aren

ما كُتِب قد كُتِب \\ كتابة : جوني منير
الخميس - 7 - سبتمبر - 2017

 

إنهار تنظيمُ «داعش» في دير الزور بسرعة كبيرة مخالفاً التوقعات. كان البعض ينظر الى قتال سيمتدّ أشهراً، أو على الأقل لأسابيع قبل أن يظهر مدى الضعف والتفكّك الذي أصاب التركيبة القتالية لـ«داعش».

ودير الزور مهمة كثيراً في مسار الحرب الدائرة في سوريا والتي وصلت الى فصولها الأخيرة ، وأهميّتها لا تقتصر على أنها تشكل أحد آخر ملاذات «داعش»، بل خصوصاً لأنها المنطقة الاستراتيجية بامتياز وفق الواقع الجيوسياسي الجديد لسوريا.

فهي تؤمّن التواصل البرّي بين طهران وجنوب لبنان، ما دفع إلى التزاحم في السيطرة على أرجاء دير الزور بين الجيش السوري المدعوم من حلفائه وقوات «قسد» ذات الإمرة الكردية والمدعومة من التحالف الغربي.

ودير الزور غنيّة بمنابع النفط التي باتت واقعة تحت النفوذ الروسي، إضافة الى السهول التي تُنتج القمح والحبوب، والتي توازي بأهميّتها حقول النفط. وفي دير الزور أيضاً مشاريع أميركية لإنشاء نقاط عسكرية كبيرة تكاد تصل الى أنّ تشكّل مستقبَلاً قواعدَ عسكرية.

وخلال الأسابيع المقبلة ستستمرّ اندفاعةُ الجيش السوري للإجهاز على «داعش»، والأهمّ للإمساك بالمناطق التي ستبقى ضمن نفوذه المباشر مدعوماً بالغطاء الجوّي الروسي وبالدعم البرّي والصاروخي أيضاً.

وفي موازاة ذلك تدور نقاشات حول طريقة التعاطي مع واقع إدلب ، فالمعركة إذا ما حصلت ستكون قاسية ودمويّة وعنيفة مع وجود عشرات الألوف من عناصر «النصرة» وتنظيمات أخرى في منطقة محاصرة لا خيار أمامها سوى القتال.

أضف الى ذلك الجانب التركي الطامح لدور له ولو محدود في الشمال السوري، ويبدو أنّ عدداً من الأفكار حول إدلب يجري طرحها ويتمحور بعضها حول إعلان حلّ «جبهة النصرة» في مقابل إنشاء إطار جديد للمعارضة يضمّ كلّ القوى والتنظيمات، ويتمّ تشكيل جبهة قيادية توفّق بين الشروط المطلوبة والواقع الجديد لسوريا ، و وفق السياق نفسه ظهر توجّهٌ الى تعليق برامج الاغاثة في إدلب بدأت به بريطانيا، والهدف منه قد يكون إنضاج الظروف لتأمين التسوية المطلوبة.

لكنّ المهم أنّ القرار بإنهاء الحرب في سوريا اصبح ساري المفعول، وأنّ الأعمال العسكرية الحاصلة تهدف إلى ترتيب الساحات والميدان تماشياً مع الصيغة السياسية الجديدة لسوريا.

واشنطن تقرّ ببقاء الرئيس بشار الأسد وتُعبّر عن ذلك بطريقة غير مباشرة حين تعلن أنّ مصير الأسد أصبح في يد روسيا.

بريطانيا تتحدّث عن سياسة جديدة تجاه سوريا تقوم على «الواقعية النفعية»، أما الأردن فهو أصدر بياناً أعلن فيه أنّ العلاقات الثنائية مع دمشق تسير في الاتجاه الصحيح، فيما نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن وزير الخارجية السعودية عادل الجبير قوله لوفد المعارضة السورية خلال وجوده في الرياض إنّ بلاده نفضت يدها من الحرب السورية.

الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي شكّلت بلادَه رأسَ حربة القرار الدولي لإزاحة الأسد، قال بوضوح خلال اللقاء السنوي للسفراء الفرنسيّين في العالم إنّ أولوية فرنسا في الشرق الأوسط هي لمحاربة «داعش»، ومكافحة سبل تمويل هذا التنظيم الارهابي.

وفيما تجنّب ماكرون التطرّق الى الأسد، أعلن عن التحضير لعقد مؤتمر دولي في باريس مطلع السنة المقبلة بهدف محاربة تمويل الارهاب. وهو ما يعني أنّ التركيز الفرنسي، ومعه الأوروبي، سيذهب في اتّجاه الجهات والدول التي تولّت، وربما لا تزال، تأمين المعونات المالية للتنظيمات والمجموعات المتطرّفة والتي كانت قد أشارت إليها تقارير أمنية رسمية أوروبية وأميركية اكثر من مرة في المراحل السابقة.

وفيما أكّد ماكرون خلال الاجتماع السنوي الذي يُعقد بعيداً من الإعلام أنّ أولويات فرنسا المساهمة في استعادة استقرار العراق وسوريا والمحافظة على استقرار لبنان، اشار الى تعاون قائم مع روسيا في هذا الاطار. لكنّ الجديد كان ما كشفه عن اتصالات فرنسية مع إيران حول أوضاع المنطقة وسبل التعاون، ولم ينسَ الاشارة في مجال آخر الى أنّ خطوات فرنسا في الشرق الأوسط تحصل بالتعاون والتنسيق مع واشنطن.

صحيح أنّ ماكرون والذي يضع الشرق الأوسط أولويّة لبرنامج عمله يُحاول إعادة حضور بلاده في هذه المنطقة المهمة جداً والتي بات النفوذ الروسي فيها هو الطاغي على حساب الدور التاريخي لفرنسا، لكنّه في الوقت نفسه يعمل على إعادة التوازن لسياسة بلاده بعد مغامرات فاشلة أنتجت تراجعاً كبيراً للحضور الفرنسي في المنطقة.

وهو لذلك يحاول الاستفادة من تراجع الاهتمام الاميركي بسبب الأزمة السياسية الداخلية الكبيرة، وأن يستحوذ على جزءٍ من الوكالة التي منحتها واشنطن لموسكو.

وماكرون الذي يريد أن يوسّع دور بلاده في الشرق الأوسط، يُدرك أنّ ما تبقّى لفرنسا من هذه المنطقة هو بعضٌ من الساحة اللبنانية، لذلك استقبل رئيس الحكومة سعد الحريري مطلقاً وعداً فرنسياً بعقد مؤتمر «باريس 4» لإنقاذ لبنان من الخطر الاقتصادي الذي بات يطوّقه رغم المشكلات الاقتصادية الكبيرة التي تهزّ فرنسا، وسيكون ماكرون أكثرَ وضوحاً خلال استقباله الرئيس اللبناني العماد ميشال عون في زيارة الدولة نهاية هذا الشهر.

لكنّ الظرف الذي تمرّ به منطقة الشرق الأوسط والذي يُشبه إعادة تكوين جديدة في ظلّ غيبوبة اميركية واكتفاء بالمراقبة من بعيد والتفاهم مع وكلاء على الارض، وفي طليعتهم روسيا، كل ذلك يدفع بقصر الإيليزيه الى عدم تفويت الفرصة.

ذلك أنّ الرئيس دونالد ترامب المحشور والمقيّد والمكتئب كما وصفته «الواشنطن بوست»، يفتش عن عناوين شعبية تضع حداً لتراجع شعبيّته، وهي قد لا تتلاءم أو تعكس حقيقة سياسة بلاده.

ومثالاً على ذلك، فهو ملزم بانتهاج سياسة اعلامية هجومية تجاه إيران، وهو ما لا يُعبّر عن الواقع ، فترامب تحدّث عن إلغاء الاتفاق النووي فيما بدا قرار إدارته مخالفاً لذلك.

وفي آخر المواقف على هذا الصعيد، ما اعلنته السفيرة الاميركية في الامم المتحدة نيكي هايلي والمرشّحة لأن تتولّى موقع وزير الخارجية في حال استقال ريك تيلرسون قبل نهاية السنة، من أنّ الاتفاق النووي مع إيران لن يُمَس وستتمسّك به واشنطن.

وفي ضوء هذا الموقف بدا التصعيد الإسرائيلي في وجه إيران و«حزب الله» محاولة للحدّ من المكاسب التي اقتربت طهران من تحقيقها في المنطقة، والتي باتت أمراً واقعاً، وفي الوقت نفسه السعي الى تقريب المسافة مع الحلف المناوئ لإيران ودور رأس الحربة الذي تستطيع إسرائيل أن تلعبه في هذا الإطار.

وفيما تركّز تل ابيب على الجانب العسكري ونيّة إيران إنشاء مصانع انتاج صواريخ في لبنان وسوريا، فإنّ عواصم غربية ومن بينها باريس تعتقد أنّ طهران تريد فعلياً من خطوتها هذه المفاوضة للمقايضة لاحقاً بإنشاء قاعدة عسكرية لها على الساحل السوري مقابل عدم إنشاء مصانع الصواريخ.

أما المناورة العسكرية التي ينفّذها الجيش الإسرائيلي لمدة عشرة أيام والتي تُعتبر الأكبر منذ عشرين عاماً، والتي يشارك فيها عشرات الألوف من الجنود، فهي تحاكي المحور المناهض لطهران أكثر منه التلويح بحرب جديدة لا تبدو ظروفها الدولية مؤاتية.

في أيّ حال، فإنّ التحسّبَ الإسرائيلي لهجوم برّي لـ«حزب الله» من خلال الحدود، اضافة الى هجوم بحري من خلال سفن صغيرة سريعة ومعدّات غوص، والتحسّب لصواريخ متطوّرة مضادّة للسفن موجودة لدى «حزب الله» كما تُظهر ذلك المناورة، كل ذلك يوحي بأنّ إسرائيل مدركة بأنّ أيّ معركة مقبلة مع «حزب الله» ستكون اختباراً صعباً جداً، أضف الى ذلك أنّ سلاح المشاة الإسرائيلي لا تزال تعتريه مشكلات كبيرة وكثيرة.

المهم أن لا يخطئ بعض اللبنانيين الحسابات الإقليمية المتشابكة والمعقّدة مرة جديدة، فيما تاريخنا غنيّ بالحسابات المتهوّرة والمتسرّعة.

 ” الجمهورية ” اللبنانية