكرات تصدر عن أي شخص لها قيمة كبيرة إذا توفّر لها من يضعها في كتاب. وبالتالي سيصبح الكتاب مظلوماً حين يريد مقال من بضع كلمات اختصاره أو تقييمه.

إيلي الفرزلي الذي يعطي انطباعاً على شاشات التلفزيون بأنه خطابي، أي يتكلّم بصوت جهوري ويطرح أفكاره بلغة وعظية… إيلي الفرزلي ليس كذلك في كتابه. فهو يراجع تجربته الطويلة في الحياة السياسية والمناطقية (والمناطقي نوع خاص من العمل السياسي) ويفاجئك بأنه لا يتردّد في دخول ومناقشة “الدوائر” الصعبة والخطرة من تجربته. مثلا ما قيل عن علاقته بالإسرائيليين في فترة الاجتياح، فيشرحها بأنها تمت غالبا في نطاق محلي وضيًِّق في بلدته جب جنين بناءً على طلب آخرين بينهم مرةً لإنقاذ منزل سامي الخطيب وبطلب من والده.أو في الفصول الهامة المتعلقة بعلاقته بالجنرال السوري غازي كنعان وهذه الأخيرة ليست فقط أهم فصول الكتاب بل تتعلق بعلاقة تشكِّل أهم فصل في حياة إيلي الفرزلي السياسية.

يبدأ الفرزلي مذكراته بسرد تاريخ لعائلته آل الفرزلي وجدِّه الطبيب الذي درس في أميركا وعاد إلى “سوريا” عندما كانت جب جنين تتبع لإحدى ولاياتها قبل إلحاقها بمتصرفية جبل لبنان.

وبسبب الحجم الهائل للتفاصيل، سأقف عند الملاحظات العامة على الكتاب الذي استغرقت مني قراءتُه وقتا طويلاً ساهمت فيه الوعكة الصحية التي أصابتني لكني كنت أجد نفسي “متورطا” في قراءته رغم “تَعَبي” من حجمه كأنه أصاب عندي هذا الميل للتفاصيل.

1- الكتاب بقاعي بامتياز. تاريخ البقاع الانتخابي منظوراً إليه من زاوية تجربة عائلة وجيهة مسيحية أرثوذكسية وصل منها لسنوات طويلة نائب في برلمانات الخمسينات والستينات من القرن المنصرم وكان وجهها المعني أحد الأسماء البرلمانية الأكثر تقليدية في تلك الحقبة. إنه المرحوم أديب الفرزلي عم ايلي الذي كان يريد صهره الياس القريب من البعث العراقي نائبا وارثاً وليسا والد إيلي . وأدى انشطار العائلة بين أديب وبين والد إيلي نجيب المرجع المحلي الذي يتكئ عليه أديب إلى خسارة كليهما الانتخابات عام 1972.

كان هناك في معظم الأحيان رديف محلي للسياسي المرشح أو النائب هو شقيقه يأخذ عنه تفاصيل “ضغط” الناس والناخبينٌ. وهناك أكثر من ثنائي في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية بينها ثنائي حميد فرنجية وشقيقه سليمان، رشيد كرامي وأشقاؤه لاسيما عمر، وسليمان العلي وشقيقه مالك وفي بيروت صائب سلام وبعض أشقائه العديدين، وفي الجنوب كاظم الخليل وشقيقه عبد الرحمن وغيرها من الثنائيات التي كنا نشهد الكثير منها على مستويات أقل تأثيرا منها شهير ومنها لا. لكنها معروفة بين جمهور المنطقة.

2- وهوكتاب زحلاوي. يهتم إيلي الفرزلي بزحلة وبصلته الوثيقة بها، بما يقارب إعطاءه الانطباع عن عقدة زحلاوية لديه. لكن يمكن تفسيرها بل حتى تبريرها. الرجل مسيحي أرثوذكسي ذاكرة عائلته عاشت وزحلة ليست فقط عاصمة البقاع الاقتصادية حتى قبل تأسيس “لبنان الكبير” في الزراعة – وهي ماهية السهل – والتجارة بل عاصمته في التربية والثقافة والإدارة كما كرّستها الدولة الجديدة كمركز للمحافظة الشاسعة، الشاسعة ليس فقط بمعايير حجم دولة كلبنان بل بمعايير دولة أكبر جغرافيّةً من لبنان.

يعطي الكتاب الانطباع أن كل شخص في زحلة هو شخص مهم. الكتاب هو كتاب شهادة عن زحلة أيام الحرب. وكيف نجحت المجموعة الوسيطة التي ينخرط فيها في إنهاء حصار الجيش السوري لزحلة وبالتعاون مع الياس الهراوي وموافقة جوزف سكاف الزعيم التقليدي للبلدة التي تشبه المدينة والمدينة التي تشبه البلدة.

كثيرةٌ هي التفاصيل هنا وكثيرٌ هو لوم وعتب وشكوى وانتقاد إيلي الفرزلي، غير أن شهادته المهمة عن تلك الحقبة تكشف فصلاً أساسياً من تحلّل الزعامة السكافية أمام الأحزاب المسيحية، إلى حد، ويبدو لي هذا صحيح، أن جوزف سكاف صار يراهن على تعيينه وزيرا في حقيبة مهمة لكي يحافظ على وجوده في الصدارة التي يستنتج القارئ أنها صارت صدارة شكلية. ولا تخلو شهادة الكاتب حول سكاف من مرارة وهو الذي تربّى على محورية هذه الزعامة في كل البقاع وخصوصاً الوسط والجنوب، جنوب البقاع أي المنطقة التي تقع فيها دائرة الفرزلي الانتخابية المسماة البقاع الغربي وقريته جب جنين.

3- وهو كتاب لبناني. فهاجس الفرزلي المسيحي وخيباته المعروفة من الناخب المسلم تعود لتطفو في الفصول الأخيرة وهو صاحب فكرة ما يسمى القانون الأرثوذكسي الذي يجعل كل طائفة تنتخب مندوبيها إلى البرلمان.

علاقته بالرئيس ميشال عون تحتل طبعاً فسحة غير قليلة في المذكرات وخصوصا فترة التمهيد لصفقة انتخاب عون رئيساً. سيخبره الجنرال عون ذات يوم قبل انتخابه بما معناه أنه لن يكون على قيد الحياة إذا انتُخب غيره رئيساً ( وأعتذر هنا عن عدم الاستخدام الحرفي لما نقله الفرزلي عن عون مكتفياً بنقل الفكرة).

في المذكرات أيضا فصول من تجربته الخارجية من موقعه الطويل الأمد كنائب رئيس لمجلس النواب.

4- وهو كتاب سوري لسياسي لبناني يَنْظُمُهُ، أي الكتاب، خطُ الدفاع عن علاقته الوثيقة بالنظام السوري سابقاً في عنجر و اليوم في دمشق والتي يريد أن يقول أنها تعود بجذورها إلى العهدين الفيصلي والفرنسي.

العلاقة مع غازي كنعان أيام الرئيس حافظ الأسد والعلاقة مع بشار الأسد طوال فترة رئاسته المتواصلة. وإذ يرجّح الفرزلي فرضية انتحار غازي كنعان وليس قتله، وهو ما لا أشاركه فيه انطلاقاً من أن الرجل كان على الأرجح منخرطا في اتصالات مع الأميركيين أو الفرنسيين لتغيير النظام، فهو ينحاز لكنعان بوضوح من حيث فارق الشخصية والكفاءة عن خلفه رستم غزالي. وهذا رأي أشاركه فيه كمراقب خارجي لتصرفات الرجلين وإدارتهما للمرجعية السورية للدولة اللبنانية.

لم يحاول الفرزلي إخفاء الطابع الإملائي للمرجعية السورية على الحياة السياسية اللبنانية. فترة الرئيس حافظ الأسد حيال اختيار الياس الهراوي رئيساً، وفترة الرئيس بشار الأسد حيال العماد اميل لحود والرئيس رفيق الحريري، الأول كحليف موثوق والثاني كحليف مشكوك فيه دائماً. ويكشف الدورَ الذي لعبه العماد لحود في إقناع القيادة السورية بإقصاء غازي كنعان عن عنجر وإعادته إلى دمشق.

أتعبني كتاب إيلي الفرزلي بسبب حجمه الضخم، من جهة، واضطراري في الوقت نفسه لقراءته بسبب المعلومات الشيقة التي يتضمنها، من جهة أخرى. لكن أهم ما شدني إلى قراءته أنه لم يهرب من أي موضوع حساس يتعلق به. وإن كان لفتني أنه لم يكشف لنا أيا من عمليات تزوير الانتخابات التي كانت تحصل من الشمال إلى الجنوب وبأشكال مختلفة بين 1992 و2005، ولكنه يكشف وسائل الضغط واستخدام النفوذ و”تركيب” الدوائر الانتخابية.

هذا كتاب كاشف لمرحلة طويلة، غيّرت لبنان سيكون له مكان في مكتبة أصدقاء إيلي الفرزلي وأعدائه على السواء وأرجو أن تكون نسخته الأخيرة أكثر ضبطاً طباعياً لأن النسخة الأولى غير المكتملة طباعياً التي استلمتها من الأستاذ الفرزلي فيها عدد من المقاطع المكررة.