aren

مخاطر السيناريو الأسوأ فى مايو \\ ناصيف حتي
الثلاثاء - 6 - مارس - 2018

نحن على موعد فى شهر مايو القادم مع استحقاقين خطيرين، ولو اختلفت درجة الخطورة بينهما، يحملان احتمالات مختلفة من توتر ذات مستوى جد مرتفع، قد تؤدى سخونته ومحاولة البعض توظيفه إلى حرب مفتوحة أو إلى أعمال قتالية محدودة.

استحقاق ثالث ولو أنه غير مرتبط بتاريخ معين يندرج فى سياق حامل لتصعيد سريع قد يؤدي إلى انفجار وحرب خاصة أنه يرتبط بالاستحقاقين الأولين، تأثرا وتأثيرا بشكل مباشر وغير مباشر، من حيث سباق صراع النفوذ وصدام الاستراتيجيات فى «لعبة الأمم» فى الشرق الأوسط.

• الاستحقاق الأول

يتعلق بانتهاء فترة المائة وعشرين يوما فى ١٢ مايو التى أعطاها الرئيس ترامب لحلفائه وخصومه، عندما مدد تجميد العقوبات على إيران، كفرصة أخيرة من أجل إبرام اتفاق ملحق بالاتفاق النووي يعالج ما تعتبره الولايات المتحدة ثغرات جسيمة فيه، مهددا بالانسحاب من الاتفاق إذا لم يتم ذلك.

الاتفاق صار حقيقة قانونية وسياسية دولية قائمة بذاتها، وإيران تتمسك به كما هو، وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا الاتحادية والصين الشعبية. ويبدي الحلفاء الثلاثة للولايات المتحدة وهم فرنسا وبريطانيا وألمانيا قلقهم من الموقف الأمريكي ويحاولون فى مباحثات جانبية مع إيران بلورة صيغة تفاهم بين المطالب الأمريكية من جهة والموقف الإيراني المتمسك بالاتفاق من جهة أخرى.

الخوف كل الخوف من أن يعاد فتح هذا الملف الخطير وتعريض ما تم إنجازه لاحتمال حصول توتر إقليمي كبير وشامل يغذي توترات قائمة فى شرق أوسط يعيش على صفيح ساخن.

انسحاب الولايات المتحدة وإسقاط الاتفاق النووي فى المضمون وإن لم يكن فى القانون قد يدفع إيران إلى الخيار الكوري الشمالي؛ خيار بناء ترسانة نووية. ذلك كله سيؤدي إلى صدام حاد مع طهران، فيغذي حروبا قائمة أو يؤدى إلى حروب أخرى بالوكالة فى النقاط الساخنة الممتدة من اليمن إلى سوريا. يزيد فى درجة التوتر المطالب الغربية للبحث فى موضوع الصواريخ الباليستية التى طورتها طهران وهو موضوع تعتبره الأخيرة أنه خارج أي موضوع تفاوضى مع الغرب.

إنه موضوع سيزيد من سخونة المواجهة الأمريكية الإيرانية القادمة، كما أن الموضوع النووي سيحدث إرباكا دون شك بين واشنطن وحلفائها الغربيين فى الاتفاق وسيحدث علاقة توتر مع الشريكين الروسي والصيني فى الاتفاق ذاته.

صحيح أن السيناريو العسكرى الأمريكي الإيراني المباشر غير قائم ولكن التصعيد الأمريكي لفرض عقوبات على إيران قد يدفع بالأخيرة للرد فى أماكن أخرى؛ خاصة أن هناك نقاط تماس عديدة بين حلفاء واشنطن من الدول العربية وإيران فى عدد من بؤر الصراع القائمة والتي قد تزداد اشتعالا بسبب الملف النووى.

***

• الاستحقاق الثاني

يتعلق بقرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس فى ذكرى قيام دولة إسرائيل بتاريخ ١٤ مايو. رمزية اختيار التاريخ ستزيد من الاحتقان ودرجات التوتر على الصعيدين الفلسطيني والعربي ولو أن الموقف العربى الرسمي سيستمر فى سياسة الإدانة والتحذير والرهان على ما سيطلقه الرئيس الأميركي من مبادرة سلام فلسطينية إسرائيلية.

الهدف من هذه المبادرة ليس التوصل إلى حل على أساس احترام حقوق الشعب الفلسطيني التى شكلت مرجعية دولية استقرت كمعطى أساسى للتسوية النهائية ولو أن موازين القوى لا تسمح بفرضها على أرض الواقع.

إن الهدف الفعلي والعملي للمبادرة الأمريكية هو تغيير الأولويات فى المنطقة واستعمال «ورقة التسوية» كجسر عبور ولو فى الحد الأدنى الممكن نحو تطبيع إسرائيلي عربي تحت عنوان البحث عن سراب السلام.

قد تقوم إيران فى إطار مواجهتها لسياسة الولايات المتحدة وحلفائها العرب بمحاولة استغلال وتوظيف المنسوب المرتفع من التوتر والغضب واليأس وغياب أي أفق فعلي للسلام، لتشجيع العودة إلى «الورقة» العسكرية عند الطرف الفلسطيني من خلال تشجيع تسخين الحدود بشكل خاص بين قطاع غزة وإسرائيل وفتح الباب أمام تصعيد إسرائيلي والدفع نحو خلط الأوراق نتيجة لسياسات التصعيد والصدام فى هذا الإطار.

***

سياق آخر قد يعزز الانفجار عبر إحدى بوابتي التوتر المشار إليهما يتعلق بالخط التصاعدى الذى اتخذته المواجهة الإيرانية الإسرائيلية فى سوريا. فإسرائيل تصر على وضع خطوط حمر أمام بناء قواعد عسكرية لإيران وحلفائها فى سوريا، فيما تعمل إيران على بناء وتعزيز مناطق نفوذها فى المسرح الاستراتيجي السوري قبل أن تحل لحظة التسوية وتقاسم مناطق النفوذ فى سوريا بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة على هذا «المسرح».

قد تحاول إسرائيل فى تصعيد حربها ضد إيران وحلفائها الاستفادة من مناخ الصدام الأمريكي العربي مع إيران فى حرب قد لا يبقى لبنان فى منأى عنها. كما قد تلجأ إيران من جهتها إلى تصعيد عسكرى لخلط الأوراق وقلب الأولويات عبر الصراع فى المسرح السوري.

ما قد يساعد على حصول هذه الصدامات أو على الأقل ما قد لا يردع حصولها ازدياد حدة المواجهة الأمريكية الروسية ومستوى التوتر فى العلاقات بين الطرفين الذى نشهده اليوم الذى يذكرنا بلغة الحرب الباردة.

إن الفترة الزمنية المتبقية حتى تاريخ هذه الاستحقاقات هى بمثابة جرس إنذار فى سباق بين ولوج منطق التسويات الكبرى والشاملة وبين الانفجار الذى يطال مصالح الجميع.

“الشروق”