aren

مذكرات تركي الفيصل : رجل الدولة ومعادلاتها \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 6 - يناير - 2022

قرأتُ باهتمام الحلقات السبع التي نشرتها مجلة “أساس” الإلكترونية من كتاب الأمير تركي بن فيصل رئيس المخابرات العامة السعودية السابق “الملف الأفغاني”. والأمير تركي كما هو معروف عاصر وواكب وساهم في المواجهة السعودية الباكستانية الأميركية للاحتلال السوفياتي لأفغانستان خلال القرن المنصرم. هذا الاحتلال الذي سينتهي في نهاية الثمانينات ولكن ليتبيّن أنه سيكون أحد فكّي الكمّاشة التي أحْكَمَتْها الولاياتُ المتحدة حول عنق الاتحاد السوفياتي  الشيوعي اللاديني.

كمّاشة عبر أعلى وأقوى المشاعر الدينية المسيحية والمسلمة يمكن تصورها بفكّين أحدهما برأس واحد، في الغرب نهوض بولونيا بقيادة البابوية الكاثوليكية. وثانيهما في الشرق برأسَيْن  هما نهوض الأصولية الإسلامية الشيعية في إيران الثورة والآخر نهوض الإسلامية الأصولية السنية في مواجهة احتلال السوفيات لأفغانستان. وقع السوفيات في الفخّين البولوني والأفغاني اللذين سرّعا في هشاشة الأمبراطورية الروسية التي كانت تعاني أصلا من فشلها التنموي الفادح وإرهاقها في سباق “حرب النجوم” التي فرضها عليها التنافس مع واشنطن.

لا شك أن أول سؤال يطرحه رجل الدولة الذي يريد أن يكتب مذكراته أو أن يكتب أي كتاب عن تجربته حتى لو أصبح مسؤولا سابقا هو “هل خرجت الوقائع أو المعلومات المذكورة عن السيطرة؟” بمعنى هل يمكن توظيفها بطريقة مسيئة لصاحب الكتاب أو للدولة التي يدافع الكاتب عن مصالحها أو منطق مصالحها؟

والحال أن الأمير تركي يضع هذا الكتاب، كما صرّح، لعرض وجهة نظر المملكة العربية السعودية في أحداث تلك الحقبة الهامة. إذن الهدف غير الدور الشخصي هو عرض لمستوى فائق الأهمية باعتبار الكتاب هو وجهة النظر “الرسمية” السعودية في تلك المرحلة بل المراحل.

وقبل أن أدخل في بعض تفاصيل هذاالكتاب  الذي يجمع بين ذروة الرصانة من موقع رجل الدولة، خصوصا رجل الدولة السعودي الأمير ابن الملك الراحل وبين الجرأة في كشف العديد من الوقائع … أشير إلى التالي:

في مقابلة مع قناة “العربية” سمعتُ الأمير تركي يقول أن مسودة الكتاب عُرِضت على عشرين دار نشر غربية ولم تقبل بطبعه؟

وسنعلم لاحقاً أن الكتاب سيصدر أخيرا في لندن بالانكليزية عن دار نشر Arabian publishing

تركي الفيصل

من المسائل البارزة كشْفُ الكتاب أن المملكة حاولت منذ البداية إخراج أسامة بن لادن من أفغانستان عندما انتقل إليها من السودان ليصبح بضيافة زعيم طالبان المللا عمر بعد سيطرة “طالبان” على السلطة في أفغانستان. وهو يوضح كيف وضعت المملكة مسافة رافضة لبن لادن بعدما ظهرت ميوله المتطرفة ثم الإرهابية. وفي هذا السياق يعرض الأمير تركي لواقعة شديدة الدلالة. فهو يروي كيف دعا أسامة بن لادن  الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع أن لا تطلب المملكة مساعدة الأميركيين بعد احتلال صدام حسين للكويت متعهدا بأن يتولى “مجاهدوه” قتال صدام وإخراجه من الكويت. الواقعة إذا كانت تُظهر شيئاً مهما فهو كيف تضخّم إحساس بن لادن بأهميته الشخصية بعد تجربة قتالية محدودة ضد الغزو السوفياتي.

الواقعة ناطقة بحد ذاتها وتكشف ما هو أكثر دلالة من أي تعليق. فهنا لا تَظهر فقط الحالة المرَضية بل تَظهر أيضا كيف أصبحت حالة بن لادن تمس الأمن الوطني للمملكة إذْ صار أسامة بن لادن يريد أن يملي على القيادة السعودية ما يجب أن تفعل. ومن يقوم بذلك مواطن سعودي ليس لديه أي صفة رسمية!

من الوقائع التي يسردها الأمير واقعة صراع قائدين محليين من “المجاهدين” الأفغان أرادا اغتصاب غلام في منطقتهما، كدلالة على مدى انحطاط ممارسات “المجاهدين” الإسلاميين (الإخوانيين) الذين تولّوا السلطة بعد سقوط الحكم الشيوعي وقبْل طردهم على يد “طالبان” لاحقا.

-حسن الترابي زعيم “الإخوان المسلمين” السودانيين هو الذي دعا وحضّر انتقال أسامة بن لادن إلى السودان،

-نشأ تحالف بين “طالبان” وإيران بعد الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001، كون العدو مشتركا وهو أميركا.

السؤال الذي يطرحه أي مراقب هو هل ستستمر هذه المعادلة “العدو المشترك” في تحديد العلاقة بين إيران وطالبان أم أن معادلة جديدة ستنشأ إذا ظهرت علاقة مختلفة أي إيجابية بين طالبان وواشنطن؟ وهو بُعد قد يكون أساسيًا في “سماح” واشنطن بسيطرة طالبان مجددا على أفغانستان قياسا بالسابقة التاريخية التي نقلت فييتنام من عدو لأميركا إلى صديق لها خلال جيل واحد وجعلت من فييتنام كما هي حاليا خصما إقليميا للصين تبعا للحساسية الصينية الفييتنامية في أكثر من ملف.

-استقالة الأمير تركي من منصبه في آب 2001 بسبب شعوره بالإحباط من عدم نجاحه في حل مسألة بن لادن وإبعاده عن أفغانستان لكنه يقول أن السبب الأساس لاستقالته هو مرور 24 عاما على توليه مهمة رئاسة المخابرات العامة. وشعوره ب”كبره في السن”.

تحكم النظرة الباكستانية إلى أفغانستان معادلة “العمق الاستراتيجي” التي يشدّد عليها الأمير تركي في كتابه من حيث أن وجود قوة داخلية أفغانية حليفة لباكستان مسيطرة على أفغانستان  يمنع الهند، الخصم الجيوسياسي بل العدو الاستراتيجي لباكستان من”محاصرة” باكستان. بهذا المعنى ماذا يتاح القول عن العلاقة الاستراتيجية المتزايدة بين باكستان ودولة عظمى كالصين الخصم الكبير الإقليمي للهند؟

السؤال الآن حول العلاقة الصينية الأفغانية بعد سيطرة طالبان في أيلول المنصرم على كابول هو كيف ستتجه هذه العلاقة وهل ستكون جزءاً من واقعية الجيل القيادي الجديد في “طالبان” الذي يركّز أو يُفترَض أن يركِّز على أولوية الاهتمام بالداخل أو شعار “أفغانستان أولاً” أم ستفرض الاعتبارات الأيديولوجية نفسها فتنخرط “طالبان” في دعم منشقّي أقلية الإيغور المسلمة داخل الصين أو لا تتمكن  قيادة “طالبان” من ضبط تحالف عناصر متطرفة منها مع تنظيمات جهادية متطرفة ناشطة في داخل إقليم سينكيانج الصيني ضد الحكومة الصينية كما يطرح بعض محللي مجلة “فورين أفيرز” الأميركية؟

أخيراً.. حسنا فعلت “أساس” بأنها ختمت نشرها لهذا الكتاب الهام حول الماضي بحوار مع الأمير تركي من خارج الكتاب حول المستقبل.

وهنا اخترت فقرتين من الحوار حول نظرته للعلاقات السعودية الصينية كما حول تقييمه لموقع الولايات المتحدة العالمي أنشرهما حرفياً و من دون تعليق:

 “تبيّن في الاجتماعات التي حصلت بين القيادتين السعودية والصينية أنّ البلدين تجمعهما علاقة قوية من ناحية النظرة الاستراتيجية، وإن كنت تحب أن يكون تعريفها بأنّها اتفاقية استراتيجية، فهذا عائد لك. لكن هناك وجهة نظر سعودية – صينية مشتركة ترى أنّ هناك مصالح استراتيجية تربطهما طبعاً، أوّلها الاستقرار في المنطقة، وثانيها المصلحة المشتركة من التبادل التجاري، وثالثها تكثيف التبادل الثقافي بين البلدين. ومن هذا المنطلق، شرعت المملكة في اعتماد اللغة الصينية لغةً تُدرّس في مدارس المملكة من المستوى الأول حتى المستوى النهائي. ونحن نعرف أنّ الصين، ما شاء الله، عندهم برنامج لتعليم اللغة العربية مكثّف وبديع جداً. وأنا زرت بعض المراكز في الصين، وأُعجبت وذُهلت من كيفية إتقان هذه البرامج الفريد للّغة العربية. نشهد ذلك في ممثّلي الصين في منطقتنا، إن كان في السفارات أو في المراكز التجارية أو غيرها. وهذا الشقّ أعتقد أنّه قائم، وأنّ هناك مصالح استراتيجية تجمع بين المملكة والصين. فهل يؤدّي ذلك إلى اعتبار الصين بديلاً من الولايات المتحدة؟ لا أعتقد أنّ هذا أمر واقع حتى الآن.”

يتابع الأمير تركي:

“هناك مَن يقول إنّ الولايات المتحدة إلى زوال أو تواهن أو اضمحلال وغير ذلك ممّا يُقال الآن ويُروّج حتى في الولايات المتحدة. لا أعتقد أنّهم مُصيبون في ذلك، وأعتقد أنّ الولايات المتحدة ما زالت تتمتّع بقوى وقوات وقدرات كبيرة جداً، وربّما تكون هي الأولى في ذلك بالنسبة للعالم. من ناحية الإمكانات العسكرية لا تزال الولايات المتحدة هي الرقم واحد في العالم، ويكفي النظر إلى عدد الأساطيل التي تملكها وتنتشر حول العالم، هذا مثال واحد. فالصين ليست لديها إمكانيات عسكرية توازي إمكانيات الولايات المتحدة حتى الآن. وبالنسبة للشريك الأمني في منطقتنا، كانت الولايات المتحدة قادرة دائماً على أن تحفظ الأمن في المنطقة من المخاطر بالتوافق مع الدول فيها. والأمثلة على ذلك كثيرة، طبعاً كان أبرزها حرب تحرير الكويت التي شاركت فيها ليس فقط الولايات المتحدة، بل العديد من دول العالم مع دول مجلس التعاون، من أجل صدّ غزو صدّام حسين للكويت. هذا الشقّ لا يتوافر عند الصين حتى الآن، وأعتقد أنّ الصين نفسها ليس لديها طموح إلى أن تكون هي بديلاً للولايات المتحدة من هذا المنطلق. لكنّ التاريخ والأيام ستأتي، وسنرى ماذا سيحصل بين الدولتين. وأرجو أن لا ينشب بينهما قتال، لأنّه في النهاية إذا نشب بينهما قتال، فهذا يعني أنّنا كلّنا سنكون خاسرين وليس فقط هم. هذا الأمر أعتقد أنّه واضح، ليس فقط بالنسبة للقيادة عندنا، لكن أيضاً للشعوب وللمراكز البحثية”.

“النهار”اللبنانية