aren

“مالك غير الملكة لتساعدك” !! \\ بقلم : د.فؤاد شربجي
الثلاثاء - 8 - يونيو - 2021

هذه ليست قصة خرافية ، هي حادثة حقيقية. يبدو انها تحمل في معانيها ، روحا مستدامة للتعبير عن العلاقة بين (الحاكم والشعب).

بطل القصة ، دهان انكليزي يدعى (مايكل فيفين). بسبب سياسات رئيسة الوزراء البريطانية –يومذاك- مارغريت تاتشر الاقتصادية ، تفاقمت معاناته مع تزايد نسبة البطالة.

هذه البطالة ، التي دفعت مايكل الى تلقي الاعانات الاجتماعية الشحيحة ، ومع تطاول استمرار هذه الازمة، تركته زوجته ، وأخذت طفليه معها لتعيش مع من يستطيع اعالتهما . مما زاد من معاناة مايكل ، فطلب من الخدمة الاجتماعية ، ان تزيد له المساعدة ، فأحالوه الى نائب منطقته ، وعندما سأل عضو مجلس العموم والمسؤول عنه ، لم يجد استجابة لطلبه.

انفجر مايكل على النائب ، قائلا: (طيب ، اذا انت اللي بتمثلني ماعم تقدر تحل لي مشكلتي لمين بدي ألجأ )، فأجابه النائب ليتخلص منه : (روح اطلب من الملكة تساعدك . مالك غير الملكة). وخرج مايكل من عند النائب ، ويدور في رأسه عبارة : (روح اطلب من الملكة). بالفعل ، ذهب مايكل ليلا الى محيط قصر باكنغهام (مقر الملكة) ، ومن جهة خلفية ، قفز فوق السور ، وغافل الحرس ، ليتسلق أحد الانابيب ، ويدخل القصر .

بحث عن غرفة الملكة ، لكن احدى الخادمات ، انتبهت له ، فهرب ولم يستطع الحرس اللحاق به ، وعندما عرفت الملكة ، وعلمت انه لم يسرق شيئا ، ولم يؤذ أحدا ، فقط شرب من زجاجة نبيذ ثمنها (8 جنيهات)، قررت الملكة ، عدم اثارة الموضوع ، كي تتجنب استغلال الحادثة من قبل الشرطة لزيادة مراقبة القصر ، وكتم أنفاس وتحركات العائلة المالكة.

لكن مايكل ، عاد مرة أخرى ، ووصل الى غرفة نوم الملكة ، وعندما فتحت الملكة عيونها على الضوء القادم من النافذة ، وجدت غريبا يجلس أمامها ، ولما ذعرت ، هدأها بقوله : انه لن يؤذيها ، وفقط يريد ان يتحاور معها ، فأنصاعت لطلبه ، وبدأت تستمع اليه.

فبدأ من مهنته (قصركم عتيق ، ودهانه يتصدع ويحتاج الى ترميم ودهان) ، وتفهم الملكة بانه يعمل دهانا ، عندما يعرض عليها ترميم القصر واعادة دهانه . ثم يجلس قريبا منها ، ليخبرها عن تفاقم البطالة وازيدياد الفقر بسبب سياسات تاتشر: (صدقيني هي مو خرج تحكم .عم تفقر الناس وتوقف الاعمال وبعدين رايحين نشن حرب ضد الارجنتين بآخر الدنيا … وقالوا لي انه مالنا غير الملكة لتساعدنا منشان هيك جيت لعندك لفهمك الوضع ولتساعدي هالشعب من الفقراء والبطالين).

وتتحاور الملكة معه حول سياسات تاتشر والفقر والبطالة والحرب ، حتى دخلت الخادمة ، ورأته ونادت على الحرس ، فتدخلت الملكة طالبة عدم معاملته بقسوة ، وقبل ان يسلم نفسه للحرس ، مد يده ليصافحها ، فصافحته الملكة ، وهي تقول له : (سأستفيد من كل كلمة قلتها لي).

ولكن ماجرى، أن انتصار تاتشر في جزر “فوكلاند” ، غطى على كل اجراءاتها الاقتصادية الرأسمالية ، واهتمت الصحافة (فقط) بغرابة وصول مايكل الى غرفة نوم الملكة ، بدلا من اهتمامها بمطالبه ، وماطرحه حول الفقر والبطالة.

وانتهى الدهان في مصحة عقلية ، لان الحكومة وجدت ان اتهامه بالجنون ، أهون من اعلان مطالبه حول الفقر وأسهل من معالجة أسباب فقره وبطالته ، والملكة وعدت بالاستفادة من حديثه لكن تاتشر و(حزبها)، كرس الرأسمالية المتوحشة في بريطانيا ، غير عابئة بالفقر والفقراء ، الذين سيزدادون ، نتيجة هذه الرأسمالية الوقحة.

الدهان العاطل عن العمل ، استطاع الوصول الى مخدع الملكة، وعرض معاناة الشعب والفقراء العاطلين عن العمل ، ولم يحصل على أكثر من مصافحة الملكة ، لينتهي في المصحة.

وأؤكد لكم ، انها قصة حقيقية ( وغير خرافية) مثل وحشية الرأسمالية ، وقسوة الفقر ، وهمجية البطالة ، والانهيار الاقتصادي .

الدهان انتهى في المصحة ، والملكة تستمر في قصرها … والرأسمالية تزداد وحشية.